تلوث المجاري المائية أصبح أزمة عالمية متنامية، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 80% من تلوث المحيطات مصدره الأنشطة البرية، بما في ذلك الجريان السطحي. ورغم أن قضايا مثل تصريف مياه الصرف الصحي تحظى باهتمام إعلامي واسع، إلا أن تلوث الجريان السطحي – حيث تجرف مياه الأمطار الملوثات من الطرق والمزارع والمناطق الصناعية إلى الأنهار والبحيرات – لا يحظى بنفس القدر من التركيز. ومع ذلك، فإن هذا التهديد الأقل وضوحًا يؤثر أيضًا بشكل كبير على النظم البيئية، والصحة العامة، وجودة المياه.
في هذا السياق، نستعرض مصادر تلوث الجريان السطحي، ونسلط الضوء على الحلول المبتكرة التي يتم تطويرها لمواجهته. فمن أنظمة المراقبة المتقدمة للمياه إلى الزراعة المستدامة، تتيح التقنيات الحديثة مسارًا نحو مجارٍ مائية أنظف وأكثر صحة.
ما هو تلوث الجريان السطحي؟
يحدث تلوث الجريان السطحي عندما تجرف مياه الأمطار أو ذوبان الثلوج الملوثات من الطرق والمزارع إلى المجاري المائية، بسبب عدم قدرتها على التغلغل في التربة. وتشمل هذه الملوثات زيت المركبات، وجزيئات تآكل الإطارات، وغبار المكابح، إضافة إلى الأسمدة الزراعية، والمبيدات، والروث، وكذلك المخلفات الناتجة عن مواقع البناء والمناطق الصناعية – وهي مجرد أمثلة على المواد السامة التي يمكن أن تحملها مياه الأمطار.وتنتهي كل هذه الملوثات في الأنهار والبحيرات وغيرها من المسطحات المائية. وتكون التأثيرات أشدّ خصوصًا في حالات مياه العواصف، نظرًا لكميات المياه الكبيرة المتدفقة خلالها.
كيف يُسهم الجريان السطحي في تلوث المياه؟
تحمل مياه الأمطار معها مواد كيميائية ومغذيات ضارة بالنظم البيئية المائية، حيث تُخل بتوازنها وتؤثر على الحياة داخلها، وفقاً لشركة ""Smart Water"" المتخصصة في إدارة المياه. ويمكن أن يؤدي الجريان السطحي المحمّل بالمغذيات إلى نمو مفرط للطحالب، يلي ذلك تحللها، مما يُسبب نقصاً في الأوكسجين ويخنق النباتات والكائنات المائية – وهي عملية تُعرف بالتخثث (Eutrophication).
بالإضافة إلى ذلك، فإن التربة المتآكلة التي تحملها مياه الجريان السطحي يمكن أن تعكر صفو المياه وتحجب ضوء الشمس، بينما قد تتراكم الرواسب فتدمّر مناطق التكاثر أو التغذية الخاصة بالأسماك والكائنات المائية الأخرى. ونتيجة لذلك، تتدهور المواطن البيئية، مما يؤدي إلى تراجع أعداد الأسماك والحياة المائية عموماً.
ولا يقتصر الخطر على الكائنات المائية فقط، بل يهدد البشر والحيوانات البرية أيضاً. فالمعادن الثقيلة مثل النحاس والزنك والرصاص قد تتراكم في مزارع الأحياء المائية، لتدخل بذلك إلى السلسلة الغذائية البشرية. كما أن المواد الكيميائية والبكتيريا يمكن أن تلوّث مياه الشرب، في حين تساهم بقايا المضادات الحيوية الناتجة عن الاستخدام الزراعي في تعزيز مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية، مما يقلّل من فعالية العلاجات الطبية في مكافحة العدوى.
كيف يمكن الوقاية من تلوث الجريان السطحي؟
تبدأ الوقاية من تأثيرات تلوث الجريان السطحي بالمراقبة المستمرة. وتقوم شركة Fluidion، المصنفة ضمن أبرز المبتكرين في مبادرة ""UpLink"" للمنتدى الاقتصادي العالمي ومجموعة HCL، بهذا الدور من خلال أجهزة تحليل جودة المياه التي تعتمد على منصات إنترنت الأشياء وتكامل البيانات عبر السحابة، لتوفير نتائج سريعة في الميدان دون الحاجة إلى تحليل مخبري، ما يجعل المراقبة ممكنة في المناطق النائية أو التي يصعب الوصول إليها.
وتشير شركة Smart Water إلى أن الإدارة المسؤولة للأراضي تُعد من أهم آليات الوقاية. ويشمل ذلك إجراءات مكافحة التآكل مثل: تجنّب الرعي الجائر، استخدام الغطاء النباتي على ضفاف المسطحات المائية، وبناء الجدران الاستنادية.
كما أن تقليل استخدام المواد الكيميائية – كالمبيدات والأسمدة – يُسهم في الحد من مساهمتها في التلوث الناتج عن الجريان السطحي. وفي هذا الإطار، طورت شركة Unibaio، الفائزة بتحدي ""المزارعين الأكثر ذكاءً مناخياً"" ضمن مبادرة UpLink، جسيمات دقيقة مشتقة طبيعياً تعزز فعالية المبيدات والأسمدة، مما يقلل من استخدامها ومن التلوث الناتج عنها.
تحسين التخطيط الحضري من خلال دمج المزيد من المساحات الخضراء والأسطح القابلة لنفاذ المياه – مثل الحدائق المطرية والأسطح الخضراء – يمكن أن يسهم في تقليل حجم الجريان السطحي والحد من آثاره الضارة.
كما أن التخلص السليم من النفايات، وإنشاء اقتصاد دائري في القطاع الصناعي، يساعدان في تقليل الملوثات والمعادن الثقيلة وغيرها من الملوثات في مجاري المياه. إضافة إلى ذلك، يُعد الاستخدام المسؤول للمضادات الحيوية أمراً ضرورياً للحد من انتشار مقاومة المضادات الحيوية (AMR).
أما شركة Membrion، وهي أيضاً من مبتكري مبادرة UpLink في مجال الابتكار المائي، فتركز على معالجة مياه الصرف الصناعي الملوثة بشدة في موقع إنتاجها. وتتيح أغشيتها الكهرو-سيراميكية استعادة ما يصل إلى 98% من المياه، بحيث يمكن إعادة تدويرها واستخدامها مجددًا. وتتميّز هذه التقنية أيضاً بقدرتها على توفير أكثر من نصف مليون دولار سنوياً من التكاليف، مما يجعلها قادرة على تسديد تكلفتها خلال عام إلى عامين فقط.
لماذا يُعد استعادة المياه أمرًا مهمًا؟
إلى جانب التدابير المذكورة، يُعد استعادة وإنشاء الأراضي الرطبة أمرًا أساسيًا للحد من الفيضانات وفلترة الملوثات الناتجة عن الجريان السطحي. تعمل الأراضي الرطبة كعوازل طبيعية، مما يُحسن جودة المياه ويدعم التنوع البيولوجي. كما أن بعض الدول مثل المملكة المتحدة تستخدم الغرامات المفروضة على شركات المياه لتمويل جهود تهدف إلى تحسين جودة المياه ومعالجة التلوث.
إن تنفيذ تدابير مثل هذه يمكن أن يُحقق تقدمًا كبيرًا في مكافحة تلوث الجريان السطحي وحماية مواردنا المائية للأجيال القادمة. لا تقتصر هذه الجهود على حماية النظم البيئية فحسب، بل تساعد أيضًا في ضمان مياه أنظف وأصح للمجتمعات في جميع أنحاء العالم. كما يُبرز منتدى ""مستقبل المياه"" أن معالجة تلوث المياه هي المفتاح لتحقيق التنمية المستدامة وبناء مجتمعات مرنة على مستوى العالم.
مزيد من المعلومات عن UpLink ومبادرة الابتكار Aquapreneur
UpLink هو مبادرة من المنتدى الاقتصادي العالمي، تأسست بالتعاون مع Deloitte وSalesforce، بهدف إطلاق قوة ريادة الأعمال لمواجهة التحديات الأكثر إلحاحًا في العالم. يبني UpLink بيئات تمكّن رواد الأعمال في المراحل المبكرة من توسيع أعمالهم للأسواق والاقتصادات الضرورية لتحقيق مستقبل خالي من الانبعاثات الكربونية، إيجابي للطبيعة وعادل.
يدعم الماء ما يقرب من 60% من النشاط الاقتصادي العالمي، ومع توقع حدوث نقص في المياه العذبة بنسبة 40% بحلول عام 2030، فإن الحاجة إلى حلول مستدامة لم تكن أكثر إلحاحًا من الآن. من خلال التعاون لمدة خمس سنوات، يُساهم UpLink ومبادرة Aquapreneur Innovation Initiative من HCL، بدعم من مبادرة ""الطعام والمياه"" في المنتدى، في إطلاق هذا الإمكان من خلال إنشاء بيئة ابتكار تمكّن ""رواد الأعمال المائيين"" من تطوير تقنيات مبتكرة يمكن أن تحول إدارة المياه.
