القائمة الرئيسية

اختبار المرآة لم يعد فعَّالاً!

اختبار المرآة لم يعد فعَّالاً!
ملخص المقال

يتحدث المقال عن تجربة عالم الأحياء التطوري أليكس جوردان حول اختبار الوعي الذاتي لدى الأسماك، حيث وضع مرايا في البحر لدراسة تفاعل أسماك اللبروس مع انعكاساتها، ولاحظ سلوكيات غريبة تشير إلى احتمال إدراكها لذاتها. يناقش المقال تاريخ ""اختبار المرآة"" الذي وضعه جوردون جالوب عام 1970 كمعيار للوعي الذاتي، والذي اجتازته قردة الشمبانزي ولكن فشلت فيه معظم الحيوانات الأخرى. يسلط المقال الضوء على الجدل بين الباحثين حول مدى دقة هذا الاختبار، حيث يرى جوردون أنه مقتصر على قردة الشمبانزي والأورانجوتان والبشر، بينما يحاول أليكس وزملاؤه إثبات أن أنواعًا أخرى، بما فيها الأسماك، قد تمتلك أشكالًا مختلفة من الإدراك الذاتي، مما يدعو إلى إعادة النظر في معايير قياس الوعي الحيواني.

بقلم: بن كرير

الصيف الماضي، اتصل بي أليكس جوردان بعد عودته مباشرة من الغوص بالقرب من ساحل كورسيكا، ليقول لي: “لقد وضعنا مرايَا في البحر، وكان من الصعب وضعها كالعادة”. بمساعدة طلابه، وضع المرايَا بين الأعشاب البحرية الخضراء المتعرجة لمرجٍ متواجد تحت سطح الماء، حيث يعيش ويتكاثر مجتمع متنوّع من الأسماك. وأخبرني أنّ أسماك الشّعري (Shier) غالبًا ما تتجنَّب انعكاسها، لكن الأسماك الأكثر عدوانية تندفع لتهاجم ما تعتبره منافسًا لها في المرآة. وفي بعض الأحيان، يؤدي اصطدام رأسهم بالمرآة إلى كسر الزجاج.

وضع أليكس المرايَا لسمك الكيدميات (wrasses) بشكلٍ خاص، التي هي واحدة من أكبر عائلات الأسماك البحرية. ومن المؤكد أن سمك الحبورة (rainbow wrasse)، سيكون لديه سبب للإعجاب بجسمه الشريطي ذو الخطوط الخضراء والبرتقالية، والذي هو نوع أليكس المفضّل من أسماك البحر الأبيض المتوسط. ولكن عندما بدأ أليكس وطلابه التجربة، أظهر نوع صغير وباهت يسمَّى اللبروس ذي الذيل الأسود (black-tailed wrasse) السلوك الأكثر فضولاً. حيث أرخت هذه الأسماك زعانفها ودارت بشكلٍ متكرر حول محورها المركزي أمام المرآة. وقال أليكس: “يبدو أنهم يقومون بشقلبةٍ خلفية، وهو الشيء الأكثر غرابة الذي يمكن أن يفعلوه”. 

قام أليكس -عالِم الأحياء التطوري في معهد ماكس بلانك لسلوك الحيوان- بعملٍ ميداني واسع النطاق تحت الماء في بحيرة تنجانيقا في وسط أفريقيا والحيد المرجاني العظيم. ومع ذلك، لم يسبق له قطّ -خلال حياته المهنية التي دامت عقدًا من الزمن- أن لاحظ سمكة بريَّة تتحرك مثل اللبروس ذات الذيل الأسود. منذ المرة الأولى التي أراه فيها أحد طلابه مقطع فيديو لسلوكها. عام 2019، اشتبه أليكس في أنّ الأسماك كانت تتحقّق مما إذا كانت حركات صورتها المعكوسة تتوافق مع حركاتها الخاصة، وربما تمكَّنت من التعرّف على نفسها.

سيحتاج أليكس إلى جمع البيانات لعدة أشهر قبل استخلاص أيّ استنتاجات قاطعة، في حال كانت أسماك اللبروس ذي الذيل الأسود تظهر بالفعل علامات التعرّف على الذات وليس فقط في خزّان المختبر، لأنّ دراسة عقول الحيوانات أثناء السباحة بحريَّة في بيئتها ستأخذ منعطفًا غير متوقع.

من المفترض أن يكون الوعي الذاتي واحد من أندر القدرات العقلية التي يصعب اكتشافها. أن يصبح الشخص موضوعًا لاهتمامه الخاص يسمح بتحويل خبرته المباشرة إلى استنتاجاتٍ حول الآخرين وإلى خططٍ للمستقبل، وربما حتى ترقّب الموت. ولكن كيف يمكننا النظر إلى عقل حيوانٍ ما لتحديد ما إذا كان لديه شعور بكيانه الخاص؟

عام 1970 كشف عالِم النفس جوردون جي جالوب جونيور عن اختبارٍ بسيط: وضع مرايَا في أقفاص قردة الشمبانزي الأسيرة، وشاهد ردة فعلهم. في البداية قاموا بإيماءاتٍ وألفاظ تهديدية، كما لو كانوا يرون أقرانهم اجتماعيًا. بعد عدة أيام، بدأ البعض في استخدام المرآة لتفحصّ الأجزاء من أجسادهم الذين لا يستطيعون رؤيتها عادةً، مثل مؤخراتهم وأسنانهم. ولأخذ التجربة للمرحلة التالية، خدَّر جوردون قردة الشمبانزي ليضع بقعًا على آذانهم وحواجبهم بصبغةٍ حمراء. عند استيقاظ القردة ونظرهم للبقع باستخدام المرآة، الذي أطلق عليه جوردون: “أوّل عرض تجريبي لمفهوم الذات في نوعٍ غير إنسانيّ”، حيث سيكتب لاحقًا أنّ الحيوانات بدون تلك الصفة غير قادرين على تجربة العديد من الحالات العقلية التي تربطنا كبشر، مثل: “الامتنان، والحقد، والشفقة، والتعاطف، والإسناد، والخداع المُتعمد، والحزن”. 

أصبح اختبار جوردون لـ “اختبار المرآة” منذ ذلك الحين معيارًا في دراسات الإدراك. حيث تُمنح الحيوانات التي تستطيع اجتياز الاختبار في بعض الأحيان مكانة أخلاقية خاصة. على سبيل المثال، في العام الماضي، نظرت محكمة فيدرالية فيما إذا كانت أنثى الفيل في حديقة حيوانات برونكس المُدعاة “سعيدة” (Happy)، والتي يبدو أنها تعرَّفت على صورتها، مستحقة للشخصية القانونية. في موجز المحكمة، وصفت الفيلسوفة مارثا نوسباوم نتيجة اختبار المرآة الذي خضعت له “سعيدة” كدليل على أنّ أنثى الفيل “كان لديها بالفعل تصوّر عن الذات”. ولكن عدد قليل جدًا من الحيوانات تمكَّنت من تحقيق هذا الإنجاز. في نصف القرن الماضي، حاول العلماء – وفشلوا بشكلٍ عام – إثبات التعرّف على الذات عند القردة، والدلافين، والفيلة، والكلاب، والببغاوات، والخيول، وأسماك شيطان البحر، والحَمَام، ودِببة الباندا، والعديد من الأنواع الأخرى. في الأشهر القليلة الماضية وحدها، أشارت الأعمال المنشورة حديثًا إلى أنّ الغربان، وطائر العقعق لازورديّ الجناح، ودبابير الورق الشائعة تنتمي إلى القائمة المتزايدة باستمرارٍ مِمَن فشلوا في اختبار المرآة. 

مع ذلك، بالنسبة لعلماء الأحياء التطورية مثل أليكس -وكما هو الحال بالنسبة لأيّ عالِم آخر لديه اهتمام واسع النطاق بالحياة الداخلية للحيوانات- يمكن أن يبدو اختبار المرآة كحاجز أكثر من كونه بوابة للعقل، مع وقوف جوردون جالوب بجانبه ليحرسه. هل اجتازت الدلافين الاختبار؟ يعتقد بعض الباحثين ذلك، لكن جوردون يعتبر النتائج التي توصّلوا إليها “انطباعية للغاية”. تظهر الأحصنة أيضًا علامات محدودة للتعرّف على الذات وفقًا لإحدى الدراسات، لكن جوردون يقول إنّ العمل كان “بدائيًّا”. يبدو أيضًا أنّ طائر العقعق قد تمكّن من اجتياز الاختبار في بحثٍ صدر عام 2008، لكن كما قد تتخيّل كان لجوردون رأي مختلف. واقترح أن الطيور ربما استطاعت أن تشعر بالعلامات على ريشها، وهو الأمر الذي “يجعل نتيجة الاختبار باطلة”. وحتى أنثى الفيل “سعيدة” كانت مجرد “حالة منعزلة” عن نوعها، حسبما صرَّح جوردون للصحفي لورانس رايت في العام الماضي، إذ قال: “هناك ثلاثة أنواع فقط من المخلوقات الحيَّة التي لدينا أدلة مقنعة وقابلة للتكرار حول قدرتها على التعرّف على ذاتها في المرآة: قردة الشمبانزي، قردة الأورانجوتان، والبشر”.

لقد قام أليكس وزملاؤه بجمع الأدلة لإثبات مدى خطأ ذلك. بدأ عملهم بشكلٍ جديّ عام 2012، عندما بدأوا بدراسة ما يحدث عندما يرى نوع استوائيّ من السمك المسمَّى اللبروس المنظفة ذات الخط الأزرق (bluestreak cleaner wrasse) نفسه في المرآة. تصرّفت الأسماك في البداية كما لو كانت انعكاساتها كـ أقران لها اجتماعيًا، ولكن بعد بضعة أيام قامت بحركاتٍ غريبة مثل السباحة رأسًا على عقب. عندما قام أليكس وزملاؤه بحقن بقعةٍ بنيّة من الصبغة في رقبة اللبروس، بدا أن السمكة لاحظت ذلك ثمّ قامت بخدشها في الرمال. ومن وجهة نظر أليكس، كانت العواقب واضحة: إذ يتعيّن على المجتمع العلمي إمَّا أن يوافق على إدخال سمكة شعاعية الزعانف -يصل وزن دماغها إلى نصف رقاقة (كورن فليكس)- في نادي جوردون للأذكياء، أو إعادة التفكير في معنى اختبار المرآة.

وقال أليكس: “على مدى 50 عامًا، ولأيّ سبب كان، كان الناس يُومِئون برؤوسهم ويقولون: نعم، هذا هو اختبار الوعي الذاتي دون أيّ معارضة، ولكن عندما نجحت سمكة باجتيازه، أصبحت نتائج الاختبار فجأة عديمة الفائدة”. عندما قدَّم أليكس وزملاؤه نتائجهم لمراجعة النظراء مجهوليّ الهويَّة، تلقوا تعليقات قاسية: “بدأ الناس يخبروننا بأننا نجري الأبحاث العلمية بشكلٍ سيء، وأننا لا نفهم نظام دراستنا”. في النهاية، تمّ نشر العمل عام 2019 في مجلة (PLOS Biology) مع ملاحظة من المحرِّر تفيد أنه قد “تلقَّى مراجعات إيجابية وسلبية من قبل الخبراء”. سَخر منَّا جوردون بشكلٍ خاص، حيث كتب في ردٍّ غير منشور على الدراسة في ذلك الوقت: “لا يوجد شيء في هذه الورقة يُظهر أنّ أسماك اللبروس المنظفة قادرة على إدراك أنّ سلوكها هو مصدر السلوك الذي تمّ تصويره في المرآة”، متهمًا أليكس وزملاؤه بافتقارهم لمعرفة “طلاب السنة الثانية في صفّ علم النفس التجريبي”.

أخبرني أليكس، الذي تدرَّب ليصبح محترفًا في الفنون القتالية قبل تطرّقه إلى عِلم الأحياء التطوري، أنه سعيد بالرد الذي تلقاه: “لقد عبثوا مع الرجل الخطأ، لأنني أحبُّ هذه المعركة”. منذ البداية، كان يأمل أن يؤدي بحثه عن اللبروس المنظفة إلى إثراء التقدير العام لذكاء الأسماك. لقد شعر الآن أن هناك دروسًا أخرى يجب تعلّمها – ونقاطًا أخرى يجب تسجيلها. ومن خلال وضع مرايَا في مرج الأعشاب البحريَّة لإجراء تجاربه الجديدة، يأمل أن يرى كيف تتفاعل أسماك اللبروس البريَّة، التي تعيش في ظروف طبيعية، مع انعكاساتها الخاصة. وربما يمكن لبحثه أيضًا أن يُري العلم بشكلٍ عام انعكاسه في المرآة. حيث أوضح أنّ عمله مع اللبروس فتح نافذة “ليس فقط للنظر إلى عقول الأسماك، ولكن أيضًا للنظر إلى عقولنا كعلماء”.

نشأ أليكس في سيدني، أستراليا، وملأ غرفة نومه بأحواض الأسماك. في المدرسة الثانوية، كان يفوز بجوائز من جمعية نيو ساوث ويلز لأسماك السيكلد (New South Wales Cichlid Society)، لنجاحه في جعل أسماكه تتكاثر حيث قال: “كنت أفشل في المدرسة لأنني كنت أعود إلى المنزل مبكرًا لتربية أسماكي وجعلها تتكاثر”. “إنّ متطلبات إنشاء البيئات – ليس فقط البيئات المادية، ولكن البيئات الاجتماعية أيضًا، التي سيكونون فيها سعداء ومستعدين للتكاثر، جعلتني أفكّر في سلوكهم”.

خلال معظم القرن العشرين، تعامل العلماء مع السلوك الحيواني من الاتجاه المعاكس تمامًا:  حيث رأوا أن البيئات الطبيعية لموضوعاتهم هي مصدر إلهاء يجب السيطرة عليه أو التخلّص منه في مختبراتٍ مُعقمة. أبقى جوردون القردة وقردة الشمبانزي بمفردها في أقفاصٍ فارغة لمدة يومين قبل أن يعرض عليهم المرايَا حتى لا تتأثّر استجاباتها بالعوامل الخارجية. “كان هناك ميل لدى علماء النفس المختبريين التقليديين لقول أشياء مثل: “هل يستطيعون التعرّف على ذواتهم في المرآة؟”، وعدم النظر إلى البريَّة والسؤال: “لماذا قد يحتاجون إلى ذلك؟”، ما أخبرني به روبرت سيفارث، عالِم الرئيسيات الذي ركّزت أبحاثه على قردة البابون. 

عندما التحق جوردون بكلية الدراسات العليا في العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين – بعد أن توقف عن التركيز التام على لعب التايكوندو – ركّز على نفس الموضوع الذي أثار اهتمامه، الأسماك. بحث عمله المبكر في كيفية قيام ذكور أسماك السيكلد (cichlids)، وأسماك الجوبي (guppies)، وأسماك الدامسل (damselfish) بتعديل استراتيجيات التزاوج والسلوك الاجتماعي اعتمادًا على وفرة المنافسين الجنسيين والأزواج المحتملين. وكان علماء أحياء آخرون يبذلون جهودًا مماثلة لفهم عقول الحيوانات من خلال سلوكياتهم الاجتماعية الطبيعية – حيث كانوا يكتشفون تطورًا إدراكيًا غير متوقع لديهم.

لقد اعتقد العلماء منذ فترة طويلة، على سبيل المثال، أنّ الطيور كانت أقلّ ذكاءً من الثدييات لأن أدمغتها كانت ذات بُنية مختلفة. على وجه الخصوص، قيل إن الطيور تفتقر إلى المهارات المعرفية العليا مثل: “نظرية العقل”، ومن ثمّ لم تكن قادرة على نسب الحالات العقلية للآخرين. لكن في التسعينيات، بدأ عالِم الحيوانات نيكولا كلايتون في دراسة كيفية إخفاء طيور الغرابيات (corvid)، مثل: الغربان وطيور القيق، طعامها عن الطيور الأخرى. ويبدو أنّ طيور القيق التي عملت معها تعتمد على تجاربها الخاصة للتنبؤ بسلوك منافسيها، وفهم التفضيلات الغذائية لأزواجها، وتذكّر تصرفات محددة من الماضي، والتخطيط بعنايةٍ للمستقبل. وقد ادّعى جوردون أن هذه السلوكيات، ونظرية العقل بشكلٍ عام، لا يمكن أن توجد في غياب التعرّف على الذات في المرآة، ومع ذلك فقد فشلت طيور القيق باستمرارٍ في اختبار المرآة. قالت لي نيكولا: “قد يكون الوعي الذاتي متعدد الأوجه، لمجرد أنك لا تمتلك جانبًا واحدًا من الجوانب التي تكونه، لا يعني أنك لا تمتلك كل الجوانب الأخرى أيضًا”. 

عادةً ما ينسب إلى الأسماك ذكاء أقلّ من الطيور. أخبرني أليكس أنه يريد تحدي هذا الافتراض. وباعتباره باحثًا في مرحلة ما بعد الدكتوراة، وجد أنّ أسماك السيكلد الاجتماعية من بحيرة تنجانيقا أَولَت اهتمامًا أكبر لصور أسماك السيكلد الأخرى ذات أنماط الوجه غير المألوفة، ما يشير إلى أنها كانت قادرة على التعرّف على بعضها البعض بشكلٍ فردي. وفي دراسةٍ أخرى، أظهر أن ذكور أسماك السيكلد يمكنهم استنتاج مكانة وهيمنة الغرباء من خلال مراقبة تفاعلاتهم مع أقرانهم المألوفين. كتب أليكس ومعلّمه ماسانوري كوهدا عام 2015: “نقترح أنّ القدرات المعرفية المُتقدمة قد تكون منتشرة على نطاقٍ واسع بين الأسماك الاجتماعية للغاية، ولكن لم يتم اكتشافها من قبل”.

لقد أصبح من الواضح أن العديد من الأنواع التي لا تنتمي للثدييات – بما في ذلك طيور القيق ذات الألوان الزاهية والأسماك الصغيرة من أفريقيا الوسطى – كانت قادرة على التفكير الإدراكي المعقد. كان الباحثون مثل نيكولا وأليكس يطرقون باب نادي جوردون الحصري، لكنهم ما زالوا يفتقدون إلى مؤهلٍ واحد: الحيوانات التي درسوها لم تنجح في اجتياز اختبار المرآة بشكلٍ مقنع.

اعتقد أليكس وماسانوري أنّ أسماك السيكلد قد تفعل ذلك، لكن عندما حقنوا الصبغة في رقبة الأسماك، لم يحدث أيّ شيء. حيث تفاعلت أسماك السيكلد مع صورتها في المرآة كما لو كانت حيوانًا آخر في البداية ثمّ تجاهلتها. قال لي أليكس: “على المستوى العاطفي، كان من الرائع لو استطاع نوعي المفضل من الانضمام لهذا النادي، لكنّه لم يستطع فعل ذلك”. 

ومع ذلك، فقد تساءل عمَّا إذا كان هذا الفشل في اختبار المرآة يظهر بالفعل عدم قدرتهم على الوعي الذاتي. ربما كان الأمر هو افتقارهم إلى الحافز: قال: “إنّ أسماك السيكلد ليست مهتمة بشكلٍ خاص بالتفاصيل الدقيقة للمظهر، إنهم لا يتفقدون الأسماك الأخرى عن كثب ولا يهتمون بالعلامات الغريبة على جلد الأسماك الأخرى”. لذا كان يعتقد أنّ نوعًا ما مختلفًا من الأسماك قد يكون أكثر ميلاً إلى الاهتمام بذلك.

إنّ اللبروس المنظفة – التي سُمّيت بهذا الاسم بسبب تنظيفها لنفسها (وأكلها) الطفيليات الموجودة على الأسماك الأخرى – تهتم بطبيعتها بشدة بالعلامات غير الاعتيادية على الجلد. هُم أيضًا أذكياء للغاية. لأكثر من 20 عامًا، عمل عالِم أحياء سويسري يدعى رضوان بشاري على إظهار الوعي الاجتماعي والذكاء لدى أسماك اللبروس المنظفة ذات الخط الأزرق من خلال دراسة علاقاتها مع العديد من “العملاء” الذين يزورون محطاتهم على الشِعاب المرجانية لإزالة الطفيليات. تساءل أليكس: “هل ستستجيب اللبروس المنظفة للمرايَا بشكلٍ مختلف عن استجابة السيكلد؟”. 

في الواقع سوف يفعلون ذلك. وكتب ماسانوري وأليكس في كشفهما لعام 2019 أنّ “النتائج التي نقدّمها هنا ستؤدي بطبيعتها إلى الجدل والنزاع”. ولكن أوقفوا أنفسهم عن القول بأن أسماك اللبروس المنظفة ذات الخط الأزرق كانت واعية لذاتها. وكتبوا أنّ أسماك اللبروس ربما تعلَّمت إدراك حركات الانعكاس على أنها امتدادات لأجسادها دون الاستفادة من مفهوم الذات أو نظرية العقل. “يشير هذا الغموض إلى أنّ اختبار المرآة يحتاج إلى إعادة تقييم عاجلة”. 

من العدل أن نقول إن هذه التصرفات الغريبة استنفذت جوردون جالوب. حيث قال لي في مكالمةٍ هاتفية إنّ علماء الأحياء يحاولون فقط الحصول على مكانةٍ خاصة لحيواناتهم المفضّلة “إذا قرأت كل هذه الدراسات بعناية، فسوف ترى أنها مبنية على أفكارٍ مُسبقة بجانب الحدس، لا على أدلةٍ تجريبية”. يظل جوردون، الذي تمّ الاستشهاد بأوراقه البحثية عشرات الآلاف من المرات على مرّ السنين ثابتًا على اعتقاده بأنّ الوعي الذاتي تطور مرّة واحدة فقط، في الجد المشترك للقردة العليا (يقول إنّ الغوريلا، التي لم تجتاز الاختبار بشكلٍ مقنع، فقدت القدرة بسبب المزيد من التطور).

عالِم الرئيسيات فرانس دي وال، ومؤلف كتاب: “سياسة الشمبانزي” (Chimpanzee Politics)، بجانب العديد من الكتب المشهورة الأخرى، وأحد العلماء الذين أجروا اختبار المرآة على أنثى الفيل “سعيدة”، أشار إلى فكرة جوردون على أنّها “نظرية الانفجار العظيم” لوعي الحيوانات بذاتها، حيث تظهر السِمة بشكلٍ كامل في عددٍ قليل من الأنواع وتغيب تمامًا في بقية الأنواع. وفي ردٍّ منشور على دراسة أليكس حول اللبروس المنظفة، طرح فرانس فكرة بديلة: “ماذا لو تطور الوعي الذاتي مثل البصلة؛ ليبني طبقة فوق طبقة، بدلاً من ظهوره في دفعةٍ واحدة؟”. 

ومع ذلك، كان لدى فرانس شكوكه الخاصة بشأن اللبروس المنظفة ذات الخط الأزرق. ولعلَّ رؤية الصورة المرئية لسمكة أخرى منقوطة الرقبة في المرآة، عندما تقترن بالإحساس الجسدي بأنهم قد تمّ حقنهم بالصبغة بأنفسهم، كانت كافية لجعلهم يخدشون رقابهم في الرمال. بعبارةٍ أخرى، ربما لم يكن لدى اللبروس مفهوم ذاتي شامل مثل مفهوم الشمبانزي. وكتب فرانس: “الاستنتاج الذي توصلت إليه هو أنّ هذه الأسماك تبدو وكأنها تعمل على مستوى القردة، وليس القردة العليا”.

ومع ذلك، قضى رضوان مئات الساعات تحت الماء مع اللبروس المنظفة، ولم يسبق له قط أن رأى أحدها يسبح رأسًا على عقب أو يخدش رقبته بصخرةٍ أو في الرمال. قال لي: “كان من الواضح أنّ هذا السلوك الاستكشافي كان مرتبطًا بالفعل بالتعرّف على الذات في المرآة”. ولإثبات هذه النقطة، ساعد رضوان أليكس وماسانوري في إجراء سِتّ تجارب جديدة تناولت انتقادات جوردون وفرانس وآخرين. اجتازت جميع أنواع اللبروس المنظفة ذات الخط الأزرق الأربعة عشر في الدراسة الجديدة اختبار المرآة المُعاد تصميمه، ما منحها معدّل نجاح أعلى في الاختبار من قردة الشمبانزي. نشر أليكس وماسانوري النتائج، مع انضمام رضوان كواحد من عدة مؤلفين مشاركين، في مجلة (PLOS Biology) للعام الماضي. وقال لي أليكس: “إنّ نتائج اختبار المرآة الخاصة بنا هي أفضل نتائج اختبار مرآة تمّ استنساخه والتحكّم به في تاريخ الاختبار”.

وهذا لا يجعل تلك النتائج ذات معنى بالطبع. فلا يزال أليكس لا يعرِف ما الذي كان يقيسه بالضبط. حيث قال: “إذا نظرنا إلى الأمر بشكلٍ منفصل، فإن اجتياز اختبار المرآة هو، في رأيي، أمر غير قابل للتفسير إلى حدّ كبير”. يمكن أن تكون التجارب المعملية مفيدة للكشف عن القدرات المعرفية، ولكن في النهاية، هذه القدرات تكون منطقية فقط عندما يتم استخدامها في الطبيعة، في الغابات الاستوائية المطيرة ومروج الأعشاب البحرية. وقال أليكس: “إذا تمكّنت من وضع السلوك في سياقه، فيمكنك البدء في فهم سبب قدرة كائن مثل أسماك اللبروس المنظفة، التي لا تتفاعل مع المرايَا بشكلٍ طبيعي، على تعلّم ما يجب فعله أمام المرآة”. من خلال وضع المرايَا في البيئة الطبيعية، ومن ثمّ مراقبة ردود أفعال أنواع مختلفة من اللبروس – اللبروس البنية العدوانية، والحبورة البراقة، واللبروس ذات الذيل الأسود – فهو يهدف إلى العثور على مصادر التعرّف على الذات، من الناحية البيئية والتطورية.

لا يرى جوردون أيّ جدوى من هذا النوع من التجارب. وباعتباره عالِم نفس تقليدي، فهو يعتقد أنّ أفضل مكان لدراسة الوعي الذاتي هو المختبر. حيث قال لي: “المرايَا قليلة ومتباعدة في البيئة الطبيعية”، فما الفائدة من وضعها هناك؟ ولا يزال يعتقد أنّ أسماك اللبروس المنظفة لم تنجح أبدًا في اجتياز اختبار المرآة، لأن السمكة خدشت فقط علامات بنية اللون تشبه الطفيليات الخارجية. وفي إحدى التجارب الجديدة، قام أليكس وزملاؤه بحقن علامات زرقاء أو خضراء بدلاً من ذلك، لكن الحيوانات لم تستجب لها. أدرج الباحثون عنصر التحكّم هذا لتوضيح أن الحيوانات الأقل فضولاً ومرحًا بطبيعتها من الشمبانزي، قد لا تكلّف نفسها عناء فحص نقطة ما إذا كانت لا تناسب دوافعها الطبيعية – إذا كانت لها “أهمية إيكولوجية عالية”، كما كتبوا في بحثهم اللاحق “لذا نحن نشجع الزملاء على التفكير مليًا في النقاط التي قد تكون ذات صلة بأنواع دراستهم من أجل زيادة احتمالية الاستجابات”. 

قد لا يقتنع جوردون أبدًا، لكن غيّر منتقدون آخرون لأوّل دراسة حول أسماك اللبروس المنظف آرائهم، إن لم يكن فيما يتعلّق بقدرة السمكة على الوعي الذاتي، فمن ناحية السؤال الأوسع حول ما إذا كان اختبار المرآة نفسه قد أُعطي أهمية أكثر من اللازم. أخبرني فرانس عبر البريد الإلكتروني أنّ تجارب اللبروس ساعدت في تغيير وجهة نظر المجال حول التعرّف على الذات في المرآة، وقال إنه يوّد أن يرى تطور “نماذج جديدة، لا تحتاج إلى مرآة، للتعرّف على مستوى الوعي الذاتي لمختلف الأنواع”. 

على أقلّ تقدير، يشير عمل أليكس وزملائه -بجانب ردود الفعل تجاهه- إلى الكيفية التي يحدث بها اختبار المرآة -كما تمّ استخدامه تقليديًا- أمام ثراء التجارب غير البشرية، ومن المتوقع أن يتم تطوير وتغيير هذا النموذج التقليدي. وقد نشر ماسانوري ورضوان بالفعل بحث لاحق يظهر

أنّ اللبروس المنظفة التي اجتازت الاختبار يمكنها التعرّف على صور وجوهها، ما يشير إلى أنها تطور “صورة ذهنية” خاصة عن نفسها تمامًا مثل البشر. وفي الوقت نفسه، يعود أليكس إلى كورسيكا هذا الربيع لوضع المزيد من المرايَا في البحر، فيما لا يزال هناك الكثير لنتعلّمه عن كيفية تفكير الأسماك وتفكير العلماء أيضًا. 

المصدر

مقالات ذات صلة