كيف ستشعر إذا اعتمد مقدم الرعاية الصحية الخاص بك على الذكاء الاصطناعي في رعايتك الطبية؟
طُرِح هذا السؤال على الأمريكيين في ديسمبر 2022، قبيل الانتشار الواسع لتقنية ChatGPT؛ وأعرب ثلاثة من كل خمسة أشخاص عن شعورهم بعدم الارتياح. وفي الدراسة نفسها، رأى نحو ثلث المشاركين أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقدم نتائج صحية أفضل، وهو عدد يفوق قليلاً أولئك الذين توقعوا نتائج أسوأ، فيما اعتقد الباقون أنه لن يحدث فارقًا كبيرًا.
ويبدو أن موقف الجمهور الأمريكي المتحفظ المتفائل تجاه استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية موقف مبرّر. إذ يحمل الذكاء الاصطناعي فرصًا واعدة ومخاطر مقلقة في آن واحد. فهو قادر على تحسين النتائج الصحية للأفراد، وتمكين المهنيين الصحيين من التركيز على الرعاية والوقاية، وتسريع البحث والابتكار، وتعزيز الحماية ضد الأوبئة المستقبلية. لكن في المقابل، قد يسهم الذكاء الاصطناعي في توسيع الفجوات الصحية، والتسبب في أضرار، وتعريض خصوصية الأفراد للخطر.
ولفهم وضعنا الحالي والتوجه الذي نسير نحوه، من المفيد غالبًا أن نبدأ بإلقاء نظرة على الماضي.
لمحة تاريخية عن الذكاء الاصطناعي
بدأ العالم اليوم يدرك الفرص والمخاطر المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكن هذه التقنية لم تولد حديثًا، بل كانت في طور التكوين على مدى 80 عامًا، حيث بدأت بنموذج حاسوبي للخلايا العصبية قدّمه ماكولوتش وبيتس في عام 1943.
على مدار الأربعين عامًا التالية، كان التقدم بطيئًا إلى أن ساهم ظهور المعالجات الدقيقة في إتاحة قوة الحوسبة على نطاق واسع، مما مهّد الطريق لتطوير ما يُعرف بـ""تعلم الآلة"". وجاء أول ظهور واسع للذكاء الاصطناعي في عام 1997، عندما هزم الحاسوب ""ديب بلو"" بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف. ثم شهد العالم نقلة نوعية أخرى مع تفوق ""واتسون"" على كين جينينغز وبراد رَتر في برنامج المسابقات ""جيوباردي!"" عام 2011، ثم ""ألفا غو"" على بطل العالم لي سيدول في لعبة ""غو"" عام 2016. وأثبتت هذه الإنجازات قدرة الآلات على التفوق على البشر في المهام المحددة بدقة.
وخلال العقد الأخير، شهد الذكاء الاصطناعي قفزات نوعية بفضل ""التعلّم العميق""، الذي مكّن الآلة من تطوير معرفتها ذاتيًا. ففي عام 2017، تمكّن ""ألفا غو زيرو"" من هزيمة ""ألفا غو""، مستخدمًا استراتيجيات جديدة في اللعبة لم يسبق أن توصل إليها البشر على مدار آلاف السنين. وفي عام 2021، نجحت شركة ""بوسطن دايناميكس"" في تعليم روبوت أداء حركة خلفية بهلوانية، في إنجاز يعكس قدرة التعلّم العميق على التعامل مع المهام التي لا تحكمها قواعد واضحة.
رغم أن كلٍ من هذه الإنجازات كان مثيرًا للإعجاب وحظي بتغطية إعلامية واسعة، إلا أن الذكاء الاصطناعي لم يجذب انتباه الجمهور على نطاق واسع إلا بعد إطلاق تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيما النماذج اللغوية الضخمة مثل ChatGPT من OpenAI، وPaLM من Google، وLLaMa من Meta. تمامًا كما جعلت الهواتف الذكية في أواخر العقد الأول من الألفية الثانية التكنولوجيا متاحة للجميع، فإن هذه الأدوات جعلت وعود الذكاء الاصطناعي وفرصه ملموسة ومتاحة للجمهور.
أصبح الناس الآن يدركون أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خيالًا علميًا، بل هو واقع معاصر. ومع اتضاح معالم هذا الواقع، يتطلع الجمهور إلى ضمان أن يتصرف الذكاء الاصطناعي كرفيق خيّر، مثل شخصية ""جين"" في سلسلة Ender’s Game لأورسون سكوت كارد، وليس كخصم شرير مثل HAL 9000 في فيلم A Space Odyssey. ويُعد مجال الصحة من أبرز المجالات التي عبّر فيها الجمهور عن قلقه من المخاطر، مع إبداء قدر من التفاؤل بشأن الفوائد التي قد يجلبها الذكاء الاصطناعي.
فرص الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة
يتزايد عدد القصص الإخبارية والمنشورات حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي بشكل متسارع، بل بشكل أسي في بعض الأحيان. ويشير هذا في الأوساط الأكاديمية إلى وجود فرص واسعة لاستخدام الذكاء الاصطناعي وقدرات متنامية في تصميمه وتطويره وتطبيقه وقياس أثره في المجال الصحي.
يمكن تصنيف هذه الفرص ضمن ثلاث مجموعات رئيسية:
إدارة خدمات الرعاية الصحية: حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي لمساعدة العاملين الصحيين في أداء مهامهم اليومية، مثل ترميز المعلومات السريرية في السجلات الطبية، ومسح الأدبيات العلمية لتحديد الأبحاث الأكثر أهمية، أو تبسيط المصطلحات الطبية للمرضى. على سبيل المثال، أظهر تقرير وقت أكبر للرعاية أن 10٪ تقريبًا من وقت مقدمي الرعاية يُقضى في مهام إدارية يمكن أتمتتها جزئيًا عبر الذكاء الاصطناعي، وهو ما يمكن أن يعادل ملايين الزيارات الطبية سنويًا في دول مثل كندا.
اتخاذ القرارات السريرية: من خلال تحليل الصور الطبية أو السجلات أو التاريخ الطبي لتزويد الأطباء بمعلومات تدعم التشخيص، مما يعزز جودة الرعاية وسرعتها. كما يتيح الوصول إلى الأدبيات العلمية بلغات متعددة. مثال على ذلك نظام صحي في كندا استخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل ملاحظات غير منظمة في ملفات 2.5 مليون مريض، وكشف عن مئات الحالات المعرضة لخطر الإصابة بسرطان الثدي والتي كان من الممكن أن تغيب عن أعين الأطباء.
الطب التنبؤي: وهو تحويل التركيز من العلاج إلى الوقاية، حيث يُحلل الذكاء الاصطناعي أنماط البيانات في السجلات الصحية للتنبؤ بالأمراض قبل حدوثها، مما يدعم الأطباء في تقديم نصائح وقائية. ومن الأمثلة البارزة استخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشاف مضاد حيوي جديد لمقاومة بكتيريا فتاكة، حيث قام النظام بمسح 7500 مركب كيميائي وحدد الأكثر فعالية، ما وفر شهورًا أو حتى سنوات من العمل البحثي.
ورغم وجود أمثلة متزايدة على الاستخدامات المفيدة للذكاء الاصطناعي في المجال الصحي، إلا أن من المهم في الوقت نفسه الانتباه إلى المخاطر المحتملة واتخاذ خطوات لتقليلها.
مخاطر الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة
إلى جانب الفرص التي يقدمها الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، هناك أيضًا عدد من المخاطر المحتملة التي يجب أخذها على محمل الجد، ومنها:
انتهاك الخصوصية: يعتمد الذكاء الاصطناعي على مجموعات بيانات ضخمة، والتي قد تتضمن معلومات شخصية. وكلما كانت هذه البيانات مترابطة وشاملة، كان الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على اكتشاف الأنماط الدقيقة. لكن هذا الترابط يجعل البيانات أكثر عرضة لانتهاكات الخصوصية، خصوصًا إذا تم تسريبها أو الوصول إليها بطرق غير مشروعة. على سبيل المثال، أكدت شركة OpenAI، مطوّرة ChatGPT، حدوث تسريب بيانات في مارس 2023، وتبيّن أن بعض المحادثات مع الخدمة كانت مرئية لمستخدمين آخرين في نفس التوقيت.
الظلم الاجتماعي: تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على البيانات التي تم جمعها مسبقًا، وغالبًا ما تُبنى هذه البيانات على فئات سكانية معينة، مما يؤدي إلى تهميش مجموعات أخرى مثل الأقليات أو غير الناطقين بالإنجليزية. وإذا لم يُراعَ تحديث المعايير الاجتماعية في البيانات التدريبية، فقد يؤدي ذلك إلى تطوير خوارزميات منحازة تكرّس التمييز وتؤدي إلى أضرار يصعب الكشف عنها.
غياب الموافقة المستنيرة: تقوم مبادئ الموافقة المستنيرة على الشفافية في كيفية جمع البيانات واستخدامها، لكن مع التوسع السريع في استخدامات الذكاء الاصطناعي واستعماله في سياقات غير متوقعة، يصبح من شبه المستحيل تحقيق هذه الشفافية، وبالتالي يصعب ضمان أن المستخدمين قد وافقوا فعلًا على كيفية استخدام بياناتهم.
نزع الطابع الإنساني عن الرعاية الصحية: إذا بدأ الذكاء الاصطناعي في اتخاذ قرارات طبية دون تدخل بشري، فقد يؤدي ذلك إلى فقدان الثقة في النظام الصحي. وكما أشرنا سابقًا، فإن ثلاثة من كل خمسة أمريكيين يشعرون بعدم الارتياح تجاه تلقي الرعاية الصحية من أنظمة ذكاء اصطناعي. كما أن الاعتماد المتزايد على الأتمتة قد يؤدي إلى اضطرابات في القوى العاملة الصحية.
المساءلة عن الأضرار: كما هو الحال مع أي تقنية غير مؤكدة النتائج، هناك خطر حقيقي من التسبب في أضرار عند استخدام الذكاء الاصطناعي. ومن الملاحظ أن الجمهور يتسامح بدرجة أقل مع الأخطاء الصادرة عن الخوارزميات مقارنةً بالأخطاء التي يرتكبها الأطباء. وهذا يثير تساؤلات مهمة حول من يتحمل المسؤولية عند وقوع ضرر—هل هو المطوّر، أم مزوّد الخدمة، أم المؤسسة الصحية؟
ينبغي النظر في هذه المخاطر بجدية عند التخطيط لأي مبادرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي. وتعد مبادئ الذكاء الاصطناعي التي وضعتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) والإطار الخاص بتصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي من أدوات التقييم الجيدة لفهم هذه المخاطر والحد منها بشكل فعّال.
هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا؟ هل هذا هو السؤال حقًا؟
إن الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة هائلة، ولكن كذلك الأمر بالنسبة للمخاطر التي قد تترتب عليه. فالضرر لا يمكن أن يأتي فقط من استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي، بل أيضًا من الفرص الضائعة نتيجة عدم استخدامها.
السؤال الحقيقي إذًا ليس هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟، بل هو: كيف نستخدمه بطريقة مسؤولة وشفافة؟
تحديد المعايير التي تحقق التوازن الأمثل بين تعظيم الفوائد وتقليل الأضرار هو التحدي الأكبر، وهو تحدٍ ينبغي معالجته على وجه السرعة.
المصدر: oecd
