عندما قام عالِم الحفريات الباحث مايكل ديميك بِقَطْعِ عظام ماجونجاصور (Majungasaurus)، وهو أحد الأقرباء البعيدين لتيرانوصور ريكس (Tyrannosaurus rex)، الذي عاشَ في مدغشقر قبل حوالي 70 مليون سنة، كان يتوقّع وجود مفاجآت كامنة، لكن ما وجده قد فاقَ جميع التوقّعات.
حيث بلغ طول كائنات “ماجونجاصور” البالغة إلى سبعة أمتار من الأنف إلى الذيل، ويمكن أن يصل وزنها إلى حوالي 1000 كيلوغرام. يعتقد علماء الحفريات أن طول الديناصورات الكبيرة مثل هذه الحيوانات الضخمة الآكلة للحوم كان ناجمًا عن طفراتٍ سريعة في النمو. ولكن عظام الأحافير كشفت عن حكايةٍ مختلفة. إذ يقول ديميك -الأستاذ المشارك في علم الأحياء، في جامعة أديلفي، في نيويورك-: “على عكس الديناصورات الآكلة للحوم التي تمَّت دراستها حتى ذلك الحين، سار نموّ ماجونجاصور ببطءٍ شديد”.
وقد لجأ ديميك -وهو في حيرةٍ من أمره- إلى أحد أقرباء هذا الديناصور، وهو السيراتوصور (Ceratosaurus)، الذي كان يعيش في أمريكا الشمالية، والذي كان بنفس الطول والوزن تقريبًا؛ لمعرفة ما إذا كان ينمو ببطءٍ أيضًا. ولكنّه علَّق على ذلك بقوله: “لقد وجدنا النتيجة المُعاكسة؛ فقد نمَا بسرعةٍ أكبر من أيّ ديناصور آكلٍ للحوم رأيته في حياتي”.
ما تَلا ذلك بالنسبة لديميك كان عبارة عن زوبعةٍ استمرَّت لعقدٍ من الزمن، مِن النظر إلى العظام بحثًا عن أدلةٍ حول كيفية نموّ الديناصورات. ويوضح تحليله لـ 42 نوعًا مختلفًا من الديناصورات، الذي نُشِر مؤخرًا في مجلة ساينس (Science)، أنّ نمط “النموّ السريع” لم يكن سائدًا بنفس القَدَر الذي افترضه الباحثون.
وهذه فكرة يعتقد الباحثون أنها قد تكون ذات صِلة بالحيوانات الحديثة من جميع الأحجام، وليس فقط بالحيوانات العملاقة في عصور ما قبل التاريخ. حيث يقول ديميك في هذا الشأن: “مِن السهلِ على الحيوان أنّ يتطورَ إلى حجمِ جسمٍ أكبر من خلالِ النموّ بشكلٍ أبطأ لفترةٍ أطول مِن نموّه بشكلٍ أسرع”.
يُعد السؤال عن نموّ الحيوان إذا كان بشكلٍ أسرع خلال فترة زمنية أقصَر أو أبطأ على مدى فترةٍ زمنية أطول سؤالاً تفصيليًا دقيقًا، ولكن مسَار نموّ الحيوان يقدّم نظرة لحياته وللعالَم الذي عاشَ فيه. يمكن للحيوانات سريعة النموّ التغلّب على الحيوانات المفترسة المحتملة والتغلّب على الأنواع الأخرى، لكنها تحتاج إلى الكثير من الغذاء والموارد الأخرى. فيما ينطوي النموّ البطيء على قَدَرٍ أكبر من الأخطار، لكنه يسمح للحيوان بالبقاء على قيد الحياة بقَدَرٍ أقل خلال الأيام العصيبة. على سبيل المثال، تؤكّد عظام ماجونجاصور -بوصفه الكائن المفترس الأعلى في نظامه البيئيّ القديم- أنّه كان مترفًا في تطوّره بوتيرةٍ بطيئة.
يساعد فهم استراتيجيات النموّ أيضًا في تفسير سبب تزايد حجم بعض الديناصورات مقابل بقاء البعض الآخر منها صغيرًا. إذ مِن الممكن لحجم الجسم أن يؤثّر على كل شيء، بما في ذلك مدة حياة الحيوان وعدد نسلِه، كما يوضح سانتياغو هيريرا ألفاريز، عالِم الأحياء التطوري وطالب الدكتوراة في جامعة شيكاغو. ومع ذلك يقول: “مِن المثير للدهشة أنَّنا لا نملك الكثير من المعلومات حول آليات النموّ، أو الآليات الجينية الأساسية الكامنة في التباين في حجم الجسم بين الحيوانات”. وقد بدأت دراسات كدراسة ديميك بفكّ هذا اللغز.
تحتفظ العِظام بأسرارٍ حول تاريخ حياة الحيوان. حيث يمكن للثقوب التي خلَّفتها الأوعية الدموية التي اختفت منذ فترة طويلة الكشف عن معدّل الأيض للكائن، وتشير النتوءات الصغيرة في العِظام التي تتشكَّل أثناء عملية الشفاء إلى الصدمات الناجمة عن المعارك القديمة، فيما يمكن للخطوط الرفيعة داخل العظم -التي تشبه إلى حدّ كبير حلقات النموّ في الشجرة- أن تشير إلى عُمر الحيوان؛ من خلالِ تحديدِ مكان تباطؤ نموّ العظم القشري أو توقّفه في مواسمِ الجفاف السنويَّة أو الشتويَّة.
يقول ب. مارتن ساندر -عالِم الحفريات بجامعة بون بألمانيا، الذي لم يكن جزءًا من البحث-: “يمكننا بواسطة العِظام أن نشاهدَ ديناصوراتنا وهي تنمو، والطريقة الوحيدة اللائقة لاستنتاج أو حتى ملاحظة كيفية نموّ هذا الديناصور هي من خلال بُنيته المجهريَّة”.
لجأ ديميك -من أجلِ الحصولِ على الإجاباتِ التي يريدها- إلى عِلم الحفريات، وهو العِلم المختصّ بدراسة الأنسجة الأحفوريَّة الدقيقة. ولم تتغيّر تقنيات هذه العلم كثيرًا منذ ما يقرب من قرنين من الزمان، حيث يتطلب قطع العِظام القديمة عملاً شاقًا، وعادةً ما يتمّ ذلك باستخدام شفرة مصنوعة من الألماس مثل شفرة الصائغ. قد تتردد المتاحف في تسليم حفرياتها لإجراء مثل هذا التحليل المُدمر، لكن هذا التردد بدأ يتغيّر في العقود الأخيرة. يقول ديميك: “هذا الجزء من العظم هو أكثر الأجزاء إثارة للملل، إلا أنه يمنحك النافذة المُذهلة للتعرّف على كيفية عيش الحيوان”.
لقد قام ديميك وزملاؤه على مدى عدةِ سنوات بتحليل أكثر من 80 عظمة من 42 نوعًا من وحشيات الأرجل، وهي الديناصورات ذات الرجلين، ومعظمها آكلة للحوم، والتي كانت تعيش ما بين 230 مليون – 66 مليون سنة مضت، ونشأت منها الطيور. كانت أحجام تلك الديناصورات تتراوح في حياتها ما بين حجم قِطَّة منزلية إلى حجم تيرانوصور. وكانت هناك حاجة لصنفرة رقائق العظام التي استخرجها الباحثون التي يبلغ عرض بعضها تقريبًا حجم كرة الهوكي، ويصل سُمكها إلى عُشر المليمتر، وهي رقيقة بما يكفي للرؤية من خلالها، ولكنها ليست رقيقة بدرجةٍ كافية للكسر. وحتى في ذلك الوقت، كانت حلقات النموّ ضيقة جدًا بحيث لا يمكن فحصها بالعين المجردة بشكلٍ فعَّال، حيث يقول ديميك: “أنت تحاول رؤية أشياء يبلغ سُمكها عُشر سُمك الشَعرَة”. لكن الباحثون تمكّنوا من الحصول على القياسات التي يحتاجونها من خلال تراكب مئات الصور بتكبيراتٍ مختلفة.
بحث الباحثون في كل شريحة عظميَّة عن أكبر فجوة بين الحلقات؛ للعثور على السنة التي نمَا فيها الحيوان أكثر من غيرها. وتمَّت مقارنة معدّل النموّ السنويّ الأقصى هذا مع كتلة جسم الديناصور، والتي استنتجوها من حجم عظم الفخذ وعظم الساق. ثمّ نَظَرَ الفريق عن كثبٍ إلى الاتجاهات التطورية في الحجم مقابل معدلات النموّ ضمن السُلالات المختلفة.
ووُجِدَ أنّ حوالي 60% من أنواع وحشيات الأرجل التي أُخِذت منها العينات كانت أكبر من أسلافها. وكشف تحليل العظام الذي أجراه ديميك عن انقسامٍ متساوٍ تقريبًا بين الأنواع التي نَمَت بشكلٍ أسرع من أسلافها والأنواع التي نَمَت لفترةٍ أطول. لم تحدد الاستراتيجية المفضّلة حجم وحشيات الأرجل التي أصبحت أكبر. فعلى سبيل المثال، زادت كتلة أجسام بعض التيرانوصورات بأكثر من 200% في عامٍ واحد، في حين أن بعضها الآخر حقَّق في نهاية المطاف كتلة مماثلة من خلال النموّ على مدى سنوات أكثر.
وينطبق الشيء نفسه على 40% من الأنواع التي تقلّصت، حيث كان نصفها تقريبًا أصغر من أسلافها لأنها نَمَت بشكلٍ أبطأ، وكان النصف الآخر أصغر لأنها نًمَت لفترةٍ زمنية أقصر.
لم يكن هناك اتجاه عام لسُلالات وحشيات الأرجل طوال فترة تطورها نحو ازدياد أو انكماش حجمها، وتُستثنى من ذلك حالة واحدة فقط. فقد وُجِدَ التحليل في السُلالة التي تطورت منها الطيور انخفاضًا ثابتًا في الحد الأقصى لمعدلِ النموّ السنويّ. ومن المفترض أن هذا الاتجاه ساهم في تقلّصِ وحشيات الأرجل، وهو التغيير الذي ساعد بعضها في نهاية الأمر على الانكماشِ إلى الحدِ الكافي الذي سَمَحَ لها بالطيران. يقول ساندر: “إنّ التيرانوصور هو سَلَف الطيور، بنحوٍ أو بآخر”.
أشارت العديدُ من الدراساتِ السابقة إلى أنّ معدلَ النموّ السريع هو سِر حجم الديناصورات والطيور والثدييات. لكن التحليل الجديد وجد أنّ وحشياتَ الأرجل كانت على العكس من ذلك، ومن المرجح أنها كانت تتحكّم في مدةِ نموّها، وهي استراتيجية بديلة تمّ تحديدها سابقًا في مجموعاتٍ قليلة فقط، بما في ذلك التماسيح وبعض السَحالي.
قد يتبين في النهاية أنّ ما وجده ديميك وزملاؤه في وحشياتِ الأرجل هو القاعدة العامة بدلاً من كونه حالة شاذة. وقد أشاروا في ورقتهم البحثية إلى أنّ العديدَ من الدراساتِ السابقة لاستراتيجيات النموّ كانت مقارنات محدودة لعددٍ قليل من الأنواع بدلاً من دراساتٍ شاملة للسُلالات.
يقول ديميك: “حَدسي هو أنه بمجرد دراسة مجموعات أخرى من الحيوانات، سنجد نفس الأمر: التطور يأخذ المسَار الأقلّ مقاومة، فيما يتبع التطور الاستراتيجية الأسهل”.
ويوافق كيفن باديان -عالِم الحفريات في جامعة كاليفورنيا في بيركلي- على أنّ التباين في استراتيجيات النموّ أمر متوقع، لأن احتياجات كل حيوان وقيوده البيئية مختلفة. وقال في رسالة بالبريد الإلكتروني: “كل نوعٍ مختلف، واستراتيجية نموّه تعكس ذلك الاختلاف”. وأضاف أنه سيكون من الجيدِ تكرار مشروع ديميك المتعلّق بوحشيات الأرجل على مجموعاتٍ أخرى من الفقاريَّات.
يعتقد ديميك أنّ عمله يشكّل نقطة انطلاق للعديد من الاتجاهات الجديدة. وهو يدرس الآن ذوات الأسنان الكليَّة (Pantodonta) -وهي مجموعة مُنقرضة من الثديياتِ شبيهة بفرس النهر- التي تطوّرت بسرعةٍ وتضخّمت مباشرة بعد انقراض الديناصورات، وقبل فترة من الاحتباسِ الحراريّ الشديد. حيث ذَكَرَ أهمية معرفة تأثير تغيّر المناخ على معدلات النموّ وحجمه، فيما يتعلَّق بالحفاظ على البيئة الحديثة.
كما يهتم ساندر بكيفيةِ ارتباط استراتيجيات النموّ هذه بمعدّلِ الأيض، حيث يقول: “بالنسبة لي، هذا أيضًا هو المبرّر لدراسة الديناصورات، لا لأنها كائنات رائعة ومُنقرضة فحسب؛ لكن لأنّ هذا النوع من العمل يوسّع نطاق ما نعرِفه حول الحيوانات الحيَّة”.
