كان للتقنيات الرقمية تأثير عميق على إنتاج واستهلاك السلع والخدمات الإبداعية، بدءًا من الأرشيفات وصولًا إلى ألعاب الفيديو. كما أنها فرضت تحديات على كيفية تحليل الاقتصاديين للصناعات الإبداعية وغيرها، مع تزايد أهمية المنصات والتأثيرات الشبكية.
كيف غيّرت الرقمنة اقتصاديات الصناعات الإبداعية؟
تُعد الصناعات الإبداعية – التي تشمل الموسيقى، والأفلام، والتلفزيون، وألعاب الفيديو، والمتاحف، والهندسة المعمارية، والنشر، والتصميم، والإعلان – واحدة من قصص النجاح في الاقتصاد البريطاني.
ساهمت هذه الصناعات بمبلغ 115.9 مليار جنيه إسترليني في الاقتصاد في عام 2023 (من حيث القيمة المضافة الإجمالية) ووظّفت 2.3 مليون شخص (وفقًا لوزارة الأعمال والتجارة البريطانية).
تنمو هذه الصناعات بوتيرة أسرع وتُعتبر أكثر ابتكارًا من الاقتصاد ككل (مركز سياسات وأبحاث الصناعات الإبداعية، 2022). وهذا لا يقتصر على المملكة المتحدة فقط، حيث تروّج الأمم المتحدة أيضًا للاقتصاد الإبداعي كمصدر للنمو والابتكار على مستوى العالم (شبكة خبراء الاقتصاد بالأمم المتحدة).
ما أهمية الرقمنة في الصناعات الإبداعية؟
إحدى أهم مصادر الابتكار في الصناعات الإبداعية هي تبني التقنيات الرقمية.
بعض المنتجات – مثل الأفلام والموسيقى المسجلة وألعاب الفيديو – ""رقمية منذ ولادتها""، مما يعني أنه يمكن توزيعها دون الحاجة إلى استثمارات إضافية. في المقابل، يجب رقمنة مجموعة واسعة من العناصر الأخرى – من القطع المتحفية (مثل مقتنيات المتحف البريطاني) إلى العروض الحية (مثل ""ناشيونال ثياتر لايف"") – قبل توزيعها عبر الإنترنت، وهي عملية مكلفة.
أدى رقمنة محتويات المعارض الفنية والمتاحف إلى إمكانية المشاهدة المنزلية، كما أصبحت العروض المسرحية والأوبرالية الحية تُبث في دور السينما المحلية، وأصبح بالإمكان قراءة الكتب الرقمية أو الاستماع إليها في أي مكان تقريبًا، وأصبحت الموسيقى، القديمة والجديدة، متاحة بلمسة زر.
أدت هذه التطورات إلى بروز المنصات الرقمية في الصناعات الإبداعية، مثل ""سبوتيفاي"" للموسيقى و""نتفليكس"" للأفلام، مما غيّر بشكل جذري وسائل الوصول إلى المنتجات الإبداعية وطرق توزيعها.
كما دفعت هذه التحولات إلى تكييف طرق دراسة هذه الصناعات وتحليلها، وذلك باستخدام مفهوم ""اقتصاد المنصات"" و""تأثيرات الشبكة""، لفهم ملامح الاقتصاد الرقمي الجديد.
إحدى القضايا الأوسع نطاقًا والتي يصعب دمجها في التحليل هي أن الرقمنة خلقت اقتصادًا يعتمد على ""الوفرة الرقمية""، وهو ما يتناقض مع الاقتصاد التقليدي منذ عهد آدم سميث، الذي كان مبنيًا على التعامل مع ""الندرة النسبية"".
في الاقتصاد الرقمي، أصبحت حزم السلع ضخمة، وتضم ملايين العناوين الحديثة والقديمة، ولم تعد هذه التجميعات في يد ""الصناعة الأصلية""، بل تديرها المنصات الرقمية. وقد أدى ذلك إلى ظهور مشكلات، مثل انخفاض العائدات المدفوعة للفنانين مقابل تسجيلاتهم التي تُبث عبر الإنترنت (Towse، 2020).
كذلك، تُتاح العديد من المنتجات مجانًا للمستهلكين، حيث يفيض المبدعون والمؤدون بمحتوياتهم على الإنترنت، مما يؤدي إلى إرهاق المستهلكين بسبب الكم الهائل من السلع والمعلومات المتاحة.
لم يعد لمفهوم ""تكلفة الفرصة البديلة"" – أي الفوائد أو الأرباح التي تُفقد عند اختيار خيار معين على حساب آخر – نفس المعنى والآثار التقليدية، باستثناء تأثيره على انتباه المستهلك.
كما أثارت الرقمنة تساؤلات حول كيفية تنظيم منتجي هذه السلع غير الملموسة لضمان امتثالهم لسياسات المنافسة، بالإضافة إلى أهداف أخرى، مثل حماية الخصوصية أو القُصَّر.
ما هو اقتصاد المنصات وما هي تأثيرات الشبكة؟
تُعد منصات مثل ""سبوتيفاي"" و""نتفليكس"" موزعين للسلع التي تنتجها شركات أخرى في الغالب. وخلال قيامها بهذا الدور، تولّد هذه المنصات آثارًا جانبية تُعرف بـ""تأثيرات الشبكة""، إلى جانب جمع بيانات المستخدمين، وهو أحد المستجدات الأكثر أهمية في اقتصاد المنصات.
تشمل تأثيرات الشبكة الفوائد الإيجابية لكلٍّ من البائعين والمشترين للسلع والخدمات، وكذلك لمستخدمي الخدمات عبر الإنترنت مثل البريد الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي.
على سبيل المثال، كلما زاد عدد مستخدمي البريد الإلكتروني، استفادوا من وجود بعضهم البعض على الخدمة. أو كلما زاد عدد العملاء الذين يصل إليهم مورد عبر منصة التواصل الاجتماعي، زاد اهتمام المعلنين بالموقع. تستفيد المنصات من هذه التأثيرات، مما يسمح لها بالنمو السريع والهيمنة على الأسواق.
تشهد الصناعات الإبداعية الرقمية أيضًا عوائد متزايدة على نطاق واسع (scalability) بتكاليف هامشية شبه معدومة. في الصناعات التقليدية، ترتفع التكاليف عندما تصبح عمليات الإنتاج مُرهقة، مما يؤدي إلى زيادة الأسعار وانخفاض الطلب، وهو ما يحد من توسع حجم المؤسسات.
أما في حالة المحتوى الرقمي، فإن هذه القوى الاقتصادية التقليدية لا تعمل بنفس الطريقة، مما يسمح بظهور منصات ضخمة بشكل متزايد. وقد أوجد ذلك تحديات للمؤسسات المسؤولة عن تنظيم المنافسة، إذ تواجه صعوبة في التعامل مع هذه المنصات المهيمنة التي تنتج سلعًا غير ملموسة.
تاريخيًا، كانت الهيئات التنظيمية، مثل ""هيئة المنافسة والأسواق"" (CMA) في المملكة المتحدة، تركز على تنظيم الشركات التي تنتج سلعًا وخدمات ملموسة (OECD، 2018؛ Tirole، 2017).
ساعدت المنصات في إحداث انفجار غير مسبوق في المحتوى الجديد، سواء في الكتب أو الموسيقى أو الأفلام، وساهمت في تقليل تكاليف البحث عن منتجات جديدة ومبدعين جدد في الصناعة.
رغم أن هذا أدى إلى زيادة رفاهية المستهلك من خلال توفير خيارات أوسع وإمكانية وصول سهلة، غالبًا بالمجان، فقد غيّر أيضًا قنوات التوزيع التقليدية للمبدعين والمحترفين في المجال. كما تسبب في ""فرط الخيارات"" بالنسبة للمستهلكين، الذين أصبحوا بحاجة إلى توجيه لمساعدتهم في التنقل بين الكم الهائل من الأعمال المتاحة حديثًا.
ما هي الأسواق ثنائية ومتعددة الجوانب؟
أدت زيادة الرقمنة إلى تغييرات في التنظيم الاقتصادي داخل الصناعات الإبداعية، لا سيما فيما يتعلق بالأسواق ثنائية أو متعددة الجوانب التي تعتمد عليها المنصات الرقمية.
إحدى أقدم الأسواق ثنائية الجوانب في الصناعات الإبداعية هي البث الإذاعي والتلفزيوني التجاري، الذي يتم تمويله من خلال الإعلانات ويُقدَّم مجانًا للمستهلكين. في هذه الحالة، يكون المذيع هو المنصة. يقبل المستهلك الإعلانات (وهو تأثير سلبي) كطريقة ""لدفع"" تكلفة الوصول المجاني إلى البرامج، بينما يقوم المعلنون بشراء المساحات الإعلانية بناءً على حجم الجمهور المفترض، مما يمول الخدمة.
نموذج مشابه لهذا هو الموسيقى المتدفقة الممولة بالإعلانات، مثل الحسابات غير المتميزة على ""سبوتيفاي"". كما أن الصحف تعد منصات ثنائية الجوانب، حيث يدفع كل من المستهلكين والمعلنين بشكل منفصل مقابل المنتج.
يُعرَّف السوق متعدد الجوانب بأنه ""وسيط يسهل التفاعلات المباشرة بين مجموعات مختلفة من المستخدمين، ويُظهر تأثيرات الشبكة، سواء داخل هذه المجموعات أو عبرها"" (Bacache-Beauvallet وBourreau، 2020).
تأثيرات الشبكة في الأسواق متعددة الجوانب
تحدث تأثيرات الشبكة ""داخل المجموعة"" (المباشرة) عندما تستفيد كل جهة من زيادة عدد المستخدمين على الجهة الأخرى في السوق – كما في مثال البريد الإلكتروني المذكور سابقًا. أما تأثيرات الشبكة ""عبر المجموعات"" (غير المباشرة)، فتحدث عندما تعتمد الفوائد على انضمام مجموعات أخرى إلى المنصة. مثال على ذلك هو تطبيقات المواعدة، حيث تزيد قيمة المنصة كلما انضم إليها المزيد من المستخدمين من كلا الجنسين.
تُسهِّل المنصات أيضًا استخدام سياسات التمييز السعري. على سبيل المثال، في نوادي المواعدة، عادةً ما يكون هناك عدد أكبر من الرجال مقارنة بالنساء، لذا تُقدَّم أسعار أقل للنساء لجذب المزيد منهن، مما يعزز الفائدة للمجموعة الأخرى.
ينطبق الأمر ذاته على شركات تصنيع أجهزة ألعاب الفيديو، حيث تحتاج المنصة إلى جذب كل من مطوري الألعاب واللاعبين. لذلك، تتبنى المنصة استراتيجيات تسعير وتحفيز مختلفة للحفاظ على تفاعل جميع الأطراف، مما يسمح لها بتحقيق أقصى استفادة من المشاركين في السوق.
ما هي التأثيرات على نماذج الأعمال والتسعير؟
أصبح مصطلح ""نموذج الأعمال"" واسع الانتشار في أبحاث اقتصاديات المنصات. وفي كثير من الحالات، يُستخدم للإشارة إلى سياسات التسعير. لكن في عالم المنصات الاحتكاري القائم على عدد قليل من الشركات المهيمنة، لا تقتصر المنافسة على الأسعار فقط، بل تشمل استراتيجيات أخرى مثل تقديم التوصيات والمراجعات لجذب المستهلكين والاحتفاظ بهم.
تختلف سياسة التسعير حسب نوع المنصة. على سبيل المثال، في الأسواق ثنائية الجوانب، يمكن للمستهلكين الحصول على المنتج مجانًا، ولكن إذا أرادوا تجنب الإعلانات، فيمكنهم دفع رسوم اشتراك.
على سبيل المثال، في النرويج، من بين 88% من السكان الذين استمعوا إلى الموسيقى المتدفقة في عام 2018، كان 50% منهم مشتركين في خدمات مدفوعة (Towse, 2020). وعلى مستوى العالم، فإن 40% من مستخدمي ""سبوتيفاي"" هم مشتركون متميزون (What's the Big Data, 2024).
أصبحت الاشتراكات للوصول إلى مكتبات ضخمة من الأغاني والكتب والأفلام في المنزل من خلال خدمات البث هي القاعدة. تاريخيًا، تم استخدام نظام الاشتراك لتمويل إنتاج العديد من السلع الإبداعية مثل الخرائط والكتب والنقوش، وكذلك الخدمات الترفيهية مثل قاعات التجمعات (Jain, 2020).
كيف يتأثر سلوك المستهلك؟
أدت هذه الابتكارات إلى زيادة كبيرة في إمكانية الوصول إلى المحتوى لجمهور أوسع، سواء من الناحية العددية أو المالية.
ولكن في المقابل، أدى ذلك إلى ""التخمة المعلوماتية"" وحتى الإرباك في اختيار المستهلكين، مما أدى إلى ظهور ما يُعرف بـ ""اقتصاد الانتباه"". وقد صاغ هذا المفهوم عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل هربرت سايمون، الذي قال مقولته الشهيرة:
""وفرة المعلومات تؤدي إلى فقر في الانتباه."" (Blaug, 1998)
ظهرت عدة حلول لمشكلة التخمة المعلوماتية، تعتمد على البيانات التي يوفرها المستهلكون، سواء بوعي أو بدون وعي، للبائعين والمنصات الرقمية.
تستخدم المنصات التقييمات والمراجعات والتوصيات (بعضها حقيقي وبعضها غير موثوق) كوسيلة للاحتفاظ بالمستخدمين وتوجيههم نحو المحتوى. وتُعتبر السلع الثقافية ""سلعًا تجريبية""، حيث تحتاج إلى معرفة ثقافية مسبقة لاتخاذ قرارات الشراء.
ولكن أحد الآثار السلبية لهذه التوصيات الموجهة هو تراجع التنوع الثقافي، حيث يتم دفع المستهلكين نحو محتوى معين على حساب التنوع الإبداعي (Belleflamme and Peitz, 2020).
ما هو تأثير الرقمنة على الإبداع؟
أثّرت المنصات الرقمية، مثل يوتيوب، على الإبداع من خلال إتاحة كميات هائلة من المحتوى الرقمي ""الهاوي""، وغالبًا ما يكون مجانيًا، إلى جانب المواد المؤرشفة من الكتالوجات القديمة. في المقابل، هناك منصات مثل أوركسترا لندن السيمفونية التي تبث عروضًا احترافية فقط عبر الإنترنت.
كما أدّت هذه المنصات إلى إعادة تشكيل دور الوسطاء التقليديين (مثل الناشرين وشركات الإنتاج) من خلال قدرتها على اكتشاف المواهب الجديدة بسهولة (Bacache-Beauvallet and Bourreau, 2020).
ورغم التفاؤل الأولي بأن الإنترنت سيمكن المبدعين من تجاوز الوسطاء التقليديين وتحقيق الأرباح مباشرة، إلا أن القليل منهم نجح بالفعل في ذلك. وتشير الأدلة إلى أن المحترفين، مثل الكتّاب والصحفيين، قد عانوا من انخفاض في الدخل (Thomas et al, 2022). كما أدى بث الموسيقى إلى تقليل المدفوعات الملكية للفنانين وكتّاب الأغاني (CMA, 2022).
لذلك، يمكن القول بأن المنصات الرقمية كان لها تأثير سلبي على الإبداع والمبدعين.
الملكية الفكرية والقرصنة في عصر الرقمنة
سعى قانون حقوق النشر والتأليف إلى حماية المبدعين وتمكينهم من تحقيق دخل من أعمالهم، لكن أسعار العوائد الملكية لا تزال تُحدد وفق آليات السوق (CREATe, 2021).
وفي أوائل عصر البث الرقمي، كانت القرصنة (من خلال مواقع مثل Napster) تشكل تهديدًا خطيرًا على أرباح الصناعات الإبداعية، مثل الموسيقى والأفلام. لكن تطوير منصات قانونية مع اشتراكات للوصول إلى مكتبات ضخمة قد قلل من القرصنة، على الأقل في الدول المتقدمة. وفي الولايات المتحدة، يُقال إن الصناعات الإبداعية، مثل الموسيقى، قد عادت إلى تحقيق الأرباح (Aguilar et al, 2023).
هل أثّرت الرقمنة على عملية الإبداع نفسها؟
رغم التأثير الهائل للرقمنة على الأسواق الإبداعية، إلا أنها لم تغير جوهر العملية الإبداعية. لا يزال الإبداع يتطلب رأس مال بشريًا كبيرًا، وربما حتى أكثر من السابق.
على سبيل المثال، يتعين على المبدعين إدارة إنتاجهم وتسويق أعمالهم بأنفسهم عبر المنصات الرقمية، وهو موضوع لم يُبحث بشكل كافٍ بعد. في الوقت نفسه، توفر الصناعات الإبداعية المتوسعة، مثل ألعاب الفيديو، فرصًا جديدة للفنانين والملحنين. كما أصبحت الأفلام أكثر فخامة لجذب الجمهور إلى دور السينما.
التحديات الرقمية: الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي
تجلب الرقمنة أيضًا تهديدات كارثية للمؤسسات الثقافية والشركات. فعلى سبيل المثال، الهجوم السيبراني الأخير على المكتبة البريطانية أظهر حجم المخاطر التي يمكن أن تواجهها المؤسسات الثقافية الوطنية المهمة.
كما يبرز سؤال رئيسي حول تأثير الذكاء الاصطناعي (AI) في هذه الأسواق (World Economic Forum, 2024). يُستخدم الذكاء الاصطناعي في جميع مراحل الإنتاج الإبداعي، من تحليل البيانات للتنبؤ بالطلب إلى تقليل المخاطر المالية (Farchy and Denis, 2020).
لكن هذه التطورات أثارت مخاوف كبيرة لدى المبدعين. فقد شهد العام الماضي إضرابات كتّاب السيناريو والممثلين في هوليوود، حيث أعربوا عن قلقهم من إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة النصوص أو إعادة إنشاء العروض والأشكال الرقمية للممثلين دون موافقتهم.
كيف غيرت الرقمنة الصناعات الإبداعية؟
أدت الرقمنة إلى تحولات جذرية في كيفية عمل المبدعين وتفاعلهم مع الوسطاء، وكذلك في تسويق المنتجات الإبداعية وتسعيرها وبيعها واستهلاكها. وقد أثارت هذه التغييرات أسئلة رئيسية حول التمويل في الصناعات الإبداعية، بالإضافة إلى كيفية تنظيم الحكومات للمنصات الرقمية.
المصدر: ECO
