تقوم مايكروسوفت بمحاولةٍ يائسة: بعد إنفاق البليارات على محرِّك بحث لا يستخدمه أحد، قامت مرة أخرى بإنفاق البليارات لتجهيزه بتكنولوجيا روبوت الدردشة ChatGPT، على أساس النظرية القائلة بأن الإجابة على الاستفسارات بفقرات تم إنشاؤها تلقائياً ومليئة بالأكاذيب بدلاً من روابط لصفحات ويب، سيقنع المستخدمين باستبدال محرّك بحث شركة جوجل.
يمكنك فهم محاولة مايكروسوفت: فقد حاولت كل شيء لتجعل محرّك بحث بينغ ناجحًا، ولكنها فشلت. لكن الشيء الذي لا يمكن فهمه هو تقليد شركة جوجل لمايكروسوفت، فهم يخطّطون لحشر روبوتات المحادثة في كل زاوية من عالم جوجل. ولتفسير ما أفزع شركة جوجل لدرجة قيامها بشيء جذريّ وغير مُحتمل كهذا، يجب النظر لتاريخ الشركة المليء بحماقاتٍ مُشابهة.
في عام 2010، سَحَبَت شركة جوجل منتجاتها من الصين بشكلٍ مفاجئ، بعد أن أصبح الاختراق الصيني لحسابات بريد شركة جوجل أخيرًا غير مقبول بالنسبة للشركة. حيث أمضت شركة جوجل أربعة سنوات بالتعاون مع الحزب الشيوعي الصيني لفرض رقابة على نتائج البحث، لترى بعد ذلك أن بُنيتها التحتية تتعرّض للهجوم كما يشتبه المحلّلون بموافقة الحكومة كحد أدنى. لابد من أن هذا قد آلمهم.
لا أزال أتذكر بوضوح دخول شركة جوجل في السوق الصيني عام 2006، حيث كانت تلك من أسوأ الأوقات لفعلهم ذلك. إذ دخلت شركة ياهو السوق الصيني منذ عام 1996، العام نفسه الذي نشأت فيه شركة جوجل. وشركة ياهو، التي بدت على أنها عملاقة الويب التي لا يمكن إيقافها في ذلك الوقت، هُزِمت من قِبل شركة جوجل. وعلى مدى السنوات الثماني الماضية، أقدَمت شركة ياهو على سلسلةٍ مُرعبة من التسويات للمحافظة على عملياتها في الصين، التي بلغت ذروتها في الحادثة المشهورة حين ساعدت الشركة الدولة على محاكمة الصحفيّ شي تاو، الذي سُجن بعد ذلك لمدة 10 سنوات استنادًا لمحتوى رسائل بريد ياهو الخاصة به. جلب دور شركة ياهو “كمخبرة للشرطة” (وفقًا لمنظمة مراسلون بلا حدود) انتقادات لاذعة، مما دعَا الكتّاب الصينين الآخرين كالكاتب ليو شياوبو إلى انتقاد أحد مؤسسيّ شركة ياهو جيري يانغ لخيانته الشعب الصيني.
لذا جاء دخول شركة جوجل إلى الصين وسط دوامة تلك الفضيحة، حيث كان بيان الشركة عن قرارها بشعًا. كنت أقف في الجمهور خلال جلسة مع عضو مجلس إدارة مؤسسيّ شركة جوجل، في مؤتمر الويب 2.0 لعام 2006 في سان فرانسيسكو، فسألته كيف يمكنه تبرير قيام شركة جوجل بفرض رقابة على نتائج البحث في الصين، وأجاب: “في ظل عدم التصديق أن شركة جوجل تفعل هذا لتحسّن من تجربة المستخدم للباحثين الصينين، الذين سيُوجّهون لصفحاتٍ تمّ حظرها بواسطة جدار الحماية العظيم، ما سيشعرهم بالإحباط عندما لا تؤدي نقرَاتهم إلى شيء”.
والإجابة الحقيقية هي أن شركة جوجل كانت تشعر بعدم ثبات مكانتها بشكلٍ لا يصدّق – فقد شعرت بذلك منذ وقت طويل وهي لا تزال تشعر بذلك. الشركة التي تغلَّبت على شركة رائدة في السوق من خلال صنعها لتكنولوجيا أفضل منهم، يطاردها الخوف من أن يحصل لها الشيء ذاته. في عام 2006، تمثَّلت أسهل طريقة لإقناع شركة جوجل بفعل شيء غبيّ ومدمّر للذات، في إقناع شركة ياهو بفعل ذلك أوّلاً.
ومن الغريب رؤية شركة ذات قيمة سوقيَّة تزيد عن تريليون دولارًا يتحكم في قراراتها شعورها بعدم الأمان لتقع في فخّ التقليد غير المدروس. لم يكن ذلك الحدث الوحيد الذي قرَّرت فيه شركة جوجل أن ترمي بنفسها للتهلكة بسبب إعلان شركة أخرى أن ما تفعله هو “الشيء الكبير المُقبل”. فهل تذكر عندما قرَّرت شركة جوجل أنّ كان عليها أن تسد فجوة وسائل التواصل الاجتماعي مع فيسبوك، لأنها كانت تخشى أن تتفوق وسائل التواصل الاجتماعي على البحث باعتبارها الطريقة التي يحصل بها مستخدموّ الإنترنت على معلوماتهم؟ فبعد سنة من انسحاب شركة جوجل من السوق الصينية، قامت الشركة بتطوير جوجل بلس (Google Plus)، وهي خدمة وسائط اجتماعية كان من المفترض أن تدعم كل جزء من عروض المنتجات الشاسعة التي تقدمها الشركة. أعطت شركة جوجل أوامر لمديريّ المنتجات والمهندسين لدمج جوجل بلس بشكلٍ كامل في حزمة شركة جوجل، وأصبح هذا كمؤشر أداء رئيسي ومخيف تعتمد عليه المكافآت والعلاوات وتقييمات الأداء.
لماذا من السهل إخافة جوجل بما فيه الكفاية لجعلها ترتكب أغبى الأخطاء، سواء كان ذلك يتضمن فرض الرقابة في الصين أو إجبار ميزات وسائل التواصل الاجتماعي في أماكن لا تنتمي لها؟ أشك بأن خوف وتوتر جوجل يعود إلى الفجوة بين خيالها بكونها مَصنعًا للأفكار وواقع أعمالها الفعلية. أنتجت شركة جوجل مُنتجًا ناجحًا واحدًا، ونصف مُنتج، في تاريخها الذي يمتد على مرّ 25 عامًا تقريبًا: محرّك بحث كان عظيمًا في يوم من الأيام، ونسخة جيدة من الهوت ميل (Hotmail). أيّ شيء آخر صُنع في داخل الشركة باءَ بالفشل الذريع. ذلك صحيح بالنسبة لجوجل بلس، ولمقبرةٍ كاملة من منتجات شركة جوجل الفاشلة.
كان تقريبًا كل منتج ناجح – حزمة الهواتف، والإعلانات، وخدمات الفيديو، وأدوات التعاون في المستندات، وخدمات التخزين السحابي، وخدمات إدارة الخادم – استحواذًا من شركة أخرى. استبدلت في العديد من الحالات هذه المنتجات المستحوذة منتجات داخلية فاشلة (مثل استبدال جوجل فيديو باليوتيوب).
فقد أصبحت شركة جوجل مثل الشركات الاحتكارية العديدة من قبلها، شركة لشراء وبيع المنتجات لا للابتكار. وتشوّه هذه الحقيقية صورة شركة جوجل الذاتية وتقلّل من مكانتها لدى مستعمليها، وتهدد أيضًا بإزالة علاوة سِعر الأسهم التي تمتَّعت بها شركة جوجل على مرّ التاريخ بفضل سُمعتها غير المُستحقة باعتبارها مركزًا للابتكار (أقرّ بأن شركة جوجل بارعة في تفعيل وتوسيع نطاق ابتكارات الآخرين، ولكن ذلك الحد الأدنى لأيّ شركة احتكارية، فالتميز التقني على نطاقٍ واسع ليس بنفس مستوى الإبداع).
يخبرنا المحللون بأن شركة جوجل حاليًا تخسر سِباق التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي. فتدويّ صفارات الإنذار في أنحاء الشركة، وقد تم إصدار أوامر للعمَّال الذي نجوا من جولة وحشية وغير ضرورية من عمليات التسريح الجماعي بدمج روبوتات الدردشة في محرّك البحث (كانت عملية إعادة شراء الأسهم لشركة جوجل في 2022 هائلة لدرجة قدرتها على دفع رواتب كل عامل تمّ تسريحه لمدة 27 عامًا).
وتحدث تلك الدورة المتكررة مرة أخرى: توسع شركة احتكارية منافسة لشركة جوجل من أنشطتها إلى مجال أعمال مشكوك فيه – في المرة السابقة كانت شركة ياهو والصين، وهذه المرة مايكروسوفت وChatGPT، ما أصاب شركة جوجل بالهلع. يطالب قادة الشركة من العمَّال ملاحقة منافسيها، مما يجعل مكافآتهم تعتمد على اتباع بدعة تجارية أو دمج تقنية جديدة شائعة في منتجاتٍ يعتمد عليها مليارات الأشخاص، حتى لو أدَّى ذلك الدمج إلى جعل هذه المنتجات أسوأ بشكلٍ ملموس.
نعرِف نهاية هذا الفيلم بالفعل، ستستمر تجربة المستخدم في جوجل بالتدهور. سيصل التراجع المستمر لجودة البحث إلى مستوى جديد من الرداءة، ليظهر لنا مجموعة من الإعلانات عديمة الفائدة، والرسائل غير المرغوب فيها، والروابط الانحيازية لخدمات جوجل الخاصة، لتنعكس القيمة على أصحاب أسهم الشركة بدلاً من الباحثين، وأصحاب الإعلانات، والعمَّال.
لا تكمن المشكلة في عدم ارتباط روبوتات الدردشة بالبحث – فلهم علاقة وثيقة مع البحث بالفعل. تكمن المشكلة في إنتاج مولّدات نصوص غير مرغوب فيها، تستمر في سرد الأكاذيب بلا مبالاة وباحترافية. كان باستطاعة جوجل الاستجابة لهذا التهديد بابتكار أدوات “لتنظيم المعلومات وجعلها متاحة عالميًا وذات فائدة”، كما يزعم بيان مهمة الشركة، أدوات يمكن استعمالها لرصد النصوص الخاطئة التي تولّدها الآلات والتخلص منها، أو للتحقق من صحة رسائل روبوتات الدردشة. كان من الممكن لجوجل أن تصلح قسم أبحاث التعلّم الآلي في الشركة، وأن تحاول إنقاذ سُمعتها المُستحقة بكونها المكان الذي يهم فيه الالتزام بقواعد الشركة أكثر من التميز التقني.
لكنها لم تفعل ذلك، ولن تفعل ذلك أبدًا. تستمر شركة شراء وبيع المنتجات في السعي لتكون شركة مُبتكرة. فالشركة منجرفة بلا هدف، وفارغة من الأفكار، ولا تزال قائمة بسبب إنجاز تقني واحد تمّ تقنينه من قِبل ربع قرن مضى، وستستمر شركة جوجل في تقليد منافسيها وتسمية هذه العملية “بالابتكار”.
