القائمة الرئيسية

كيف أصبحت الأزياء تجارة عالمية؟

كيف أصبحت الأزياء تجارة عالمية؟
ملخص المقال

شهدت صناعة الأزياء تحولات كبيرة على مدى العصور، حيث انتقلت من كونها حكرًا على النخب إلى صناعة عالمية أكثر ديمقراطية، مدفوعة بالثورة الصناعية وتطور وسائل الإعلام. بدأ انتشار الأزياء مع ظهور ""الهوت كوتور"" في باريس، ثم تراجعت هيمنته مع صعود الأزياء الجاهزة والمدن الجديدة مثل لندن، ميلانو، ونيويورك. أدى الطلب المتزايد إلى ظهور الموضة السريعة، التي غيرت قواعد السوق لكنها خلّفت آثارًا بيئية واجتماعية سلبية. واليوم، تواجه الصناعة تحديًا بين الاستدامة والمحافظة على إتاحة الموضة للجميع، وسط دعوات لإعادة التفكير في أنماط الإنتاج والاستهلاك.

تلعب صناعة الأزياء دورًا رئيسيًا في الاقتصاد العالمي الحديث، إذ تمتد تأثيراتها إلى مختلف شرائح المجتمع وتحقق أرباحًا هائلة. ومع ذلك، فقد مرت هذه الصناعة بمراحل متباينة عبر تطورها. فاليوم، أصبحت الأزياء أكثر ديمقراطية من أي وقت مضى، لكنها في الوقت ذاته تعاني من مشكلات استدامة عميقة. ولم يكن الأمر كذلك دائمًا.

شهدت صناعة الأزياء تحولات جذرية على مدار السنوات، حيث تطورت آليات تصميم الملابس ونشرها تزامنًا مع التغيرات في بنية المجتمع، وأساليب إنتاج الألبسة، ووسائل الإعلام.

ترتبط الأزياء ارتباطًا وثيقًا بالتاريخ، وقد تغيرت سمات هذه الصناعة تدريجيًا مع مرور الوقت. ومع نمو الاقتصاد وزيادة القدرة الاستهلاكية للسكان عالميًا، توسع تأثير الأزياء على المجتمع.

يُعتقد أن مفهوم ""الموضة"" نشأ في أوروبا في أواخر العصور الوسطى، حيث ارتبط تطوره بنمو المدن. في بداياته، كان محصورًا في الطبقات الاجتماعية الراقية، لكن ابتداءً من القرن الثامن عشر، ومع ما يُعرف بـ ""ثورة الاستهلاك""، اتسع نطاق المشاركين في عالم الأزياء ليشمل شرائح اجتماعية أوسع.

مع الثورة الصناعية، بدأت الأزياء تتحول إلى صناعة مستقلة بذاتها (Riello، 2020). ومع ذلك، فإن الموضة الحديثة كما نعرفها اليوم – القائمة على تعاقب مستمر للأشكال الجديدة وأهميتها الجمالية والاقتصادية الكبيرة – لم تتبلور إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وما نشهده اليوم انطلق أساسًا من ""الهوت كوتور"" الفرنسي، أو ما يُعرف بـ ""التصميم الراقي""، الذي يتمثل في صناعة قطع فاخرة وحصرية (Lipovetsky، 2002).

من الأزياء الراقية إلى الملابس الجاهزة

وُلد مفهوم الأزياء الراقية (Haute Couture) في باريس في منتصف القرن التاسع عشر، حيث ظهر آنذاك مصمم الأزياء المستقل، الذي ابتكر تصاميم جديدة باستمرار ووقّع إبداعاته باسمه.

كانت مجموعات الأزياء الراقية، التي كانت مخصصة للنساء فقط، تُجدد دوريًا وتُعرض في عروض الأزياء. كان العملاء يختارون التصاميم، ليتم تنفيذها يدويًا حسب المقاسات وباستخدام أفخم الخامات، مما جعلها باهظة الثمن ومحدودة الوصول لطبقة صغيرة من المجتمع. ومع ذلك، كان يتم أحيانًا بيع بعض التصاميم لإعادة إنتاجها بمواد أقل تكلفة وأسعار أكثر تناسبًا، ما أتاح انتشارها بين شرائح أوسع من الناس. وسرعان ما بدأت الصناعة في تقليد الاتجاهات التي تطلقها الأزياء الراقية، مما عزز انتشارها عالميًا.

اكتسبت الأزياء الراقية أهمية كبيرة في الاقتصاد الفرنسي خلال الفترة بين الحربين العالميتين، حيث أصبحت التصاميم الباريسية أيقونات للأناقة العالمية. وقاد هذا القطاع عدد قليل من المصممين الذين رسموا الاتجاهات الرئيسة، مثل كوكو شانيل، وجين لانفان، وبول بواريه، وإلسا سكياباريلي في العقود الأولى من القرن العشرين، ثم برزت أسماء مثل كريستوبال بالينسياغا وكريستيان ديور بعد الحرب العالمية الثانية (Jones and Pouillard, 2017).

تحول صناعة الأزياء وتراجع الهيمنة الفرنسية

بحلول الستينيات، بدأت الأزياء الراقية تفقد هيمنتها لصالح أشكال إنتاج جديدة أكثر توافقًا مع الأسواق المتغيرة. لم تعد الموضة حكرًا على الفخامة، وعلى الرغم من استمرار باريس كعاصمة للأزياء الراقية، إلا أنها أصبحت تتقاسم الصدارة مع مدن أخرى مثل لندن وميلانو ونيويورك.

بدأت كبرى دور الأزياء الفرنسية تخسر عملاءها ومداخيلها من الأنشطة التقليدية، وتحولت الأزياء الراقية تدريجيًا إلى أداة للترويج وحفظ المكانة، بينما جاءت الأرباح الأساسية من المنتجات الأقل تكلفة مثل العطور، والإكسسوارات، والملابس الجاهزة (Ready-to-Wear) (Belfanti, 2017).

صعود الأزياء الجاهزة وتعدد الأساليب

كان التغيير مدفوعًا بالتحولات الاجتماعية الكبرى في الستينيات، والتي أدت إلى دمقرطة الموضة، مع انضمام فئات جديدة إلى الاستهلاك، مثل الشباب، والرجال، والنساء العاملات، والطبقة الوسطى. لم تعد الأزياء محكومة باتجاهات سنوية تقودها نخبة محدودة من المصممين، بل ظهرت أنماط متعددة ومتنوعة.

مزجت الأزياء الجاهزة بين تصميم الأزياء والتصنيع الصناعي، حيث تم إنتاج الملابس على نطاق واسع بمقاسات موحدة، ولكن مع تصميم مدروس وجودة عالية. ظهر هذا المفهوم أولاً في فرنسا على يد مصممين مستقلين عن عالم الأزياء الراقية، ثم انضم إليهم كبار المصممين مثل إيف سان لوران.

عواصم الموضة الجديدة

في الستينيات، برزت لندن كمركز جديد للأزياء، رغم أنها كانت تقليديًا معروفة فقط بالأزياء الرجالية الفاخرة. قادتها حركة ""سوينغينغ لندن"" (Swinging London) إلى تبني أسلوب شبابي غير رسمي، مع انتشار البوتيكات حول شارع كارنابي ستريت و""كينغز رود""، وأصبحت المصممة ماري كوانت، مبتكرة التنورة القصيرة (الميني سكيرت)، أيقونة عالمية في الموضة (O’Byrne, 2009).

في نفس الوقت، تعزز دور نيويورك كمركز بديل لباريس. فخلال الستينيات والسبعينيات، ظهرت موجة جديدة من المصممين الذين أسسوا علامات تجارية قوية للملابس الصناعية، مجسدين أسلوبًا أمريكيًا جديدًا يعتمد على الأناقة العملية (Rantisi, 2006).

أما إيطاليا، فقد أصبحت القوة الأكبر في قطاع الأزياء الجاهزة، خاصة منذ السبعينيات. قاد مصممون مثل جورجيو أرماني، وفرانكو موسكينو، وجياني فيرساتشي – وجميعهم في ميلانو – نهضة ضخمة في إنتاج الأزياء الإيطالية وتصديرها عالميًا (Merlo, 2003).

قفزت قيمة صادرات الأزياء الإيطالية من 800 مليون يورو عام 1970 إلى 20 مليار يورو في 1990، مدعومة بعلامات تجارية منخفضة التكلفة مثل مجموعة بينيتون، التي وضعت استراتيجيات رائدة للإنتاج المرن وإطلاق أزياء بأسعار مناسبة، وهي الأساليب التي تبناها لاحقًا عمالقة ""الموضة السريعة"" (Fast Fashion) (Camufo et al, 2001).

انتصار الموضة السريعة

واجهت العلامات التجارية الإيطالية الفاخرة منافسة متزايدة من المجموعات الكبرى في فرنسا منذ أواخر الثمانينيات، وعلى رأسها مجموعة لويس فويتون مويت هينيسي (LVMH)، التي أسسها برنارد أرنو عام 1987 عبر استراتيجية استثمارية شرسة جمعت العديد من دور الأزياء الفاخرة المستقلة تحت مظلتها (Bonin, 2012).

رافق القوة الاقتصادية المتزايدة للعلامات التجارية الفرنسية تجديد أسلوبي كبير، بفضل جيل جديد من المصممين البارزين، وغالبًا من أصول غير فرنسية، مثل: مايكل كورس (Céline)، وجون غاليانو (Dior)، وألكسندر ماكوين (Givenchy)، ومارك جاكوبس (Louis Vuitton).

عززت هذه العلامات قدرتها التنافسية في أسواق جديدة مثل أوروبا الشرقية، ولكن بشكل خاص في آسيا، حيث ساهمت اليابان في 36% من مبيعات قسم ""الأزياء والسلع الجلدية"" لـ LVMH بين عامي 1996 و2001. ومع تراجع هذا الاتجاه في أوائل الألفية، توسعت المجموعة نحو الصين، حيث بلغت حصتها من السوق الصينية 31% بحلول عام 2012 (Donzé and Fujioka, 2015).

صعود العلامات التجارية الأمريكية والموضة الجاهزة

في التسعينيات، برزت نيويورك كمركز رئيسي للأزياء العالمية، وأصبحت عروضها جزءًا لا يتجزأ من الأجندة الدولية. أسس مصممون مثل جيفري بين، وبيل بلاس، وروي هالستون نمطًا أمريكيًا رياضيًا وغير رسمي، طوّره لاحقًا تومي هيلفيغر، وكالفن كلاين، ورالف لورين (Belfanti, 2017).

هيمنت الشركات الأمريكية الكبرى على الأزياء الجاهزة بجميع فئاتها السعرية، حيث اعتمدت استراتيجيات تسويقية مكثفة، لكنها أولت اهتمامًا أقل للإبداع أو جودة التصنيع. وغالبًا ما لم تكن هذه الشركات تصنع الملابس بنفسها، بل كانت تكتفي بتصميم المنتجات وتسويقها، بينما كانت عمليات الإنتاج تُنفذ من خلال موردين خارجيين، غالبًا في دول منخفضة التكاليف.

ثورة الموضة السريعة (Fast Fashion)

أدى التنافس المتزايد منذ التسعينيات إلى ظهور الموضة السريعة، حيث يتم إنتاج ملابس منخفضة التكلفة بكميات كبيرة، تُستوحى من أحدث الاتجاهات وتُطرح في الأسواق بسرعة قياسية. لا تعتمد هذه الشركات على المواسم التقليدية بل تُنتج تصاميم جديدة على مدار العام، مما أدى إلى دورات إنتاج قصيرة للغاية.

نجاح الموضة السريعة جاء نتيجة لعوامل عدة:

  1. تحول الطلب: توسعت الموضة لتشمل جميع الفئات الاجتماعية، ولم تعد مقتصرة على النخبة الثرية.

  2. استجابة السوق: عملت بعض شركات الملابس على تسريع الإنتاج والتكيف مع الطلب بسرعة، مدعومة بالابتكارات التنظيمية والتكنولوجية، مثل استخدام البيانات الفورية من المتاجر لتحديد المنتجات الأكثر مبيعًا.

تبنّت شركات الموضة السريعة استراتيجية إنتاج سريع وفعال، حيث يتم طلب الملابس غير المكتملة ثم تعديلها (مثل صبغها أو إضافة الزخارف) قبل طرحها مباشرة في السوق. أدت هذه المرونة إلى تقليص الفجوة الزمنية بين عروض الأزياء الفاخرة وإطلاق المنتجات في المتاجر.

الصعود الكبير للموضة السريعة وتأثيرها

خلال العقدين الماضيين، أصبحت الموضة السريعة القوة المهيمنة في سوق الملابس والإكسسوارات، مما أدى إلى صعود شركات عملاقة مثل:

  • إنديتكس (Inditex) الإسبانية، الشركة الأم لـ زارا (Zara).

  • إتش آند إم (H&M) السويدية (Miranda and Roldán, 2021).

الوجه القاتم للموضة السريعة

رغم مساهمتها في دمقرطة الموضة، فقد تضاعف الاستهلاك والإنتاج بشكل غير مسبوق، مما أدى إلى تفاقم الأثر البيئي السلبي لصناعة الملابس. فقد أدت:

  • زيادة الإنتاج والاستهلاك إلى استنزاف الموارد الطبيعية.

  • سرعة الاستهلاك والتخلص السريع من الملابس إلى ارتفاع معدلات التلوث وتكدس النفايات.

  • الاعتماد على العمالة الرخيصة في الدول النامية إلى تفاقم الاستغلال العمالي.

ظهور ""الموضة فائقة السرعة"" (Ultra-Fast Fashion)

زاد الوضع سوءًا مع ظهور ""الموضة فائقة السرعة"" التي تقودها شركة شي إن (Shein) الصينية، والتي تعتمد نموذجًا رقميًا بالكامل، مما سمح لها بتقليص دورة الإنتاج إلى بضعة أيام فقط، وإطلاق كميات ضخمة من الملابس منخفضة الجودة وبأسعار زهيدة، مما عزز ثقافة الاستهلاك السريع والتخلص الفوري.

نحو نموذج أكثر استدامة؟

تزايدت الضغوط التنظيمية في أوروبا للحد من التأثير السلبي لهذه الصناعة، مع دعوات لتقليل الإنتاج وإطالة عمر المنتجات. ومع ذلك، يظل التساؤل مطروحًا:

هل سيؤدي ذلك إلى التراجع عن دمقرطة الموضة والعودة إلى عصر كانت فيه الملابس الراقية مقتصرة على النخب؟
وهل سيكون المستهلكون مستعدين لقبول مثل هذا التغيير؟

حتى الآن، كانت قصة الموضة رحلة نحو الانتشار الواسع على حساب البيئة وحقوق العمال. ولكن تغيير المسار لن يكون سهلًا.


المصدر: ECO

مقالات ذات صلة