يتطلب التحول الرقمي في الصناعات قوة عاملة ذات مهارات عالية في التقنيات الرقمية لتلبية الطلب المتزايد في قطاع التصنيع الحديث.
تشكل تحديات مثل فجوة المواهب، وعدم توافق البرامج الأكاديمية، وقلة التعرض للواقع العملي عوائق أمام انتقال الطلاب إلى سوق العمل.
يُعدّ نهج متعدد أصحاب المصلحة في تدريب القوى العاملة، يكون قابلاً للتوسيع ومرنًا لتلبية احتياجات الصناعة، أمرًا محوريًا لتعزيز التحول الصناعي.
ومع تسارع الصناعات حول العالم في رحلات التحول الرقمي، فإن الطلب على قوة عاملة ماهرة في التقنيات الناشئة يبلغ ذروته. إن دمج الذكاء الاصطناعي (AI)، وإنترنت الأشياء (IoT)، والأتمتة يعيد تشكيل التصنيع، ومع ذلك تكافح العديد من المؤسسات للعثور على مواهب قادرة على مواكبة هذا التحول.
ومن دون اتخاذ إجراءات عاجلة، تواجه الصناعات نقصًا في المواهب، وكفاءة تشغيلية منخفضة، وفرص نمو ضائعة – فالتأخير لا يؤدي إلا إلى إضعاف القدرة التنافسية للدولة على المستوى العالمي.
تتعامل المملكة العربية السعودية مع هذا التحدي من خلال رؤيتها الصناعية 2030، والتي تهدف إلى توسيع قاعدة التصنيع من 12,000 إلى 36,000 مصنع بحلول عام 2035. وقد أطلقت برنامج الذكاء الصناعي في جامعة الملك سعود لإعداد قوة عاملة ماهرة في تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، قادرة على قيادة التحول الرقمي في التصنيع.
ويقدّم هذا البرنامج هيكلًا ودروسًا مستفادة نابعة من مشاورات موسعة، قد ترغب اقتصادات أخرى في الاقتداء بها لتمكين التحول الرقمي في قطاعاتها التصنيعية.
تصميم هادف
البرنامج هو تعاون بين مركز الثورة الصناعية الرابعة في السعودية وشركة التكنولوجيا ""Eyotic"". تم تصميمه لتزويد طلاب الهندسة بالمهارات الأساسية في الذكاء الصناعي لقيادة التحول الرقمي في التصنيع.
ويتكون من ثلاث مراحل: الأسس النظرية، والتطبيقات العملية، والتفاعل مع القطاع الصناعي. يكتسب الطلاب خبرة عملية في التكنولوجيا التشغيلية، بما في ذلك أنظمة تنفيذ التصنيع، والأتمتة، وإدارة التغيير.
يتضمن الإطار المنظم أصحاب المصلحة الرئيسيين في النظام البيئي: وزارة الصناعة والثروة المعدنية، البرنامج الوطني لتطوير الصناعة والخدمات اللوجستية، مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، جامعة الملك سعود، والصناعات.
وقد أدّى التفاعل مع هذه الجهات وتقييم فجوات المهارات إلى تطوير منهج دراسي مدفوع بالصناعة، مع تدريب معياري يركز على التطبيق العملي. تأخذ عملية التنفيذ بعين الاعتبار التحديات المحلية والملائمة الثقافية، بما في ذلك التركيز على التعلم العملي من خلال التدريب المهني والتعاون الصناعي.
كما يعزز البرنامج الروابط بين الصناعة والأوساط الأكاديمية من خلال المجالس الاستشارية. ويُشجع على التوسع والاستدامة من خلال الشهادات، والتعلم مدى الحياة، والتطوير المهني لتعزيز قدرة القوى العاملة على التكيف.
السمات الرئيسية للبرنامج
1. التدريب العملي: تطبيق عملي لقادة الصناعة في المستقبل
يشارك الطلاب في تدريب عملي تفاعلي، يمنحهم خبرة واقعية من خلال عمليات تدقيق تجريبية وتقييمات للمصانع. يقومون بتحليل العمليات بدقة، وتحديد مواطن القصور، واقتراح تحسينات عملية في مجالات الامتثال، ومراقبة الجودة، وسير العمل التشغيلي.
يتضمن عنصر رئيسي في التدريب محاكاة ""نظام تنفيذ التصنيع""، ما يمنح الطلاب معرفة تطبيقية بكيفية مساهمة الحلول الرقمية في تبسيط العمليات، وتحسين اتخاذ القرار، وتعزيز كفاءة الإنتاج.
تُعدّ تجربة دمج التقنيات المتقدمة في بيئات واقعية الطلاب للتعامل مع تعقيدات التصنيع الحديث بثقة ومهارات في حل المشكلات وخبرة تقنية.
ويهدف هذا النهج إلى تعزيز كفاءاتهم الفنية ورعاية قدرتهم على قيادة التحول الرقمي في قطاع التصنيع.
""التركيز على قيادة التغيير يضمن أن مبادرات التحول الرقمي تؤدي إلى نتائج ذات مغزى ودائمة.""
2. التعاون بين الأوساط الأكاديمية والصناعية: ربط التعليم بمتطلبات السوق
تضمن الشراكات بين المؤسسات الأكاديمية ومزودي التكنولوجيا الرائدين وشركات التصنيع توافق المنهج الدراسي مع الاتجاهات واحتياجات السوق الحالية.
يحصل الطلاب على رؤى قيمة من خلال المحاضرات والورش التفاعلية، والتي تتناول تحديات السوق الرئيسية، والابتكارات التكنولوجية، وأفضل الممارسات. ويُصمم المنهج الدراسي خصيصًا لتلبية متطلبات الصناعة المحلية، مع التركيز على تقنيات متقدمة مثل إنترنت الأشياء الصناعي، والذكاء الاصطناعي، وأحدث ابتكارات التصنيع.
يشارك الطلاب في سيناريوهات لحل المشكلات تحاكي تحديات العالم الحقيقي، مما يزودهم بالخبرة العملية لدمجهم بسلاسة في القوى العاملة. علاوة على ذلك، تُسهل الروابط القوية مع القطاع الصناعي فرص التوظيف والتدريب العملي لاكتساب المهارات الأساسية والتعرض الواقعي للنجاح في هذا القطاع المتطور.
يشارك ممثلو الصناعة أيضًا في المجالس الاستشارية الجامعية لتقديم رؤى حول الاتجاهات والمهارات المطلوبة، بالإضافة إلى الإرشاد والخبرة التقنية.
تسمح جلسات المراجعة المنتظمة للخبراء الصناعيين بتقييم البرامج الأكاديمية واقتراح التعديلات لضمان ملاءمتها. كما تشترك الجامعات والصناعات في تمويل مشاريع بحثية، وتوفير الموارد والبنية التحتية، بينما توظف الشركات الطلاب المتفوقين في التدريب العملي أو الوظائف الدائمة.
تُستخدم الاستبيانات ومجموعات النقاش لقياس فعالية البرامج الأكاديمية، في حين قد تقدم المبادرات الحكومية تمويلًا أو حوافز مالية لتشجيع الشراكات. بالإضافة إلى ذلك، تتعاون الجامعات والشركات الصناعية في تنظيم هاكاثونات، ومسرّعات للشركات الناشئة، وبرامج تطوير المنتجات لتعزيز الابتكار وخلق بيئة تعليمية ديناميكية.
3. بناء المجتمع: تنمية شبكة للمستقبل
يعزز البرنامج مجتمعًا مهنيًا نابضًا بالحياة يشجع على التواصل طويل الأمد بين الطلاب والنظام الصناعي المحلي. ومن خلال مبادرات التواصل المختلفة، يستطيع الطلاب التواصل مع أقرانهم، وأعضاء هيئة التدريس، والمحترفين، والخريجين، لاكتساب رؤى حول الاتجاهات الحديثة في التصنيع والتكنولوجيا.
ويشاركون بفعالية في الفعاليات الصناعية، والنقاشات، والجهود التعاونية مع الشركات وقادة الفكر لتعزيز فهمهم لديناميكيات السوق. كما يوفر البرنامج فرصًا للإرشاد المهني والتوجيه الوظيفي، لدعم النمو الشخصي والمهني.
بالإضافة إلى ذلك، يحصل الطلاب على إمكانية الوصول إلى شبكة من المصنعين المحليين والمبتكرين التقنيين، ما يُسهّل التعاون وتبادل الموارد والمعرفة. ويوفر البرنامج دعمًا مستمرًا للخريجين أثناء انتقالهم إلى حياتهم المهنية، لضمان استمرار تطورهم المهني.
نتائج ملموسة للبرنامج:
عدد الطلاب في الدفعة: 13 طالبًا
تدريب عملي: 4 طلاب في شركة Eyotic كمستشارين صناعيين مبتدئين في تطوير الأعمال
إنجازات التدريب: تم التعاون مع 17 مصنعًا، وإنجاز 9 عمليات تدقيق واقتراحات، و5 اجتماعات مع جهات حكومية، و5 مشاريع داخلية لتطوير الأعمال
وظائف بدوام كامل: 3 طلاب (في Elm، Roland Berger، Accenture)
وظيفة بدوام جزئي: طالب واحد (في Eyotic)
تدريب تعاوني: 7 طلاب (في الشركة السعودية للكهرباء، أرامكو، أصول)
فوائد فريدة ودروس مستفادة
يوفّر البرنامج خبرة محلية مصممة خصيصًا لتلبية احتياجات المصانع السعودية، بدلاً من الاعتماد على حلول عالمية عامة. ويركز على تطوير قوى عاملة مستدامة وبناء خط طويل الأمد من المواهب لتقليل الاعتماد على الخبرات الأجنبية.
ويؤكد التركيز على قيادة التغيير أن مبادرات التحول الرقمي تؤدي إلى نتائج حقيقية ومستدامة. وبناءً على نجاح المرحلة التجريبية، سيتم إثراء المنهج بالمزيد من الأنشطة التطبيقية والتوسّع ليشمل جامعات ومعاهد تقنية أخرى.
كما سيعمل البرنامج على تطوير شراكات بحث وتطوير مع شركات الثورة الصناعية الرابعة لتوفير فرص لحل المشكلات الواقعية. وسيسعى إلى تعزيز ريادة الأعمال من خلال إرشاد الطلاب وربطهم بالصناعة لمساعدتهم في إطلاق مشاريعهم.
كما كشفت ملاحظات المشاركين وممثلي الصناعة عن عدد من المجالات التي تحتاج إلى تطوير. فعلى سبيل المثال، حدّت الجداول الأكاديمية المكثفة من قدرة الطلاب على زيارة المصانع، مما استدعى إيجاد طرق بديلة للتفاعل.
وأظهرت النقاشات مع مديري المصانع طلبًا قويًا على برامج تدريب مماثلة مخصصة للمهنيين، مما يفتح آفاق تعاون جديدة. وأكد الطلاب وشركاء الصناعة أيضًا إمكانية توسيع نطاق البرنامج ليشمل هندسة البرمجيات والمختبرات البحثية، لتعزيز تأثيره وانتشاره.
وبالتالي، من خلال التركيز على التحدي الفريد المتمثل في تطوير قطاع التصنيع عبر قوة عاملة ماهرة تقنيًا، يمكن للقطاع على مستوى العالم تحقيق أهدافه في النمو والكفاءة والاستدامة على المدى الطويل.
