بقلم: مارينا كورين
قبل عدة سنوات، وَجَّهَ علماءُ الفلك تلسكوبًا نحو نجم آخر واكتشفوا شيئًا رائعًا: سبعة كواكب، كل واحدٍ منها بنفسِ حجمِ الأرض تقريبًا. كانت الكواكبُ قريبة جدًا من نجمها الصغير، وجميع مداراتها السبعة تتناسب مع مدار عطارد. ومع ذلك، نظرًا لأنّ هذا النجم أصغر حجمًا وأكثر برودة وأَخَفُّ وزنًا من نجمنا، فإنّ ثلاثةً على الأقلِّ من تلك العوالِم الصخرية تقع في المنطقة الصالحةِ للسكن، عند درجةِ الحرارةِ المناسبةِ للمياهِ السائلةِ المتدفقة. ولا يَضْمَنُ حجمُ وإشراقُ كوكبٍ كالأرضِ أنك ستجد حياة خارجه، ولكن إذا كنت تبحث عن علاماتٍ على وجودِ حياةٍ غريبةٍ خارج هذا النظام الشمسي، فإنّ هذا الركن من الكون سيكون مكانًا واعدًا للبدء.
إنّ النظامَ الذي يدور حول النجم، والذي يُعرف باسم “ترابيست-1” غير عادي، حيث لم يجد العلماء واحدًا مثله من قبل، ولم يجدوا حتى الآن. لا يمكننا رؤية الكواكب الخارجية، التي تحمل أسماء b وc وd وe وf وg وh، فمن على بعد 40 سنة ضوئية، كانت مجردَ وكضاتٍ صغيرةٍ في بياناتِ التلسكوب. وقد رسمها الفنّانون في وكالةِ ناسا، واسترشدت مخيّلتهم بتفاصيل العوالِم الموجودة في نظامنا، بما في ذلك سُحب الأرض والمحيطات، لكن الكواكب الخارجية ظلَّت في الأساس لغزًا. لذا عندما تمّ إنشاء تلسكوب “جيمس ويب الفضائي” -وهو أحدث وأقوى تلسكوب على الإطلاق- كان الخبراء وعشَّاق الفضاء على حدّ سواء حريصين على توجيهه نحو هذه الأبجدية الكونيَّة بجانب إلقاء نظرة حقيقية للعوالِم الموجودة بداخلها.
الآن، ظهرت النتائج الأولى، حيث رَصدَ تلسكوب ويب الكوكب الخارجي b، وهو الكوكب الأعمق، لكنه لم يعثر على شيء. إذ لا توجد علامات على وجودِ ثاني أكسيد الكربون، وهو المكوّنُ الرئيس في غلافنا الجويّ، والذي صُمِّم ويب لرصده حتى مِن على بعد عدة سنوات ضوئية، وهذا يعد دليلاً جيدًا على عدمِ وجود غلاف جويّ حقيقي على الإطلاق. قال توم غرين، عالِم الفيزياء الفلكية في وكالة ناسا، الذي قاد فريق البحث الجديد: “لقد فُوجئنا”، “شعرتُ بخيبة أمل”.
لكن الخبر السَّار هو أنه لا يزال لدينا سِت كواكب أخرى يجب فحصها، والعوالِم الأبعد عن نجمها من المرجح أن تتمتّع بغلافٍ جويّ حقيقي. وهذا يعني أنّ لدينا سِت فرص أخرى للعثور على غلافٍ جويّ حول عالَم صخري، وربما حتى الكشف عن وجود مركبات مرتبطة بالحياة كما نعرفها. والمزيد من الملاحظات ستمنحنا أيضًا فهمًا أكثر ثراءً حول ما إذا كانت النجوم كتلك الموجودة في نظام “ترابيست-1” المعروفة باسم “الأقزام الحمراء” نجومًا واعدة في البحث عن كواكب صالحة للحياة في هذا الكون. وهذا له آثار كبيرة، فعدد الأقزام الحمراء يفوق عدد النجوم الشبيهة بالشمس في درب التبّانة بكثير، ومن المُحتمل أن يكون لديها كواكب صخرية أيضًا. إذا كان لدى كوكب واحد من ترابيست-1 الظروف التي نعرِف أنها ضرورية للحياة، فهذا يشير إلى أنّ المجرّة يمكن أن تَعُجَّ بعوالِمٍ صالحة للحياة، وقد لا تكون الأرض مميزة جدًا.
شارك علماء فلك آخرون تحدّثتُ معهم خيبةَ أمل غرين بسبب افتقار ترابيست-1b إلى غلافٍ جويّ، لكن بعضهم لم يتفاجأ على الإطلاق. ومنذ الإعلان عن وجود النظام للعامة عام 2017، طوّر العلماء نماذج لا حصر لها للكواكب، وانقسمت التوقعات، حيث “اعتقد بعض الناس أن الكوكب لن يكون له غلاف جويّ على الإطلاق، فيما اعتقد البعض الآخر أنّه ربما يكون له غلاف جويّ يشبه كوكب الزهرة، الذي يتكوّن في الغالب من ثاني أكسيد الكربون”، كما قال جوناثان فورتني، عالِم الفلك في جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز، الذي عَمل مع غرين في بحثٍ جديد عن الكوكب b.
قبل إنشاء تلسكوب ويب، رصد تلسكوب هابل الفضائي معظم كواكب ترابيست، بما في ذلك الكوكب b، لكنه لم يعثر على أيّ دليل على وجود أغلفة جويَّة خفيفة ومنتفخة مكوّنة من الهيدروجين. كان هذا أمرًا جيدًا بالنسبة لعلماءِ الفلك؛ لأنّ مثل هذا الغلاف الجويّ الشبيه بنبتون لن يكون ملائمًا لنوعِ الحياة الذي نشأ هنا على الأرض. أراد العلماء اكتشاف الغازات الأثقل مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان والأكسجين -وهي غازات ثلاثية تشير، على الأقلِ على الأرض، وإلى وجود حياة تتنفس تحت السُحب-؛ لذا احتاجوا إلى تلسكوب ويب.
استخدم غرين وفريقه تلسكوب ويب لتقييم الغلاف الجويّ للكوكب b بطريقةٍ جديدة، حيث قاموا بقياس الحرارة على شكل ضوء الأشعة تحت الحمراء المنبعث من الكوكب. إذ قد تشير النتيجة الأكثر برودة إلى وجود غلاف جويّ، حيث يعمل على توزيع حرارة النجم حول العالم. أمَّا النتيجة الأكثر سخونة فتعني سطحًا خاليًا من الغلاف الجويّ، حيث يمتصّ الطاقة ثمّ يعكسها مرة أخرى، مثل الأسفلت بعد يوم دافئ. كشفت بيانات تلسكوب ويب أنّ الحالة الأخيرة صحيحة، فمع درجة حرارة نهارية تبلغ حوالي 450 درجة فهرنهايت، يُعد كوكب ترابيست-1b “مثاليًا تقريبًا لخبز البيتزا”، كما قالت وكالة ناسا، ولكنّه أيضًا عبارة عن كُرةٍ صخرية خالية من الهواء.
ربما كان للكوكب غلاف جويّ منذ عدة دهور، لكن من المُحتملِ أنّ نجمه قد أخذه بعيدًا، كما أخبرتني ميغان مانسفيلد، عالِمة الفلك في جامعة أريزونا، التي تستخدم تلسكوب ويب أيضًا لدراسة الكواكب الخارجية. إنّ نجوم الأقزام الحمراء نجوم باردة، فهي أقلّ سطوعًا بكثير من الشمس، لكنها تحبّ أن تتوهج، وتطلق الإشعاع إلى الفضاء. وقال مانسفيلد: “هذه الأنواع من الأشياء يمكن أن تجرد الكوكب من الغلاف الجويّ”، خاصةً الكوكب الذي يدور بهذا القرب. وربما لا يزال كوكب ترابيست-1b يتمتّع بغلافٍ جويّ هشّ للغاية، وسريع الزوال بحيث لا يستطيع تلسكوب ويب اكتشافه، مثل كمية بسيطة من الغاز التي تغلّف عطارد، لكن هذه ليست البيئة الشبيهة بالأرض التي يأمل الباحثون في اكتشافها في هذا النظام.
لذا سينتقل علماء الفلك إلى الكواكب c وd وe وf وg وh. حيث قال غرين إنه أكثر تفاؤلاً بشأن اكتشاف الأغلفة الجويَّة حول كواكب ترابيست-1 الأخرى، على الأقلِّ قبل الاكتشاف المُخيّب للآمال في الكوكب b. ولكن لا يزال هناك متسع من الوقت قبل أن نفقد الأمل. فيما قال مانسفيلد: “ربما تكون الظروف أكثر راحة في أماكن أبعد”، حيث “توجد مساحة أكبر لهذا الإشعاع المكثّف والتوهّج من النجم للانتشار”.
لقد رصد تلسكوب ويب الكوكب c بالفعل، ومن المفترض أن تظهر النتائج قريبًا، كما أخبرني غرين. وإذا تبيّن أيضًا أنّ غلافه الجويّ غير مناسب، فقد لا يكون ذلك سببًا يدعو للقلق لدى علماء الفلك. وينطبق الشيء نفسه مع الكوكب d، لأنه يدور على حافَّة المنطقة الصالحة للسكن. لكن عندما يأتي الأمر للكوكب e سيكون علماء الفلك قلقين حياله، حيث تتمتّع الكواكب e وf وg بأفضلِ فرصةٍ لأنْ تكونَ شبيهةً بالأرضِ، ليس فقط بغلافٍ جويّ ولكن أيضًا بمحيط. قالت لي نيكول لويس، عالِمة الفيزياء الفلكية في جامعة كورنيل: “كل نقطة بيانات نحصل عليها، تمامًا مثل تلك التي حصلنا عليها الآن، ستساعد في تحسين تلك النظريات حول ما تعنيه قابلية السكن بالنسبة للكواكب الموجودة في أنظمة [القزم الأحمر]”. قد يساعد هذا النوع من البحث الباحثين على تحديد ما إذا كانت الكواكب الواعدة تحتوي على ماء أم لا، فقد قال لويس إنّ عدم وجود غلاف جويّ يعني أنّ تلسكوب ويب يمكنه دراسة سطح الكوكب، والبحث عن الدليل الكيميائي لجزيئات الماء في الضوء الذي يعكسه. إنّ وجود إشارة قويَّة بما فيه الكفاية من شأنه أن يمنح علماء الفلك الأمل في كون المادة موجودة في مكانٍ آخر في نظام ترابيست، وفي ظلّ ظروفٍ أفضل – على أمل أن يكون أحد هذه العوالِم موطنًا لهم.
وبالنسبةِ لنا، تظلُّ الرحلة ُإلى نظامِ “ترابيست” نوعًا من الخيالِ العِلمي -في الوقتِ الحالي-، حيث ترتبطُ البشريَّةُ بنجمنا الهادئ الساطع، وبالكواكبِ والأقمارِ المحيطة به. لكنَّنا سَنبني تلسكوباتنا المتطوّرة، ونوجّهها نحو عوالِم أخرى في المجرَّة، ونرى ما إذا كانت لديها سُحبًا خاصة بها، أو شيئًا ما، أو شخصًا ما يحدّق منها إلى الأرض.
