القائمة الرئيسية

ترتبط الذاكرة بالجسد كله، هكذا يتحدى الإنسان فقدان الذاكرة

ترتبط الذاكرة بالجسد كله، هكذا يتحدى الإنسان فقدان الذاكرة
ملخص المقال

يستعرض المقال تجربة الأشخاص المصابين بفقدان الذاكرة المتقدم، والذين لا يستطيعون الاعتماد على ذاكرتهم الواعية لتحديد هويتهم، فيلجؤون بدلاً من ذلك إلى أجسادهم وعاداتهم وتجاربهم المتجسدة لإحساس الذات. من خلال قصص مثل سادي وهنري وجريثا، يوضح الكاتب كيف أن الهوية لا تعتمد فقط على الذاكرة السردية، بل يمكن أن تتجلى من خلال الممارسات اليومية، والعلاقات، والمشاعر الجسدية، والمهارات المتجذرة في الجسد، فيما يسمى بـ""الذاكرة الريلكينية"" التي تنبع من التجربة الحسية والجسدية المتكررة. يؤكد المقال أن الشخصية ليست ملكًا للعقل وحده، بل خاصية للجسم كله، وأن دعم الناجين من إصابات الدماغ يتطلب احتضان هذا الفهم الشامل للهوية والذاكرة.

بقلم: بين بلاتس فلاتس

إنَّ الأشخاص المصابين بفقدان الذاكرة المتقدم لا يمكنهم الاعتماد على ذاكرتهم للإحساس بالذات، فعوضًا عن ذلك يتذكرون ذاتهم بأجسادهم.

 عندما تستيقظ في الصباح، كيف تعرف من أنت؟ يمكنك أنْ تقول شيئًا مثل: “لأنني أتذكر”. إجابة جيدة تمامًا. فعلى سبيل المثال عدَّ الفيلسوف الأمريكي جون لوك أنَّ الذاكرة أساس الهوية. “يرافق الوعي الفكر دائمًا” كتب عام 1694م كلما تمدد الوعي للوراء لفعل ماضٍ أو فكرة كلما تمددت هوية هذا الشخص

بالنسبة لمعظمنا، فإن مسألة مصدر الهوية ليست لها صلة على حياتنا اليومية. لا يجب علينا أنْ نحاول أنْ نتذكر من نحن، نحن نعرف وحسب. ولكن بالنسبة للعدد المتزايد من الأشخاص الذين ينجون من إصابات الدماغ كل عام، فهي قصة مختلفة. إذا نجوت من حادث أو مرض يحد من قدرتك على تكوين ذكريات جديدة، مما يجعلك تصاب بـ “فقدان الذاكرة المتقدم”، فقد تضطر إلى البحث عن هويتك في مصدر آخر غير الذاكرة.

على مدى الخمس عشرة سنة الماضية من العمل في الجمعية الخيرية للمصابين دماغيًّا في المملكة المتحدة في مركز هيدواي شرق لندن. قابلت العديد من الأشخاص الذين كان فقدان الذاكرة المتقدم لديهم سببًا في تغيير وجودي عميق. سادي، ممرضة أطفال وأم لطفلين نجت من سكتة دماغية. جريثا، عاملة في المدينة أصيبت بعدوى. هنري، بائع خضار عانى من قصور في القلب في أثناء اعتداء عنيف، كان دماغه مصابًا بنقص بالأكسجين. لقد تعافوا جميعًا بشكل جيد من منظور طبي، ولكن بسبب فقدان الذاكرة، وجدوا أنَّ تكوين ذكريات واعية جديدة صعبة أو مستحيلة. ونتيجة لذلك، فإنهم يعيشون في قدر كبير من عدم اليقين والارتباك، ناهيك عن القيود المأساوية على حرياتهم اليومية.

 تدعم القدرة على تكوين ذكريات جديدة جوانب المسؤولية الشخصية والمهنية جميعها تقريبًا. أصبح كلٌّ من سادي وجريثا وهنري عاطلين عن العمل بعد إصابات الدماغ، وفقدوا العديد من الروابط والأدوار التي أعطت معنى لحياتهم قبل فقدان الذاكرة. اضطر كلُّ من سادي وجريثا إلى الانتقال إلى المنزل للعيش مع والديهم المسنين، وهنري للعيش في سكن محمي. عندما لا يكونون في المنزل أو في مركز هيدواي، يرافق عمال الدعم الثلاثة في كل دقيقة من اليوم. يمكن أنْ يؤدي التكيف مع فقدان الذاكرة إلى خسائر نفسية عقابية. فعلى سبيل المثال، عاشت سادي مع قلق رهيب عدة سنوات بعد السكتة الدماغية. أتذكر مع وصول إحباطها وذعرها إلى ذروته كانت تفقد السيطرة على أعصابها، وغالبًا ما تستهدف عامل الدعم الذي لا لوم عليه. في غياب أي تذكر واعٍ لما أدى إلى هذه الغضبات، كانت سادي في حيرة من أمرها لتفسير وضعها. وضح لي أن كأنها في كابوس، كانت تعرف فقط أنها لا تعرف ما يجري. هذا درس مخيف حول ما يعنيه العيش دون القدرة على تكوين ذاكرة الفكر الواعية التي وصفها لوك، والتي يسميها علماء النفس الآن ذاكرة “السيرة الذاتية”. يسمح تذكر الأحداث الأخيرة للشخص بتوجيه نفسه، وتأسيس إحساسه بالهوية والحفاظ على خيط سردي يضعه بشكل متماسك في العالم. لقد وجدوا جميعًا طرقًا جديدة لتحقيق الاستقرار وتغذية إحساسهم بالذات من خلال العمل.

لكنني أريد أنْ أحذر من الفكرة التي طرحها لوك، أنَّ التكوين المستمر للذاكرة الواعية مثل الهوية. على الرغم من ظروفهم المحيرة في كثير من الأحيان، فإن كل ناجٍ من فقدان الذاكرة أعرفه هو إنسان متميز وحيوي، وله شخصية لا تضاهى وشعور قوي بالذات. ما هو الذي يسمح لهم بمعرفة من هم في غياب الذكريات الجديدة؟ 

لدى العديد من الناجين ذكريات مهمة عن حياتهم قبل الإصابة، والتي تشكلت قبل حدوث فقدان الذاكرة، ويمكن أنْ تساعد هذه الذكريات القديمة في ترسيخ هوياتهم. فعلى سبيل المثال، علاقة سادي بأطفالها ما تزال مهمة للغاية بالنسبة لها. ولكن في الوقت نفسه، هنري بالكاد يشير إلى حياته قبل الإصابة، ويفضل بعض الناجين الذين أعرفهم نسيان من هم بالماضي، حتى عندما يسترجعون ذكرياتهم ما قبل الإصابة، فأنا مقتنع أنَّ قلة من الناجين يعتمدون عليها وحدها. بدلًا من ذلك، وجدت كلٌّ من غريتا وسادي وهنري طرقًا جديدة لتحقيق الاستقرار وتغذية إحساسهم بالذات من خلال العمل، من خلال العادات والأدوار التي تسمح لهم الاستمرار في النمو والتعلم.

بنى هنري مهنة كفنان منذ إصابته بفقدان الذاكرة. على الرغم من أنَّ ذكرياته الواعية عن مهنته تتلاشى حتمًا، فإنه ينجذب إلى الاستوديو الفني بموثوقية لا تخطئ، تجذبه المشاعر الإيجابية التي ينتجها عمله فيه. قبل عامين طلب منه تصميم شارة لأعضاء هيدواي لارتدائها في حفل افتتاح المعرض. كان مكتوبًا عليها “فنان”. احتفظ بعمله الفني وارتداه كثيرًا، على الرغم من أنني أعتقد أنه ليست لديه الآن ذاكرة واعية للحدث الذي صنعت من أجله. 

تتحدث غريثا بفرح عن كيف أنَّ ممارستها الخاصة للرسم، والتي بدأتها في هيدواي، تساعد في توجيهها: “أعرف عملي اليدوي. أعرف من أنا. إنه ليس إحساسًا قويًّا دائمًا ولكنه دائمًا أنا”. تتحدث أيضًا عن تأثيره الإيجابي على مزاجها، وهو تأثير يعمل حتى في غياب التذكر الواعي. تقول غيرتا: “أنا أكثر سعادة عندما أكون في أستوديو الفن حتى لو كنت لا أتذكر أنني كنت هناك. كأنك ثملت ولكنك لا تتذكر أنك شربت الخمر، ألا يشعرك بالغضب”؟ 

عندما تغني سادي خلال جلسات الموسيقى في المركز، مما يدل على تذكرها المثالي لكلاسيكيات موتاون، قد يكون من الغريب معرفة مدى عمق فقدان الذاكرة لديها خارج هذا السياق. أتذكر أيضًا يومًا أحضرت فيه إحدى الموظفات في هيدواي طفلها حديث الولادة للزيارة. عندما رأت سادي نسيت الوضع المثير والمشتت إلى حد ما، الذي غالبًا ما يشغلها في المركز، وأخذت الطفل بين ذراعيها بهدوء. احتضنت المولود الجديد بثقة بينما كانت تسأل الأم أسئلة شخصية وحساسة حول صحتها وعادات نومها.

لدى سادي ذاكرة غنية عن حياتها قبل الإصابة، بما في ذلك سنواتها كممرضة أطفال. من المؤكد أنَّ اللقاء مع الطفل أثار كلًّا من “المهارات” المرتبطة بذلك الوقت، أو ما يسميه الباحثون الذكريات “الإجرائية”، بالإضافة إلى ذكريات السيرة الذاتية. لكنني أعتقد أنَّ التجربة كانت أكثر من مجموع هذه الأجزاء. لم تعد ببساطة إلى الماضي. للحظة، وربما لأول مرة منذ إصابتها، كانت سادي الشخص الأكثر تركيزًا في الغرفة. موجهة ليس فقط إلى الطفل بين ذراعيها وإلى البالغين من حولها، ولكن إلى هويتها الخاصة. كنت أراقبها في مخاض ذاكرة كاملة مجسدة، لحظة واحدة، وحدت خبرتها التاريخية، وعاداتها الجسدية اللاواعية، وتجاربها التي تذكرت بوعي مع نواياها الحالية وأحاسيسها الجسدية وعاطفتها العميقة. تمنيت في تلك اللحظة أنني سألتها بما شعرت. 

الملاحظة التي أحاول أن أشير إليها هي أنَّ الشخصية ليست ملكية وحيدة للعقل، أو الدماغ، أو أي وظيفة واحدة لهذه الكيانات. الشخصية هي خاصية للجسم كله، والجسم كله مشارك في كيفية استمرار كلٍّ من الشخصية والفرد في مواجهة النسيان الدائم. كانت قراءة مدونة للفيلسوف مارك رولاندز، تناقش فكرته عن “الذاكرة الريلكينية”، التي أعطتني لغة لهذا الحدس غير المعلن حتى الآن. اختار رولاندز الاسم بسبب شيء كتبه الشاعر راينر ماريا ريلكه عام 1910م حول كيفية ظهور الشعر من الذكريات. 

الذكريات نفسها ليست مهمة فقط عندما تتحول إلى دمائنا، إلى نظرة وإيماءة، وتصبح بلا اسم، لا يعود تمييزها عن أنفسنا، عندها فقط يمكن أنْ يحدث أنه في ساعة نادرة جدًّا تنشأ الكلمة الأولى من القصيدة في وسطهم وتخرج منهم.

على عكس ذاكرة السيرة الذاتية اللوكينية، التي هي خاصية للتفكير الواعي وحده، تعيش الذاكرة الريلكينية في عمل الجسم كله، ناشئة عن “التصرف السلوكي” أو “المزاج الدائم” الذي يترك وراءه عندما تتلاشى الذاكرة السردية الواعية. عندما تكون هذه التصرفات والمزاجية ثابتة بما فيه الكفاية، فإنها تصبح “أسلوبًا وجوديًّا”، وهي طريقة للوجود يمكن أنْ تلم شتات الشخص في مواجهة “فقدان الذاكرة الكارثي”.

هذا ما أراه في الناجين من إصابات الدماغ، مثل هنري وجريثا وسادي. عندما يشاركون في الممارسات التي تعني شيئًا بالنسبة لهم، فإنهم يستغرقون في الحقائق الحية التي تذكرهم بأنفسهم. الناجون من فقدان الذاكرة، الذين فقدوا تكوين الذاكرة الواعية، المعرضون لإصابات الدماغ، هم أنفسهم في سياقات تعزز باستمرار ميولهم المتجسدة، وتصرفاتهم الجسدية، ومشاعرهم. الأماكن التي يكونون فيها أكثر ثقة في هوياتهم، هي تلك التي يُدعَمون فيها ليس فقط للتفكير ولكن للقيام بالأشياء التي يحبونها. لدعم هؤلاء الناجين، يجب أنْ نأخذ على محمل الجد فكرة الذاكرة الكاملة للجسم، والذاكرة الكاملة، والبحث عن طرق لتعزيزها، حيثما نستطيع.

عندما أستيقظ كل صباح، توجد أشياء أتعرف عليها كجزء مني “أنا”. تُستَبدَلُ هالة الحلم على الفور تقريبًا باستمرارية الفكر من اليوم السابق. ووراء هذا طبقات من الإحساس المألوف: جفاف بشرتي، حساسية يدي المبالغ فيها، الطريقة التي تريد عيناي أنْ تختبئ بها من ضوء النهار، الشعور الفارغ بجوع الصباح المعتاد، الأرق الجسدي الذي سيخرجني قريبًا من السرير. الكلمات موجودة حتى قبل أنْ أدرك ذلك، وأشعر بنوبة من الندم وأنا أكسر الصمت. ثم انظر إلى شريكي، وأحرك بجانبي، وأتعرف على مجال آخر كامل للهوية: الأشخاص الذين أشاركهم حياتي والمشاعر التي يجلبونها إلى الحياة. إنها سلسلة من التجسيد، من الميل، من الذات، التي تظهر. مما لا شك فيه، إذا نجوت من إصابة في الدماغ، فقد تتغير بعض هذه الأشياء أو تختفي، لكن ليس جميعها.

المصدر

مقالات ذات صلة