القائمة الرئيسية

كيف يمكن للتقنيات المتطورة أن تدعم الجهود العالمية في مكافحة الفساد؟

كيف يمكن للتقنيات المتطورة أن تدعم الجهود العالمية في مكافحة الفساد؟
ملخص المقال

يتناول المقال كيف أن الفساد يتطور بالتوازي مع التقدم التكنولوجي، حيث باتت الشبكات الإجرامية تستخدم أدوات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لتنفيذ أنشطتها بسرعة وكفاءة تفوق أحيانًا قدرات أنظمة المكافحة. في المقابل، يبرز المقال أهمية تسخير هذه التقنيات من قبل الحكومات والشركات والمجتمع المدني لتعزيز النزاهة والشفافية، من خلال رصد المخاطر، وتحليل البيانات، وكشف شبكات الفساد المعقدة. كما يشير إلى التحديات المرتبطة بجودة البيانات، وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، والتجزئة في الأنظمة المعلوماتية، مؤكدًا أن النجاح في مكافحة الفساد يتطلب ثلاث أولويات: بناء منظومات بيانات موثوقة، والاستثمار في الكفاءات والتعاون الدولي، وتطوير أطر قانونية وأخلاقية مواكبة. ويخلص المقال إلى أن التكنولوجيا، رغم أهميتها، ليست كافية بمفردها، بل يجب أن تُوظف بذكاء ومسؤولية كأداة فاعلة لتعزيز الشفافية والمساءلة.

في عصر يشهد تطورًا تقنيًا متسارعًا، يشهد الفساد هو الآخر تطورًا موازيًا. إذ أصبحت الشبكات الإجرامية تستخدم التقنيات المتقدمة بشكل متزايد للرشوة، وغسل الأموال، والتواطؤ، والإخفاء، وغالبًا ما تنجح في ذلك بوتيرة أسرع وأكثر فاعلية من الأنظمة المصممة لردعها. وفي هذا السياق، لم يعد استخدام أدوات مثل الذكاء الاصطناعي (AI) والبيانات الضخمة من قِبل الجهات الحكومية والشركات والمجتمع المدني ترفًا، بل ضرورة ملحة.

وقد طُرحت هذه الضرورة للنقاش خلال منتدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية العالمي لمكافحة الفساد وتعزيز النزاهة، الذي عُقد في 26 و27 مارس 2025، حيث جرى استكشاف كيفية تسخير هذه التقنيات لإعادة تشكيل الجهود الرامية إلى تعزيز النزاهة والمساءلة في مختلف القطاعات.

إن الإمكانات التي توفرها هذه الأدوات هائلة. يُستخدم الذكاء الاصطناعي حاليًا لاكتشاف مخاطر الفساد، وتعزيز الالتزام بالقوانين، ومراقبة المعاملات المالية، وكشف مخططات الرشوة المعقدة. وفي الوقت نفسه، تمكّن تحليلات البيانات الضخمة مؤسسات الرقابة وأجهزة إنفاذ القانون من رصد المؤشرات التحذيرية، ورسم الأنماط والشبكات الخفية، وبناء تحقيقات عابرة للحدود بسرعة ودقة لم يكن من الممكن تصورها سابقًا.

فعلى سبيل المثال، بدأت هيئات إنفاذ القانون في دمج بيانات المشتريات العامة، وسجلات الشركات، ومعلومات المالكين المستفيدين، لاكتشاف العطاءات المتواطئة وغيرها من مؤشرات الرشوة. كما تعمل الشركات على أتمتة عمليات العناية الواجبة، وتقييم المخاطر، وسير عمل الامتثال لتقليل الثغرات وتوقع الانكشاف على ممارسات فاسدة بشكل أكثر دقة. حتى الصحفيون الاستقصائيون باتوا يستخدمون تقنيات تعلم الآلة لتصفية وتحليل كميات هائلة من التسريبات والتقارير الواردة من المبلغين عن المخالفات، واستخلاص قصص ذات مغزى من تيرابايتات من الوثائق غير المهيكلة والمعقدة. وهذه الابتكارات لا تساهم فقط في تحسين وتسريع عمليات الكشف والإنفاذ، بل تخلق أيضًا أشكالًا جديدة من التعاون بين الحكومات والشركات والجهات الاستقصائية الملتزمة بسد فجوة التطبيق في جهود مكافحة الفساد.

ومع هذه الفرص تأتي تحديات جسيمة. فلا تزال جودة البيانات وموثوقيتها تمثل مصدر قلق رئيسي. إذ يمكن أن تؤدي البيانات غير الدقيقة أو الناقصة أو المتحيزة إلى تشويه تقييم المخاطر وإطلاق إجراءات إنفاذ معيبة. كما يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في التحقيقات قضايا إضافية، مثل ""الهلاوس"" التي تنتجها النماذج التوليدية، أو عمليات اتخاذ القرار الغامضة، مما قد يهدد مبادئ العدالة والمساءلة. وتخضع الخصوصية والأمن والاستخدام الأخلاقي للبيانات لرقابة متزايدة، خاصة عند تطبيق الخوارزميات في مجالات حساسة مثل التحقيقات أو العقوبات أو حماية المبلغين عن المخالفات، مما يجعل اعتماد نهج إنساني في استخدام التقنيات الرقمية أمرًا جوهريًا.

علاوة على ذلك، لا تزال العديد من أنظمة مكافحة الفساد تعاني من تشتت وتجزئة في بياناتها. فالسجلات الحيوية، مثل قواعد بيانات الملكية الفعلية أو تمويل الأحزاب السياسية وسجلات المشتريات، غالبًا ما تكون غير مكتملة، أو غير موحدة في تنسيقها، أو يصعب الوصول إليها بين مختلف المؤسسات والولايات القضائية. وهذا الافتقار إلى الترابط والمواءمة يعيق جهود الجهات المعنية في مكافحة الفساد، بما في ذلك تتبع التدفقات المالية غير المشروعة، وكشف شبكات الرشوة، وتنسيق إجراءات الإنفاذ العابرة للحدود. ومن دون بنية تحتية قوية للبيانات ومستوى من التوحيد القياسي، ستظل حتى أكثر التقنيات تقدمًا عاجزة عن تحقيق كامل إمكاناتها في مكافحة الفساد.

للاستفادة الكاملة من الإمكانات التي تتيحها التقنيات المتطورة في مكافحة الفساد والرشوة، هناك ثلاث أولويات أساسية يجب معالجتها:

1. بناء أنظمة بيانات موثوقة:
يُعد ضمان دقة البيانات وشموليتها وسهولة الوصول إليها وقابليتها للتكامل بين المصادر العامة والخاصة أمرًا جوهريًا. فوجود بيانات مجزأة، غير موثوقة، أو غامضة يُضعف الأثر ويعيق القدرة على اتخاذ إجراءات فعّالة.

2. الاستثمار في الأفراد والمهارات وتعزيز التعاون عبر الحدود والقطاعات:
سواء في مجال إنفاذ القانون أو الامتثال المؤسسي، فإن تعاون علماء البيانات، والخبراء القانونيين، والتقنيين يُعد ضروريًا. ويتطلب هذا توفير موارد كافية وموجهة للسلطات الرقابية وأقسام الامتثال في الشركات، بالإضافة إلى تعزيز التعاون الدولي المستمر، وبذل جهد واعٍ لتفكيك الحواجز المؤسسية والمهنية.

3. تطوير أطر قانونية وأخلاقية متقدمة:
في ظل تطور التشريعات بوتيرة متسارعة، يجب أن تواكب الحوكمة في القطاعين العام والخاص هذا التقدم لضمان الشفافية، وحماية الحقوق الأساسية مثل الخصوصية، والإجراءات القانونية العادلة، والمعالجة المسؤولة للبيانات الشخصية. ويتطلب تحقيق هذا التوازن احترام قواعد حماية الخصوصية، دون فرض قيود مفرطة قد تعيق القدرة على كشف الفساد والتحقيق فيه بفعالية. ويمكن لـ""الدبلوماسية الرقمية للبيانات"" – أي توضيح كيفية استخدام البيانات وإبراز قيمتها العامة – أن تُسهم في بناء الثقة وتحسين الوصول إلى البيانات في الأماكن التي تُعد فيها أكثر أهمية.

باختصار، لا يمكن للتكنولوجيا وحدها أن تحسم المعركة ضد الفساد والرشوة، لكنها حين تُستخدم بذكاء وبمسؤولية، يمكن أن تُحدث فرقًا حاسمًا. والمفتاح يكمن في سد الفجوات المعرفية، وتعزيز التعاون، واعتبار الابتكار وسيلة قوية لتعزيز الشفافية والمساءلة، لا غاية في حد ذاته.


المصدر: oecd

مقالات ذات صلة