شهدت السنوات الأخيرة تحولًا غير مسبوق في المشهد الحضري. فمع سعي الناس وراء فرص جديدة وجودة حياة أفضل، تضاعف عدد سكان المدن خلال الأربعين عامًا الماضية، من 1.5 مليار في عام 1975 إلى 3.5 مليار في عام 2015. ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه ليصل عدد سكان المدن إلى 5 مليارات بحلول عام 2050، أي ما يزيد عن نصف سكان العالم (OECD/EC، 2020). ولمواكبة هذا النمو السكاني، تميل المدن إما إلى التوسع أو التكثيف، وهو ما قد يترتب عليه آثار اقتصادية وبيئية تتمثل في زيادة الطلب على التنقل، وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، واستهلاك الطاقة، وتكاليف الخدمات.
رصد أنماط استخدام الأراضي في المناطق الحضرية بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)
فهم كيفية توسّع المدينة ومقارنته باتجاهات النمو السكاني يُعد أمرًا جوهريًا لتحقيق تحضّر مستدام. ولذلك، فإن الرصد الفوري لإدارة الأراضي أمر بالغ الأهمية. في دراسة حديثة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (Banquet وآخرون، 2022)، تم الاعتماد على منهج مبتكر يستخدم صور الأقمار الصناعية المتاحة للعموم وتقنيات التعلم العميق لرصد استخدام الأراضي في المناطق الحضرية بدول المنظمة بشكل شبه لحظي.
وتُظهر النتائج تباينًا كبيرًا في مساحة الأرض المستخدمة للأغراض السكنية والتجارية والصناعية بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. فعلى سبيل المثال، تتراوح مساحة الاستخدام السكني في المدن بين 40 إلى 60 مترًا مربعًا للفرد في كوريا وكولومبيا وتركيا، وتصل إلى حوالي 450 مترًا مربعًا للفرد في فنلندا والولايات المتحدة ونيوزيلندا. كما توجد فروقات حادة بين المناطق الحضرية داخل الدولة نفسها، كما هو الحال في تشيلي والولايات المتحدة وأستراليا.
تُظهر الخريطة أدناه حجم المساحة السكنية لكل فرد في عام 2021 في المناطق الحضرية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مما يكشف عن تباينات جغرافية واضحة، لا سيما بين الولايات المتحدة وكندا من جهة، والمكسيك وكولومبيا من جهة أخرى، وكذلك بين إسبانيا وتركيا وإستونيا وبقية القارة الأوروبية.
دور صور الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي
أصبحت بيانات الأقمار الصناعية متاحة بشكل متزايد للعامة، وهي توفّر اليوم مجموعة واسعة من المعلومات حول ما يحدث على كوكب الأرض، وبمستويات دقة متنامية. وفي الوقت نفسه، ساهمت التطورات في مجالي الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في توسيع نطاق استخدام هذه البيانات بشكل غير مسبوق.
حتى وقت قريب، كان استخدام صور الأقمار الصناعية محدودًا، إذ كانت الحكومات والشركات الخاصة تبيع الصور متوسطة الدقة (10 إلى 60 مترًا) وعالية الدقة (أقل من 5 أمتار) بأسعار مرتفعة. لكن في عام 2008، دشّنت الولايات المتحدة عهدًا جديدًا من خلال إتاحة صور برنامج ""لاندسات"" مجانًا للجمهور. وقد استمر هذا البرنامج في جمع صور للأرض لأكثر من 50 عامًا. وفي عام 2014، بدأت وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) في إطلاق أقمار ""سنتينل""، مما أتاح مراقبة الأرض بدقة أعلى (تصل إلى 10 أمتار) وبوتيرة أكثر تكرارًا (كل 5 إلى 6 أيام).
لكن معالجة هذه البيانات وتحليلها يتطلب قدرات حوسبة ضخمة لم تكن متوفرة في الحواسيب التقليدية بأسعار معقولة. ومع ذلك، شهدت قدرات الحوسبة السحابية قفزات كبيرة في العقود الأخيرة، كما انخفضت تكاليفها، وساهمت أبحاث الذكاء الاصطناعي في أتمتة المهام الشاقة والمعقدة. وهذا مكّن من تحسين مراقبة الغطاء النباتي، ورسم خرائط لاستخدام الأراضي على نطاق واسع، وتتبع الغازات الدفيئة والملوثات الجوية في الغلاف الجوي.
مراقبة المدن من الفضاء
كيف استفدنا من صور الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي في هذه الدراسة التي أُجريت في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؟ قمنا بجمع صور الأقمار الصناعية ""سنتينل-1"" و""سنتينل-2"" لجميع المناطق الحضرية في دول المنظمة. تحمل أقمار ""سنتينل-1"" أنظمة رادارية تقوم بإصدار إشعاع كهرومغناطيسي بنشاط وقياس الإشارة المرتدة، بينما تحتوي أقمار ""سنتينل-2"" على أجهزة استشعار طيفية متعددة تلتقط إشعاعًا كهرومغناطيسيًا ينعكس من سطح الأرض في نطاقي الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء.
تُظهر الصورة أدناه أمثلة على الصور التي تم الحصول عليها من هذه الأقمار الصناعية لمدينة لوكسمبورغ. في الصورة الأولى، تتوافق الألوان لكل بكسل مع الأشرطة الحمراء والخضراء والزرقاء للأقمار الصناعية ""سنتينل-2"" وتعكس ما قد يراه العين البشرية من الفضاء. أما الصور الأخرى، فتحتوي على معلومات تتجاوز الطيف المرئي. هذه الصور تلتقط إشارات الأشعة تحت الحمراء والرادار، مما يقدم معلومات قيمة حول محتوى الرطوبة ودرجات حرارة سطح الأرض والطبوغرافيا التي ستكون غير مرئية للعين البشرية.
الشكل 1: المعلومات التي تم التقاطها بواسطة صور الأقمار الصناعية لمدينة لوكسمبورغ
لمراقبة استخدام الأراضي عبر المناطق الحضرية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، قمنا ببناء نموذج ذكاء اصطناعي قادر على تحديد أنماط استخدام الأراضي من أي صورة قمر صناعي من ""سنتينل"" بشكل تلقائي. يمكن لهذا النموذج تحديد الموقع الدقيق ومدى المناطق السكنية، والمجمعات التجارية والصناعية، والبنية التحتية للنقل، والأراضي الزراعية، والمساحات المفتوحة، والمسطحات المائية، والمستنقعات.
تُظهر الصورة أدناه مثالاً على التوقعات التي تم الحصول عليها باستخدام هذا النموذج الذكي لمنطقة بوغوتا الحضرية (كولومبيا).
الشكل 2: خط أنابيب التنبؤ باستخدام الأراضي
نظرًا لأن الأقمار الصناعية ""سنتينل"" تولّد صورًا جديدة كل 5 إلى 6 أيام، يمكننا مراقبة استخدام الأراضي في الوقت الحقيقي تقريبًا وتقييم مدى سرعة توسع المناطق الحضرية سنويًا. تُظهر الصورة أدناه صور الأقمار الصناعية لعامي 2018 و2021 لمدينة ناز، الواقعة في المنطقة الحضرية لدبلن (إيرلندا)، بالإضافة إلى التوسع الحضري الذي اكتشفه نموذج الذكاء الاصطناعي خلال تلك الفترة. يمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف توسع المجمعات السكنية في الجنوب، بالإضافة إلى المناطق التجارية والصناعية في المناطق المحيطة.
الشكل 3: مثال على التوسع العمراني المكتشف لمدينة ناز، إيرلندا
مع استمرار جذب المدن للمزيد من الناس، تُعدّ الذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الصناعية أدوات قوية توفر رؤى تقريبًا في الوقت الفعلي حول تطورها وتوسعها عبر العالم.
المصدر: OECD
