اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP) تُعد منارة لمستقبل التعددية، بقيادة قوى إقليمية متوسطة مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان).
وهي تؤكد أهمية التعاون الإقليمي في عالم متزايد الترابط والتعقيد.
في ظل تزايد النزعة الحمائية وإجراءات التجارة الانتقامية في مختلف أنحاء العالم، يبدو مستقبل التعددية غير واضح، بل ربما مقلقاً. وقد تعرض الرأي الأكاديمي الذي كان راسخاً بأن التجارة والعولمة لهما تأثير إيجابي على جميع الأطراف إلى تحدٍ كبير في السنوات الأخيرة، ما أدى إلى انتشار روايات تتحدث عن نهاية العولمة كما نعرفها، والتحول نحو أهداف سياسات تجارية تعطي الأولوية للأمن الاقتصادي والحمائية.
أدت التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين إلى مضاعفة الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على السلع الصينية إلى 20%؛ وردّت الصين بفرض تعريفات بنسبة 15% على السلع الأمريكية. كما أعلنت الولايات المتحدة جولة من التعريفات على الدول المجاورة مثل المكسيك وكندا، تضمنت 25% على الواردات من البلدين، و25% على جميع واردات الصلب والألمنيوم. ونتيجة لذلك، فرضت كندا والاتحاد الأوروبي تعريفات جمركية انتقامية على الصلب والألمنيوم الأمريكي. ومن المتوقع صدور إجراءات تجارية أكثر ضرراً من الدول المتأثرة.
خلال العقد الماضي، تراجعت الولايات المتحدة عن الاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف مثل اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP)، والعديد من المعاهدات والمؤسسات الاقتصادية متعددة الأطراف الأخرى. رغم أنها بادرت أو سهلت بعض المبادرات مثل IPEF وAUKUS، إلا أن هذه تُعتبر في بعض الأحيان تحالفات سياسية وليست خطوات نحو اتفاقية تجارية تقليدية.
ما هي اتفاقية (RCEP) وماذا تحقق؟
اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP) هي أكبر اتفاقية تجارة حرة في العالم، تجمع بين 15 اقتصادًا، منها الصين واليابان وكوريا الجنوبية وأعضاء رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان). وهي تبرز كمنارة أمل لمستقبل التعددية. بقيادة قوى إقليمية متوسطة مثل (آسيان)، التي تدعو إلى سياسات مبنية على الإجماع وعدم التدخل، يمكن لـ(RCEP) أن تعيد تعريف إطار تحرير التجارة، وتبعث على التفاؤل وسط تزايد الحمائية.
يصادف هذا العام العام الثالث منذ تطبيق الاتفاقية، حيث ازدادت التجارة بين دول (آسيان) بأكثر من 7% في عام 2024 بعد انخفاضها في 2023. كما شهدت التجارة الإقليمية بشكل عام تعزيزًا. بهذا المسار، يمكن لـ(RCEP) رفع 27 مليون شخص إضافي إلى الطبقة الوسطى بحلول عام 2035، ومن المتوقع أن يزداد تأثيرها تدريجيًا خلال الأعوام الـ10 إلى 15 القادمة، حتى تصبح 90% من السلع ضمن الاتفاقية خالية من التعريفات الجمركية. ومن المتوقع أن تدعم تبادل المواهب والمعرفة ورؤوس الأموال عبر الحدود بين آسيا النامية والمتقدمة، مما يوفر أملًا بتحسين العلاقات العالمية.
بينما يشعر الأوروبيون بالقلق من الارتفاع المفاجئ في التعريفات الأمريكية، يبقى مصدر القلق الأكبر لدى القوى الغربية هو صعود الصين وهيمنتها على سلاسل التوريد العالمية وتوسعها البحري وزيادة حزمها في الشؤون الدولية.
برزت استراتيجية ""الصين+1""، التي اعتمدتها دول مثل اليابان وأستراليا، كنهج رئيسي لتنويع سلاسل التوريد العالمية وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع فيتنام وماليزيا؛ وتسعى أستراليا بشكل نشط لتقليل اعتمادها التجاري على الصين، والتوجه نحو (آسيان). هذه الاستراتيجية تعكس اتجاهًا أوسع للدول الهادفة لتخفيف المخاطر المرتبطة بالاعتماد على سوق واحدة، لا سيما في ظل التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل التوريد.
لماذا تُعتبر (RCEP) مهمة في المناخ السياسي الحالي؟
تشكل (RCEP) أساسًا للتكامل الاقتصادي في منطقة شرق آسيا، وتجمع بين دول بأنظمة سياسية متنوعة – من إندونيسيا إلى كمبوديا. هذا التنوع يؤكد قوتها كمنصة للتعاون رغم الاختلافات السياسية. كما أثبتت (RCEP) قدرتها على توسيع نفوذها خارج المنطقة، مع تقديم دول مثل تشيلي وسريلانكا طلبات للانضمام.
هذا التوسع يعزز دور (RCEP) كقوة استقرار في مواجهة تصاعد الحمائية، ويبرز أهمية التجارة بين دول المنطقة التي نمت بشكل كبير تحت الاتفاقية. وبينما لا تحقق (RCEP) معايير التحرير التجاري العالية التي تتمتع بها اتفاقيات مثل CPTPP أو USMCA، إلا أنها تمثل نهجًا عمليًا ومرنًا للتعددية في عصر عدم اليقين العالمي.
باعتبارها أكبر اقتصاد في التكتل، ترى الصين في (RCEP) وسيلة لتعزيز نفوذها الاقتصادي في المنطقة، والترويج لرؤيتها لنظام عالمي متعدد الأقطاب. ولكن لتعزيز قابلية تطبيق (RCEP)، وجعلها نموذجًا تجاريًا يُحتذى به، يجب على القوى الإقليمية المتوسطة مثل (آسيان) أن تقود بدلًا من القوى الكبرى – نظرًا للتوترات بين الصين والولايات المتحدة والتشكيك المستمر تجاه العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف، والمدعوم بالنزعة القومية والشعبوية.
تعتبر رابطة (آسيان)، بنهجها القائم على الإجماع، قوة محورية في تعزيز الحوار والتعاون بين الدول الأعضاء. ورغم أن هذا النموذج قد يبطئ العمل الجماعي، إلا أنه يمكّن الدول ذات الأنظمة السياسية والقيم المختلفة من المشاركة في مبادرات مشتركة. كما أن استخدام الدبلوماسية غير الرسمية، مثل الاجتماعات الثنائية المغلقة، يسهل حل النزاعات دون اللجوء للآليات القانونية الرسمية. إن (RCEP) و(آسيان) تؤكدان على قيمة التعاون بدلًا من المواجهة.
في عصر تتحدى فيه النزعة القومية والتيارات السياسية مبادئ التجارة الحرة، تقدم (RCEP) نموذجًا مستقبليًا للتعاون الإقليمي. وتؤكد أهمية القوى الإقليمية المتوسطة في تشكيل المرحلة القادمة من العولمة، وتحقيق التوازن بين التكامل الاقتصادي والتنوع السياسي.
تقدم (RCEP) إطارًا عمليًا للتعاون الإقليمي. وهي دليل على مرونة التعددية، ونهج استشرافي يمكنه توحيد الدول خلف أطر تعود بالفائدة على جميع الأطراف، حتى في عالم مجزأ.
