الذكاء الاصطناعي (AI) أصبح أداة أساسية للعديد من المهام والصناعات. يعتمد الناس عليه في معالجة مختلف المشكلات في حياتهم اليومية – سواء كان ذلك في حل معادلة رياضية معقدة، أو الحصول على توصيات للمشاهدة، أو أتمتة المهام الوظيفية. ولكن ماذا عن القضايا الحيوية التي تؤثر على جودة حياة الناس، وعلاقاتهم، وسبل معيشتهم، والتي قد تتطلب تدخلاً قضائياً؟
فجوة العدالة
في أي وقت، يواجه 1.5 مليار شخص حول العالم مشكلات قانونية لا يستطيعون حلها. قد تتعلق هذه المشكلات بالعمل، أو السكن، أو نزاعات الأراضي، أو نقص الوصول إلى الخدمات العامة، أو الوثائق الأساسية مثل شهادات الميلاد. في معظم الدول، تظل 40% من هذه المشكلات دون حل، مما يؤدي إلى تفاقم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية بمرور الوقت. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة وحدها، يُسجَّل أكثر من 120 مليون مشكلة قانونية سنويًا.
تؤثر المشكلات القانونية غير المحلولة سلبًا على الأفراد، وتضعف المجتمعات، وتضغط على الاقتصادات، وتزعزع استقرار المجتمعات. وفقًا لبيانات ""فرقة العمل المعنية بالعدالة""، قد يخسر الأفراد الذين يعانون من مشكلات قانونية غير محلولة ما يعادل أجر شهر كامل. كما أن العنف المنزلي يكلف الدول ما بين 1% إلى 2% من إجمالي ناتجها المحلي (GDP)، وترتفع هذه النسبة إلى 10% في دول مثل المملكة المتحدة.
ومع ذلك، لا تزال أنظمة العدالة حول العالم غير مجهزة للتعامل مع هذا الطلب بفعالية وكفاءة. إذ لا تعالج المحاكم وشركات المحاماة سوى 10% فقط من المشكلات القانونية للأفراد، مما يترك الغالبية العظمى دون حلول بسبب صعوبة الوصول إلى العدالة وتعقيد الإجراءات وعدم كفاءتها. في كثير من دول الجنوب العالمي، يتم التعامل مع حوالي 80% من المشكلات القانونية من خلال قادة المجتمع المحلي، مثل شيوخ القرى والسلطات الدينية. ورغم أن هذه الآليات توفر بعض الحلول، إلا أنها تفتقر إلى القدرة على التوسع وغالبًا ما تفشل في تحقيق المعايير الأساسية للحقوق.
إن هذه الفجوة العالمية في العدالة تعمّق التفاوتات الاجتماعية، وتغذي عدم الاستقرار الاقتصادي والصراعات، وتترك الملايين دون حلول عادلة أو في الوقت المناسب.
تسخير الذكاء الاصطناعي لسد فجوة العدالة
يقدم الذكاء الاصطناعي فرصة فريدة لسد فجوة العدالة. إذ يمكن للأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي توسيع نطاق خدمات الوساطة، وتوفير المعلومات القانونية بطريقة ميسرة، وتبسيط إدارة القضايا، والمساعدة في تقليل التحيز، وتقديم استراتيجيات تعليمية وقائية قانونية مخصصة. تخيل منصة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي قادرة على تطوير ونشر خدمات عدالة مخصصة لاحتياجات المجتمع بسرعة وبتكلفة معقولة، مع الاستمرار في التعلم والتحسن من كل تفاعل. كما أن المبادرات مفتوحة المصدر ستعزز التعاون وتسمح بالتكيف مع القوانين والعادات واللغات المحلية، مع دمجها بسلاسة في أنظمة العدالة القائمة.
خذ على سبيل المثال باولا، وهي امرأة إسبانية تبلغ من العمر 30 عامًا وتعيش بمتلازمة داون. بعد وفاة والديها، نشأ نزاع معقد حول الميراث، مما جعل المصطلحات القانونية والإجراءات الطويلة عائقًا كبيرًا أمامها لفهم القضية. دون معرفة واضحة بحقوقها، كانت معرضة لخطر الاستبعاد من القرارات الحاسمة. الآن، تخيل أداة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تقوم بتبسيط الأحكام القانونية إلى لغة سهلة الفهم، وتوفر ملخصات ميسرة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة. يمكن لهذه الأداة أن تساعد باولا في استيعاب تفاصيل القضية، وفهم حقوقها، واتخاذ قرارات مستنيرة بشأن مستقبلها.
أمادو، مزارع في منتصف العمر من إحدى القرى النائية في النيجر، يمثل مثالًا آخر. فقد ظل يزرع قطعة أرض موروثة عبر الأجيال، لكن مشروعًا للبنية التحتية أدى إلى مصادرة الأرض من قبل الحكومة، مما أشعل نزاعًا بينه وبين ابن عمه حول الملكية، نظرًا لعدم وجود وثائق رسمية تثبت حقوقه. مع غياب مسار قانوني واضح، تصاعدت التوترات. الآن، تخيل تطبيقًا لحل نزاعات الأراضي مدعومًا بالذكاء الاصطناعي، يقوم بتحليل العادات المحلية والسوابق القانونية لتقديم حلول عادلة لتقسيم الأراضي، حتى في غياب الوثائق الرسمية. يمكن لهذا التطبيق أن يوجه المفاوضات، ويساعد العائلات على التوصل إلى اتفاقيات قائمة على الممارسات الثقافية، ويحول الروايات الشفهية وشهادات الشهود إلى أدلة قانونية منظمة، مما يعزز حججهم القانونية. كما يمكنه ربط المستخدمين بوسطاء محليين موثوقين واقتراح مسارات للحل استنادًا إلى نزاعات مماثلة.
الابتكار المسؤول والتعاون الدولي
مع تسارع تبني الذكاء الاصطناعي، تزداد الحاجة إلى أطر حوكمة واضحة لضمان استخدامه الأخلاقي والفعال في قطاع العدالة. يعد التعاون الدولي عنصرًا أساسيًا في تشكيل الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي لدعم أنظمة عدالة فعالة وشاملة. تساعد منظمة OECD البلدان في هذا الجهد من خلال الاستفادة من خبرتها في التحول الرقمي، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الوصول إلى العدالة عبر أنظمة تتمحور حول الإنسان. ويحدد الإطار القادم للمنظمة لدعم الحكومات في استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العام العوامل التمكينية والضوابط الأساسية لضمان استخدام موثوق للذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على أهمية إشراك أصحاب المصلحة المتعددين. من خلال الحوار السياسي، والتعلم المتبادل، والدعم الفني في تنفيذ الأدوات السياسية، تساعد OECD البلدان على تصميم وتنفيذ أطر حوكمة تعزز العدالة والمساءلة والشفافية في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل قطاع العدالة، مع التخفيف من المخاطر المرتبطة بالتحيز وعدم الشفافية.
تعد HiiL منظمة متخصصة في العدالة التي تتمحور حول الإنسان، وتتعاون مع OECD لتعزيز توصيات المنظمة بشأن الوصول إلى العدالة والأنظمة القانونية المتمحورة حول الأفراد. وبفضل سجلها القوي في دراسات الجدوى وتنفيذ حلول العدالة المبتكرة، تساعد HiiL الحكومات والمؤسسات في تقييم التأثيرات العملية للذكاء الاصطناعي مع ضمان العدالة والشفافية والمساءلة. تحقيق تغيير جذري في قطاع العدالة من خلال الذكاء الاصطناعي يتطلب تعاونًا نشطًا مع شركاء يشتركون في نفس الالتزامات. ومن خلال العمل المشترك لتسخير الذكاء الاصطناعي والنهج المجتمعية، يمكننا إزالة العوائق أمام العدالة وضمان الوصول إلى حلول عادلة وفعالة للجميع.
على الرغم من الفرص غير المسبوقة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، فإنه ينطوي أيضًا على مخاطر، حيث إن تبنيه غير المنضبط قد يهدد الوصول إلى العدالة، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون. في السياق العالمي، قد تؤدي الفجوة في تبني الذكاء الاصطناعي بين الشمال والجنوب العالمي إلى تعميق أوجه عدم المساواة القائمة. إن عدم المساواة في الوصول إلى التكنولوجيا، والمهارات، والموارد الاقتصادية يمكن أن يعيق التنمية الشاملة ويحد من الابتكار المحلي. كما أن هذا الانقسام الرقمي يعزز اختلال موازين القوى في تشكيل حوكمة الذكاء الاصطناعي وتأثيره المجتمعي الأوسع. لذلك، فإن جمع وجهات نظر متنوعة من مختلف الدول وتعزيز التعلم المشترك أمر ضروري لبناء مستقبل يحافظ على الترابط والتنافسية العالمية، ويرسخ القيم المشتركة، ويضمن استفادة الجميع من الذكاء الاصطناعي.
المصدر: oecd
