قامت مجموعة دولية من العلماء برسم خريطة الدماغ البشري بدقة أعلى بكثير من أي وقت مضى. خريطة الدماغ، وهي جهد بقيمة 375 مليون دولار بدأ في عام 2017م، حددت أكثر من 3,300 نوع من خلايا الدماغ، وهو رقم أكبر بكثير مما تم الإبلاغ عنه سابقًا، لدى الباحثين فكرة ضبابية فقط عما تفعله الخلايا المكتشفة حديثًا.
وصف الباحثون النتائج في 21 ورقة بحثية نشرت يوم الخميس في مجلة ساينس وعدد من المجلات الأخرى.
قال إد لاين، عالم الأعصاب في معهد ألين لعلوم الدماغ في سياتل، الذي قاد خمسًا من الدراسات: “إن النتائج أصبحت ممكنة بفضل التقنيات الجديدة التي سمحت للباحثين بالتنقيب في ملايين خلايا الدماغ البشري التي تم جمعها من أنسجة مأخوذة من خزعات أو من جثث، إنّه يظهر حقًّا ما يمكن القيام به الآن، إنه يفتح عصرًا جديدًا تمامًا في علم الأعصاب البشري”.
ومع ذلك، قال الدكتور لاين إن الخريطة كانت مجرد مسودة أولية؛ لقد أخذ هو وزملاؤه عينة من جزء صغير فقط من 170 مليار خلية يُقدّر أنها تشكل دماغ الإنسان، ومن المؤكد أن الاستطلاعات المستقبلية ستكشف عن المزيد من أنواع الخلايا كما قال.
لاحظ علماء الأحياء لأول مرة في القرن التاسع عشر أن الدماغ يتكون من أنواع مختلفة من الخلايا. في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، اكتشف العالم التشيكي يان بوركينجي أن بعض خلايا الدماغ تحتوي على انفجارات كثيفة بشكل ملحوظ من الفروع، تُعرف خلايا بوركينجي الآن بأنها ضرورية لضبط حركات عضلاتنا بدقة.
طورت الأجيال اللاحقة تقنيات لجعل أنواع الخلايا الأخرى مرئية تحت المجهر. في الشبكية على سبيل المثال، وجد الباحثون خلايا مخروطية “أسطوانية” تلتقط الضوء، بحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وجد الباحثون أكثر من 60 نوعًا من الخلايا العصبية في الشبكية وحدها، كانوا يتساءلون عن عدد أنواع الخلايا التي كانت تختبئ في أعماق الدماغ، والتي يصعب دراستها كثيرًا.
بدعم من المعاهد الوطنية للصحة، بدأ الدكتور لاين وزملاؤه في رسم خريطة الدماغ من خلال فحص كيفية تنشيط خلايا الدماغ لجينات مختلفة، هناك ما لا يقل عن 16,000 جين نشط في الدماغ، ويتم تشغيلها في تركيبات مختلفة في أنواع مختلفة من الخلايا.
جمع الباحثون أنسجة دماغية من عدة مصادر، بما في ذلك الأشخاص الذين توفوا مؤخرًا وأولئك الذين كانوا يخضعون لجراحة دماغية، عند دراسة الأنسجة الدماغية الطازجة، قام العلماء بتوصيل أنابيب زجاجية على سطح خلايا فردية للاستماع إلى نشاطها الكهربائي، وضخ صبغة لتحديد هيكلها، وأخيرًا سحب النوى من الخلايا لفحصها عن كثب.
بدلًا من إجراء هذه الإجراءات يدويًّا، قام الباحثون بتصميم روبوتات للعمل بكفاءة عبر العينات، وقد فحصت الروبوتات أكثر من 10 ملايين خلية دماغية بشرية حتى الآن، حسب تقدير الدكتور لاين.
تم العثور على بعض الخلايا التي تم تحديدها حديثًا في طبقات من القشرة الدماغية على السطح الخارجي للدماغ؛ هذه المنطقة ضرورية للمهام العقلية المعقدة مثل استخدام اللغة ووضع خطط للمستقبل.
ولكن الدراسات الجديدة تكشف أن الكثير من تنوع الدماغ يكمن خارج القشرة الدماغية؛ عدد هائل من أنواع الخلايا التي تم اكتشافها في المشروع يقع في المناطق الأعمق من الدماغ، مثل جذع الدماغ الذي يؤدي إلى الحبل الشوكي. وجد الباحثون العديد من الأنواع الجديدة من الخلايا العصبية، وهي خلايا تستخدم الإشارات الكهربائية والمواد الكيميائية لمعالجة المعلومات، لكن تشكل الخلايا العصبية حوالي نصف الخلايا في الدماغ فقط، بينما النصف الآخر أكثر غموضًا.
تبدو الخلايا النجمية -على سبيل المثال- وكأنها تغذي الخلايا العصبية حتى تتمكن من الاستمرار في العمل بشكل صحيح، وتعمل الخلايا الدبقية الصغيرة كخلايا مناعية، تهاجم الغزاة الأجانب وتقطع بعض الفروع على الخلايا العصبية لتحسين إشاراتها، كما وجد الباحثون كثيرًا من الأنواع الجديدة من هذه الخلايا أيضًا.
استخدم الباحثون الطرق نفسها لدراسة أدمغة الشمبانزي وأنواع أخرى، من خلال مقارنة النتائج بين الأنواع، حقق الباحثون في كيفية تطور الدماغ البشري ليكون مختلفًا عن تلك الموجودة في الرئيسيات الأخرى.
كانت الدراسات السابقة قد اقترحت أن الدماغ البشري قد يكون مميزًا جزئيًّا بفضل تطور أنواع جديدة من الخلايا، لكن الباحثين فوجئوا عندما وجدوا أن أنواع الخلايا جميعها في أدمغة البشر تتطابق مع تلك الموجودة في الشمبانزي والغوريلا، أقرب أقربائنا الأحياء.
داخل تلك الخلايا، اكتشف الباحثون بضع مئات من الجينات التي أصبحت أكثر أو أقل نشاطًا في البشر مقارنةً بالقرود الأخرى، العديد من تلك الجينات قريبة من المفاتيح الجينية التي تقوم بتشغيل الجينات أو إيقافها. وجد الدكتور باكن وزملاؤه أن عددًا من الجينات التي تجعل البشر متميزين تشارك في بناء الروابط بين الخلايا العصبية، المعروفة باسم المشابك.
“إنها حقًّا الروابط -كيف تتحدث هذه الخلايا مع بعضها بعضًا- التي تجعلنا مختلفين عن الشمبانزي”، قال تريغف باكن، عالم الأعصاب في معهد ألين للدماغ الذي عمل على دراسات الرئيسيات.
قالت ميغان كاري، عالمة الأعصاب في مركز شامباليماود للمعرفة غير المعروفة في البرتغال والتي لم تكن جزءًا من مشروع خريطة الدماغ، إن البحث قدم كمية مذهلة من البيانات الجديدة التي يمكن للباحثين استخدامها في الدراسات المستقبلية: “أعتقد أن هذه قصة نجاح هائلة”، قالت.
ومع ذلك، حذرت أيضًا من أن فهم كيفية عمل الدماغ البشري لن يكون مجرد مسألة فهرسة كل جزء إلى أدق التفاصيل؛ سيتعين على علماء الأعصاب أيضًا أن يتراجعوا وينظروا إلى الدماغ كنظام ذاتي التنظيم.
“ستكون هناك إجابات في مجموعة البيانات هذه ستساعدنا على الاقتراب من ذلك”، قالت الدكتورة كاري، “لكننا لا نعرف بعد ما هي”.
قال آدم هانتمن، عالم الأعصاب في جامعة نورث كارولينا والذي لم يكن مشاركًا في الدراسة، إن الأطلس سيكون مساعدة كبيرة لبعض أنواع الأبحاث، مثل تتبع تطور الدماغ، لكنه تساءل عما إذا كان كتالوج أنواع الخلايا سيوضح السلوك المعقد.
“نريد أن نعرف ما الذي تفعله الأوركسترا”، قال، “لا نهتم حقًّا بما يفعله هذا العازف على الكمان في هذه اللحظة”.
