القائمة الرئيسية

أمازون وتغيير معالم وجغرافيا الثروة والسلطة

أمازون وتغيير معالم وجغرافيا الثروة والسلطة
ملخص المقال

المقال يستعرض كيف أثّرت هيمنة شركة أمازون على الحياة الأمريكية، مُستندًا إلى كتاب ""الإنجاز: الفوز والخسارة في أمريكا ذات النقرة الواحدة"" لأليك ماكغيليس. يروي الكاتب تجربته الشخصية في سياتل بالتسعينيات، قبل أن تتحول المدينة إلى معقل أمازون، مشيرًا إلى كيفية تقويض الشركة للتماسك الاجتماعي والاقتصادي. يناقش المقال تركز الثروة في المدن الساحلية الغنية على حساب بقية أمريكا، حيث تسببت أمازون في تراجع الفرص الاقتصادية وازدياد الفجوة بين الأغنياء والفقراء. كما يُبرز الظروف القاسية لعمال المستودعات، مثل هيكتور توريز وبيل بوداني، الذين يواجهون تدني الأجور والرقابة الصارمة، ما يعكس تأثير سياسات أمازون على العمالة والمجتمعات.

بقلم: فاوهيني فارا

فهم أمريكا في ظل الشركة العملاقة.

في منتصف التسعينيات، عندما كنتُ في المدرسة الإعدادية، انتقلتْ عائلتي إلى ضواحي سياتل؛ حيث حصل والدي على وظيفة في شركة بوينغ، كان والداي يُوصلانني أنا وأختي عبر الطريق السريع I-90 إلى مركز Bellevue Square التجاري في عطلات نهاية الأسبوع، وكنتُ أجلس على سجادة مكتبة B. Dalton وأقرأ المجلات، على بعد ميل ونصف من طريق Bellevue Way، في مرآب منزل مستأجر، بدأ جيف بيزوس تأسيس شركة أمازون. لبعض الوقت، لم يكن تأثير أمازون ملحوظًا. في المدرسة الثانوية، يأخذني طريق وظيفتي بدوام جزئي عبر ما كان يُعرف آنذاك بحي ساوث ليك يونيون الذي لا يُوجد ما يُميّزه عن غيره، تنتشر فيه متاجر السيارات والمستودعات، وعدد قليل من المراسي على طول الواجهة البحرية، كان المَعلَم الرئيس هو مغسلة السيارات Elephant Car Wash التابعة لشركة Denny Triangle، مع زوجٍ من لافتات النيون الوردية على شكل فيل، لقد كانت نموذجًا مثاليًّا للفن القديم الذي اشتهرت به سياتل في ذلك الوقت، وكانت تُثير إعجابي.

وفي الآونة الأخيرة فقط، تم تحويل منطقة ساوث ليك يونيون التي أتذكّرها لمناظر طبيعية مُترامية الأطراف في حرم أمازون، والتي تضم مكتبة بتصميم مُستلهم من روايات هاري بوتر، وساحة للكلاب تضم صنبور إطفاء زائف، وثلاثة مشاتل نباتية كروية ضخمة. في أكتوبر الماضي، تم إغلاق مغسلة سيارات Elephant Car Wash التابعة لشركة Denny Triangle، تحت ضغط الجائحة وارتفاع الضرائب والإيجار، وتبرّع صاحبها بإحدى اللافتات إلى أمازون، وقال بوب هيني لصحيفة سياتل تايمز: “لقد طلبوها، لقد أرادوا الحصول عليها؛ لذلك أهديتُها لهم”.

إنّ “هيني” ليس شخصية في كتاب “الإنجاز: الفوز والخسارة في أمريكا ذات النقرة الواحدة (Fulfillment: Winning and Losing in One-Click America)”، كتاب يأخذ فيه “أليك ماكغيليس” جولة انطباعية واسعة النطاق في أمّة أصبح وجود مواطنيها مُترابِطًا مع شركة معينة واحدة، ولكن كان من الممكن أن يُذكر اسمه فيه بسهولة، لقد تم تأليف الكثير من الكتب حول شركة أمازون؛ لذلك لم يكن ماكغيليس مُهتمًّا باستكشاف الأعمال الداخلية للشركة نفسها، وشرع بدلًا من ذلك في استكشاف “أمريكا التي وقعت في ظل الشركة الممتد” أي: الأماكن التي أدّى فيها تأثير أمازون إلى تقويض التماسك الاجتماعي بطرائق واسعة الانتشار، ويبدو أنّ العثور على مثل هذه الأماكن أمرٌ سهل.

هناك طرائق لا حصر لها لقياس مدى سيطرة أمازون على الحياة الأمريكية، عدد الأشخاص الذين اشتركوا في خدمة Prime في الولايات المتحدة أكبر من عدد الذين صوّتوا لصالح دونالد ترامب أو جو بايدن في الانتخابات الماضية: أكثر من 100 مليون نسمة، وفقًا لتقديرات حديثة، تجني أمازون نصف ما يُنفقه الناس في هذا البلد عبر الإنترنت، إنّها ثاني أكبر مكان عمل خاص في الولايات المتحدة، بعد وول مارت؛ حيث يعمل فيها أكثر من 800 ألف مُوظّفٍ، معظمهم لن تطأ أقدامهم أبدًا المقر الرئيس في سياتل، ومن بين القوى العاملة الكبيرة في أمازون في أريزونا -وأغلبها داخل المستودعات- كان هناك واحد من كل ثلاثة أشخاص ضمن برنامج المساعدة الغذائية التكميلية الفيدرالي عام 2017م. وبالمناسبة، كانت أمازون -إلى جانب وول مارت- واحدة من أكبر المستفيدين من النظام الذي يسمح باستخدام قسائم الطعام في محلات البقالة عبر الإنترنت، ممّا يجلب كميات كبيرة من الأموال الحكومية. ويُعدُّ “بيزوس” الرئيس التنفيذي لشركة أمازون، أغنى شخص على قيد الحياة.

وكما يُشير ماكغيليس؛ فإنّ فهم الكيفية التي أصبحت بها شركة واحدة راسخة على نطاق واسع عميق يتطلب منظورًا تاريخيًّا، ابتداءً من أواخر السبعينيات، تم تخفيف اللوائح الفيدرالية التي تحكم توحيد الأعمال، وتضاءَل تطبيق مكافحة الاحتكار، وكما كان مُتوقّعًا، بدأت حصة متزايدة من ثروات الشركات تتدفق إلى عدد صغير من الشركات، وبالتالي من الأفراد. أدّى ظهور الإنترنت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى تسريع العملية بطرائق أصبحنا على دراية بها الآن، وهيمنت حفنة من الشركات -غوغل وفيسبوك وأبل وأمازون بالتحديد- على مساحات كبيرة من الحياة الاقتصادية. ما يُشعر ماكغيليس بأنّه لا يحظى بالتقدير الكافي هو إعادة رسم الخريطة الجغرافية للثروة -ومعها السلطة- التي أحدثها التحوُّل.

كان “ماكغيليس”، وهو مراسل في ProPublica ومؤلف سيرة حياة ميتش ماكونيل بعنوان The Cynic، واحدًا من أوائل الصحفيين الذين بدأوا في توثيق الاضطرابات الاجتماعية الاقتصادية التي ساعدت في تحويل منطقة حزام الصدأ الريفية من اللون الأزرق إلى الأحمر ووضع دونالد ترامب في البيت الأبيض، واهتمامه في كتابه بعنوان: “الإنجاز” بالآثار الانتخابية التي كثيرًا ما نُوقشت أقل من اهتمامه باضطرابات عصر التكنولوجيا نفسها، أدّى الوعد الوهمي للمساواة المتمثل في أنّ العملاء في كل مكان يُمكنهم الاستمتاع براحة غير مسبوقة بنقرة واحدة، إلى تفاقم الاختلافات في الاختيارات المُتاحة للأغنياء والفقراء، يصف ماكغيليس أنّه بينما استقرت الشركات الغنية وكبار موظفيها في عدد صغير من المدن الساحلية الغنية، تم استنزاف بقية أمريكا من الفرص.

عدد الأشخاص الذين اشتركوا في خدمة Prime في الولايات المتحدة أكبر من الذين صوَّتوا لصالح دونالد ترامب أو جو بايدن في الانتخابات الماضية.

يُؤكّد ماكغيليس أنّ تصوير الظاهرة على أنّها فجوة آخذة في الاتساع بين المناطق الحضرية والريفية هو نسخة مُبسَّطة لقصة أكبر وأكثر تعقيدًا. في عام 1969م، كانت المناطق الحضرية الثلاثون التي تتمتع بأعلى دخل شخصي للفرد تشمل ديترويت وكليفلاند وثلاث مدن أخرى في الغرب الأوسط. وفي عام 2019م، ظهر اسم منطقتين فقط من الغرب الأوسط -شيكاغو ومينيابوليس- في تلك القائمة، وكانت باقي الأسماء جميعها تقريبًا على السواحل. وفي الوقت نفسه، داخل المدن الساحلية التي أصبحت أكثر ثراءً، كانت المكاسب مُتفاوتة إلى حد مثير للقلق. على سبيل المثال، أدّى ارتفاع الإيجارات ونقص المساكن ذات الأسعار المعقولة إلى جعل منطقة سياتل المركز الثالث من حيث عدد من المُشرَّدين في الولايات المتحدة، بعد مدينة نيويورك ولوس أنجلوس، وفقًا لبيانات عام 2019م.

تُوثّق هذه الأرقام اختلافًا صارخًا، لكنّها لا تعكس أبعاده الإنسانية، هذا هو هدف ماكغيليس، وهو يستكشف ما يعنيه تآكل القدرة والإمكانية بالنسبة للأشخاص العاديين. داخليًّا، تستخدم أمازون كلمة “الإنجاز (fulfillment)” للإشارة إلى معالجة طلبات العملاء. وبطبيعة الحال، لدى ماكغيليس استخدام آخر في ذهنه: التركيز الأمريكي ذاته على فرصة البحث عن الإنجاز والشعور بالرضا -الشعور بالمعنى والغرض والقيمة، والشعور بالتمكين الشخصي والتضامن المجتمعي- في عملنا. لا تُوجد شركة تُقدّم منظورًا أكثر وضوحًا أو زوايا أكثر ممّا تُوفّره أمازون فيما يتعلق بالخيارات الإستراتيجية التي تسبّبتْ بشكل واضح في إحباط هذا المسعى.

يبدأ كتاب “الإنجاز تحت الأرض”. هيكتور توريز (اسم مستعار) موظف في مستودع أمازون في مدينة ثورنتون بولاية كولورادو يتقاضى 15.60 دولارًا في الساعة، ويعمل على نقل الطرود والصناديق طوال الليل. علِم -من زملاء العمل وليس من الشركة- أنّه خالط أشخاصًا مُصابين بفيروس كورونا أثناء العمل، فأرسلتْه زوجته إلى القبو. من قبو مسكن توريز، يُسافر ماكغيليس إلى سياتل وواشنطن العاصمة، حيث تتركز الكثير من ثروة أمازون، وكذلك إلى مدن في ماريلاند وأوهايو وبنسلفانيا التي تتحمل أمازون مسؤولية، على الأقل بشكل غير مباشر، الانخفاض التاريخي في ثرواتها منذ التسعينيات.

وفي بعض قصص ماكغيليس، كان الارتباط بأمازون ضعيفًا للغاية، لدرجة أنّه لا يوجد ما يُميّزه تقريبًا؛ حيث يبدو أنّ مُشكلات الشخصيات تنشأ من قوى أكبر من شركة واحدة، مثل: العولمة والاستطباق وأزمة المواد الأفيونية، يعود شاب من بلدة صغيرة في ولاية أوهايو -يشعر بالاغتراب من تجربته في العاصمة، حيث بدأ دراسته الجامعية- إلى مسقط رأسه، ويدخل في عالم السياسة الديمقراطية، بعد أن حقّق نجاحًا مَحليًّا، ترشّح للكونغرس، مُصمِّمًا على ألّا يشطب الحزب منطقته الداعمة لترامب، والتي دمّرتْها المواد الأفيونية، لكنّه فشل في حشد أكثر من تأييد بعض النقابيين، تشاهد مغنية الكنيسة التي أصبحت مشهورة ثقافيًّا في سياتل خلال الثمانينيات، بينما يتم طرد جيرانها من المنطقة المركزية للمدينة المخصصة للسود تاريخيًّا، واحدًا تلو الآخر.

ربما تم استنفاد الطاقات المحلية لأسباب عديدة، لكن في المدن الساحلية التي يزورها ماكغيليس، تبدو قدرة أمازون غير المتناسبة على زيادة إثراء وتمكين الأماكن والعمال المزدهرة بالفعل واضحة للغاية، على الرغم من أنّ الظاهرة موجودة بالفعل، فإنّ استحضار الرواتب والمرافق التي تُقدّر بمئات الآلاف المتاحة لمبرمجي أمازون الشباب -مقهى يُقدّم الطعام لكلابهم، ومساحة للاجتماع في نسخة عملاقة طبق الأصل من عش الطيور- يُبرِزُ تجاربَ تتعارض مع تجربة توريز، الشعور بالاستحقاق الذي يظهر في بحث الشركة عن موقع مقر ثانٍ هو أمر مذهل. ينحني المسؤولون المحلّيون في أنحاء أمريكا جميعها التي تُعاني من ضائقة شديدة من أجل الحصول على فرصة لاستضافتها. في النهاية، تختار أمازون ضواحي عاصمة البلاد -التي تُعدُّ بالفعل واحدة من أغنى المناطق في البلاد- وتُغادِر بعد أن جمعت قدرًا كبيرًا من البيانات الإقليمية المفيدة المقدمة من مُقدِّمي العروض المتحمسين الذين ربما لم تكن لديهم فرصة أبدًا.

وفي الجيوب الأقل ثراءً في البلاد -المناطق الريفية والمدن الصغيرة؛ حيث قضى ماكغيليس الكثير من الوقت بِصفته مُراسِلًا- فإنّ دور أمازون في ترسيخ الصعوبات الاقتصادية ليس أقل وضوحًا؛ في مدينة إل باسو بولاية تكساس، سوّقتْ أمازون نفسها بقوة لحكومة المدينة كونها مصدرًا رئيسًا للّوازم المكتبية، ممّا دفع الموردين المحليين إلى فتح واجهات متاجر عبر الإنترنت على موقع أمازون، وأدّى ذلك إلى ذهاب جزء كبير من إيرادات مبيعاتهم إلى أمازون، أزمة البطالة التي تلت ذلك هي الأزمة التي تستغلها شركة أمازون؛ إذ إنّها تُمكِّنها من إيجاد عمالة مُتمكِّنة لمستودعاتها في البلدات المجاورة.

وفي منزله في بالتيمور، يستكشف ماكغيليس بشكل وثيق انحسار الإنجاز البشري الذي صاحب وعد أمازون بخدمة العملاء عالية السرعة، ويُقدّم لمحة عن “بيل بوداني جونيور”، الذي قضى معظم حياته العملية في مجمع Sparrows Point التابع لشركة Bethlehem Steel خارج المدينة. في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أجبرته إصابة بليغة على التقاعد في منتصف الخمسينيات من عمره، في الوقت الذي دفعت فيه المنافسة الأجنبية وعوامل أخرى الشركة إلى الإفلاس. في نهاية المطاف، تم إغلاق Sparrows Point وتخفيض معاش بوداني التقاعدي الشهري من 3000 دولارٍ إلى 1600 دولارٍ، والآن يبلغ من العمر 69 عامًا، وعاد إلى العمل بِوصفه سائق رافعة في مستودع من مستودعات أمازون تبلغ مساحته 22 فدّانًا، ويعود كل يوم إلى قطعة الأرض نفسها بالضبط، تمت إعادة تسمية شبه الجزيرة التي كان عليها المجمع -أصبحت تُسمّى الآن – وأصبح ما يُسمّيه ماكغيليس “مركزًا لوجستيًّا مُتعدِّد الأغراض” يضم -من بين مرافق أخرى- مركزًا “لإنجازات” أمازون.

يُطلِق زملاء بوداني الشباب عليه لقب “الأب” أو “الرجل العجوز”؛ لأنّه الأكبر سنًّا هناك؛ حيث يكسب حوالي 12 دولارًا في الساعة، مقارنة بـ 35 دولارًا في وظيفته السابقة. وهناك إهانات أخرى أشد سوءًا. تستخدم الشركة خوارزمية لتتبُّع مدى إنتاجية موظفيها ومقدار الوقت الذي يقضونه خارج المهمة، ووضع علامة على الأشخاص لإنهاء خدمتهم إذا أظهرت البيانات ضعف أدائهم. بعبارة أخرى؛ يُمكن فصل العامل بأقل قدر ممكن من مشاركة المشرف، وفترات الراحة المحدودة في الحمام تُرغم بوداني على التبول في زاوية هادئة من المستودع أحيانًا، ويوقف الرافعة ليختبئ وراءها. ومع ذلك، يستمد الراحة من العمل على قطعة الأرض نفسها التي بدأ فيها حياته المهنية؛ فقد سعى للحصول على الوظيفة لأنّها منحته شعورًا بالانتماء، كما وصف ماكغيليس: “شعور أنّك في المنزل”.

من الواضح أنّ بوداني رجل يرتكز على التضامن والاستمرارية، وما يزال يتسكّع بانتظام مع نقابة Retirees United Local 9477، ويجتمع لتناول طعام الغداء مع العُمّال السابقين في Sparrows Point وأعضاء النقابة الآخرين -وهو نوع من العادات التي لن يتمتّع بها أي عامل في أمازون إن كان للشركة المناهضة للنقابات العمالية رأي- في أحد الأيام، زار مكتب نقابة United Steelworkers وجمع بعض المواد المتعلقة بحق التنظيم. في العمل، عرض ذلك لشاب كان يُدرِّبه على تشغيل الرافعات، والذي أظهر انزعاجه من ثقافة أمازون المُتمثِّلة في “الضغط المستمر للوصول للأهداف، والشعور بالمراقبة الكاملة، وافتقار العمال إلى صوت”، على حد وصف ماكغيليس. في اليوم التالي، وبّخَ المشرف بوداني، -الذي يصغره بثلاثة عقود-. لم يكن الشاب الذي أعطاه المنشورات حَذِرًا في توزيعها، وفي وقت لاحق، تم إيقاف هذا العامل (نفت شركة أمازون أنّه تم إيقافه عن العمل). عندما هدّد المشرف بخصم أجر بوداني بسبب أخذه استراحة للذهاب إلى الحمام، سَئِمَ بوداني وقال للمشرف: “لا يُمكن أن تكون جادًّا” وبعد 50 عامًا من العمل في Sparrows Point، استقال رغم عبء العمل المُتزايد أيام العطلة.

عندما بدأ هذا المشروع، لم يكن بوسع ماكغيليس أن يتوقّع إلى أي مدًى أتى الكتاب الذي يتحدّث عن قوة أمازون -وعجز أولئك الذين يقفون في طريقه- في الوقت المناسب، كشفت التقارير الصحفية الأخيرة أنّ شغل وظيفة من فئة الياقة الزرقاء (الوظائف الحرفية) في أمازون ليس مُرهِقًا فحسب، بل إنّه خطير للغاية؛ إذ تبلغ معدلات الإصابة ضعف متوسط المجال المهني العام، لقد سعت الشركة بنشاط إلى تجنُّب جهود تأسيس النقابات، وجاءت هذه الاكتشافات في الوقت الذي أعطت فيه الجائحة لشركة أمازون عامها الأكثر ربحية في التاريخ حتى الآن؛ وذلك بفضل لجوء الأشخاص إلى التسوق عبر الإنترنت بدلًا من المتاجر الفعلية.

وفي العام الماضي، ارتفع صافي ثروة بيزوس بأكثر من 67 مليار دولارٍ (أو 60%) ليصل إلى 182 مليار دولارٍ. وخلال الفترة نفسها تقريبًا، وفقًا لشركة أمازون، ثبتت إصابة ما يقرب من 20 ألفًا من العاملين في الخطوط الأمامية في أمازون، مثل موظفي المستودعات وموظفي شركة Whole Foods، بفيروس كورونا، إنّها خطوة إلى الوراء، وسيظل النمط ثابتًا، زادت ثروات مليارديرات العالم بنحو الخمس على مدار العام الماضي، لتصل إلى أكثر من 11 تريليون دولارٍ، وفقًا لمجلة فوربس. وفي الوقت نفسه، قال ربع البالغين الأمريكيين إنّ أحد أفراد أسرهم تم تسريحه من العمل، أو فقد وظيفته بسبب الجائحة.

إنّ معالجة اختلال التوازن الإقليمي في أميركا ستُشكّلُ مهمة هائلة، ولا يزعم ماكغيليس أنّه يُقدّم حلولًا، لكنّ كتابه يُشير إلى نقطة بداية مهمة للغاية: من شأن الإصلاحات الجادة في مكان العمل أن تُؤثّرَ على مئات الآلاف من العمال، فضلًا عن المساعدة في إعادة تشكيل مشهد العمل الأوسع، يظل هيكتور توريز، الذي يعيد ماكغيليس زيارته في نهاية كتاب “الإنجاز” حذرًا. ما يزال يعمل في مستودع ثورنتون، وقد اتّخذتْ أمازون بعض الإجراءات للحفاظ على سلامة العمال؛ حيث قدّمتْ إجازة مدفوعة الأجر تصل إلى أسبوعين لأي شخص تم تشخيص إصابته (بكوفيد-19)، وتقديم زيادة مؤقتة في الأجر لأولئك الذين استمروا في العمل في ذروة التفشي في الربيع. واتّخذتِ الشركة الإجراءات الاحترازية الأساسية، مثل: فرض الكمامات وتطهير مواقع العمل. بالنسبة لتوريز، لا تُقدّم هذه الخطوات الكثير من المواساة. يقول ماكغيليس: “ما أراه من حولي هو الكثير من الأشخاص دون الكثير من الخيارات”. انتهت فترة الحجر الصحي لتوريز منذ وقت طويل، لكنّه لا يُريد المُخَاطرة بنقل العدوى إلى زوجته أو أطفاله، وبالتالي فهو ما يزال وحيدًا في قبو البيت.

المصدر

مقالات ذات صلة