كل يوم، يُحرَم ملايين الأطفال من تحقيق إمكاناتهم حتى قبل أن تطأ أقدامهم أبواب المدارس. هذه ليست مأساة بعيدة عنا، بل حالة طوارئ عالمية. فـسوء التغذية يُعدّ من أكثر التحديات التنموية خطورة في عصرنا، رغم أنه غالبًا ما يُهمَل. ورغم إحراز بعض التقدّم في السنوات الأخيرة، فإن الجهود العالمية لمكافحة سوء التغذية قد توقفت، ولا تزال تؤثّر على الملايين، ولا سيما في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط.
وتُعدّ العواقب مدمّرة: من التقزّم الجسدي، وضعف النمو العقلي، إلى ارتفاع معدلات الوفيات. وعلى الصعيد الاقتصادي، يرسّخ سوء التغذية الفقر، ويعيق التنمية الوطنية، ويضرب أشدّ الفئات ضعفًا: النساء والأطفال.
لكن الخبر السار هو أننا نعرف ما الذي يمكن أن ينقذ الأرواح. من خلال توسيع نطاق التدخلات التغذوية الفعّالة وتوفير الغذاء الصحي، يمكننا منع وفاة 6.2 مليون طفل وحوالي مليون حالة ولادة ميتة خلال العقد المقبل.
والأهم أن الحجة الاقتصادية لا تقل قوة. فكل دولار يُستثمر في مكافحة سوء التغذية يُدرّ عائدًا قدره 23 دولارًا من خلال تحسين النتائج الصحية وزيادة الإنتاجية. هذه الاستثمارات لا تنقذ الأرواح فحسب، بل تفتح المجال أمام فوائد اقتصادية هائلة، من خلال تمكين الأطفال من البقاء على قيد الحياة، وإكمال تعليمهم، وتحقيق إمكاناتهم الكاملة في سوق العمل.
في الأسبوع الماضي، اجتمع قادة العالم في باريس لحضور قمة ""التغذية من أجل النمو""، التي استضافتها فرنسا، لتكون التغذية في صدارة أجندة التنمية العالمية. ويمثل هذا الحدث لحظة محورية لإعادة إشعال الجهود العالمية في مكافحة سوء التغذية، وفرصة لاتخاذ خطوات جريئة تُسهم في تسريع خفض معدلاته عالميًا. ولتحقيق ذلك، نحن بحاجة إلى تمويل فعّال، وشراكات قوية، وتركيز دقيق على حلول تغذوية مستدامة.
تلتزم مجموعة البنك الدولي التزامًا عميقًا بإدماج برامج التغذية والنتائج القابلة للقياس في جميع استثماراتها. ويتمثل تركيزنا في توسيع نطاق خدمات التغذية الأساسية، ودمج التغذية في أنظمة الصحة وقطاعات أخرى، والاستفادة من التمويل عبر حلول من القطاعين العام والخاص. فعلى سبيل المثال، وفّر مشروع بدعم من البنك الدولي في نيجيريا خدمات تغذية عالية الجودة ومنخفضة التكلفة لأكثر من 13 مليون امرأة وفتاة مراهقة وطفل خلال السنوات الخمس الماضية.
كما تُعد التدخلات التغذوية ذات الكلفة الفعالة مسارًا أساسيًا لتحقيق هدفنا الطموح بمساعدة الدول على توفير خدمات صحية عالية الجودة وبأسعار معقولة لـ1.5 مليار شخص بحلول عام 2030.
ولتسريع التقدّم، سنعمل أيضًا على تعبئة مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، الذراع المعني بالقطاع الخاص لمجموعة البنك الدولي، ومرفق التمويل العالمي للنساء والأطفال والمراهقين—وهو شراكة عالمية بين الحكومات والجهات الخيرية—من أجل زيادة التمويل والاستثمار في برامج تغذية على نطاق واسع.
ففي إفريقيا، على سبيل المثال، تعمل مؤسسة التمويل الدولية على توسيع الوصول إلى التأمين الزراعي لصغار المزارعين، لمساعدتهم على إدارة المخاطر المرتبطة بالطقس القاسي والآفات والأمراض. وتدعم ابتكارات كهذه الأمن الغذائي وممارسات الأعمال المستدامة.
ونحن نعلم أن تحقيق أثر فعلي في التغذية يتطلب العمل عبر القطاعات. لقد شهدتُ بنفسي أن برامج التغذية تكون أكثر فاعلية عند دمجها ضمن جهود تنموية أوسع، تشمل الصحة والتعليم والزراعة والمياه النظيفة والحماية الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، دمجت إندونيسيا جهود مكافحة التقزّم في الأطفال مع خدمات التعليم المبكر والمياه النظيفة والدعم الاجتماعي، ما أدى إلى انخفاض معدلات التقزّم بين الأطفال دون سن الخامسة من 31% إلى 22% بين عامي 2018 و2023، مما ساعد أكثر من 20 مليون طفل على الخروج من هذه الدائرة.
ولتعزيز ميثاق دمج التغذية، سنطلق منصة تعلّم وتبادل للمعرفة تجمع الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات البحثية والشركاء، لتشارك الخبرات العملية والبيانات حول ما يُحدث فرقًا فعليًا.
إن الاستثمار في التغذية ليس مجرد عمل إنساني، بل هو خيار اقتصادي ذكي؛ فكل دولار يُستثمر في هذا المجال يحقق عوائد كبيرة في صورة شعوب أكثر صحة، وقوى عاملة أكثر كفاءة، وقدرة أعلى على الكسب. ومع الاستثمارات المناسبة والتزامنا المتواصل، يمكننا أن نمنح الأمل ومستقبلًا أفضل لملايين الأطفال الذين لا يزالون عالقين في براثن سوء التغذية.
المصدر: مجموعة البنك الدولي
