بينما تواجه الأرض فقدانًا حادًا في التنوع البيولوجي، لم تعد الأساليب التقليدية لتتبع وحماية الأنواع المهددة بالانقراض كافية.
يحتاج علماء البيئة والمحافظون على الطبيعة بشكل عاجل إلى حلول أسرع وأكثر قابلية للتوسع لتتبع الأنواع المهددة وحمايتها.
تجمع مبادرة ""وايلد درون"" (WildDrone) بين التقنيات المتطورة والخبرة متعددة التخصصات لبدء عصر جديد من الحفاظ على الحياة البرية.
مع مواجهة الكوكب لأزمة غير مسبوقة في فقدان التنوع البيولوجي، أصبحت الأساليب التقليدية لتتبع الأنواع المهددة بالانقراض وحمايتها غير كافية.
لطالما اعتمد علماء البيئة والمحافظون على الطبيعة على أطواق تحديد المواقع GPS، وكاميرات الفخ، والدراسات الميدانية لمراقبة الحياة البرية، ولكن هذه التقنيات بطيئة ومكلفة وتدخلية. ومع ازدياد الضغط على النظم البيئية، هناك حاجة ملحة إلى حلول أسرع وأكثر قابلية للتوسع لحماية الأنواع المهددة.
هنا يأتي دور مشروع WildDrone الممول من الاتحاد الأوروبي – وهي مبادرة تجمع بين تقنيات متقدمة وخبرات متعددة التخصصات للمساعدة في تدشين عصر جديد من الحفاظ على الحياة البرية. بقيادة جامعة جنوب الدنمارك، يعمل فريق من علماء الأحياء وعلماء الحاسوب والمهندسين من مختلف أنحاء أوروبا على إحداث ثورة في كيفية مراقبة الأنواع المهددة بالانقراض، من خلال استخدام الطائرات بدون طيار (درونز) المستقلة والذكاء الاصطناعي المصمم خصيصًا للحفاظ على الحياة البرية.
رغم أن التكنولوجيا غالبًا ما ترتبط بالتحديات الصناعية والمتمحورة حول الإنسان، فإنها الآن تتحول إلى أداة محورية في حماية النظم البيئية التي هي في أمسّ الحاجة إليها.
سباق مع الزمن لتطوير أدوات أفضل للحفاظ على البيئة
يتناقص التنوع البيولوجي بسرعة، حيث يُقدَّر أن مليون نوع مهدد بالانقراض، وفقًا لتقرير الأمم المتحدة لعام 2019 حول التنوع البيولوجي. وتُعدّ إفريقيا، التي تحتضن أنواعًا مهددة مثل الأفيال والأسود ووحيد القرن، في طليعة هذه الأزمة. إذ تؤدي الصيد الجائر وفقدان المواطن والتغير المناخي إلى تفاقم هذه التهديدات، مما يدفع المحافظين على الطبيعة إلى البحث عن حلول مبتكرة.
الحاجة إلى وسائل مراقبة آنية وقابلة للتوسع وغير تدخّلية لم تكن يومًا أكثر إلحاحًا. فعلى الرغم من أن الأدوات التقليدية مثل أطواق GPS توفر بيانات لا تُقدَّر بثمن، إلا أنها مكلفة وتتطلب جهودًا ميدانية مكثفة.
كما أن كاميرات الفخ، رغم فائدتها في مراقبة سلوك الحيوانات، إلا أن نشرها مرهق، وهي تغطي مواقع مفردة فقط. ومع ازدياد تعقيد النظم البيئية واتساع رقعة الأراضي، نحتاج إلى أدوات أسرع وأكثر كفاءة تغطي مساحات أكبر دون إزعاج الحياة البرية.
وهنا يأتي دور WildDrone.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار دعم الحفاظ على الحياة البرية
يستخدم WildDrone طائرات بدون طيار مستقلة مزودة بالذكاء الاصطناعي لإعادة تشكيل عملية مراقبة الحياة البرية. تقوم هذه الطائرات بمسح مساحات شاسعة، وتحليل الحياة البرية، وجمع بيانات حيوية. ويقوم التعرف على الصور المدعوم بالذكاء الاصطناعي بالتعرف تلقائيًا على الأنواع والأفراد، مميزًا بين الأفيال ووحيد القرن والأسود وغيرها.
وبالإضافة إلى التعرف على الأنواع، يتتبع الذكاء الاصطناعي أيضًا السمات الفردية مثل الحجم والوزن والعلامات، مما يتيح مراقبة آنية دون تدخل بشري. تُعدّ الطائرات بدون طيار أسرع وأكثر فعالية من حيث التكلفة وقابلة للتوسع، مما يوفّر حلًا يمكن تنفيذه عبر مناطق واسعة بأقل عدد ممكن من الموارد البشرية.
في محمية ""أول بيجيتا"" في كينيا، يتم حاليًا اختبار تقنية WildDrone بالتعاون مع شركاء محليين ومسؤولين وحراس. تحلّق الطائرات فوق مناطق واسعة، وتحدد وتتابع الحيوانات مثل وحيد القرن والأسود. ثم تُستخدم البيانات لإنشاء خرائط تفصيلية للسكان والمواطن، مما يمكّن المحافظين على الطبيعة من تحديد المناطق أو الحيوانات التي تحتاج إلى تدخل فوري.
في بيئة تتفتت فيها المواطن وتتزايد فيها التهديدات من الصيد الجائر، تصبح البيانات الآنية ضرورية. يعالج الذكاء الاصطناعي الصور القادمة من الطائرات، مما يمكّن المحافظين على البيئة من الاستجابة السريعة للتهديدات المتصاعدة.
تعزيز الكفاءة لدى الحراس
في ""أول بيجيتا""، حيث يعمل أكثر من 600 حارس لحماية الحياة البرية ومنع النزاعات بين الإنسان والحيوان، تُثبت الطائرات بدون طيار قيمتها. يتعقّب الحراس تحركات الحيوانات لتجنب الاحتكاك مع المجتمعات القريبة، وتعمل تقنية WildDrone على تبسيط هذا العمل.
توفر الطائرات بدون طيار للحراس رؤى آنية عبر مساحات شاسعة، مما يقلل الحاجة إلى التواجد البشري المستمر على الأرض. ويهدف المشروع إلى تدريب الحراس وتزويدهم بالمهارات اللازمة لاستخدام هذه التكنولوجيا بفعالية، مما يمكّنهم من مراقبة الحياة البرية بكفاءة أكبر.
من خلال تبسيط المهام، تتيح الطائرات بدون طيار للحراس التركيز على التدخلات الاستراتيجية بدلاً من الأعمال الميدانية المستهلكة للوقت. وكما أشار مدير المشروع، أولريك باغ شولتز لوندكويست، فإن الطائرات بدون طيار تسهّل تتبع أنماط حركة الحيوانات في ""أول بيجيتا"" أكثر من أي وقت مضى. وتُعدّ المحمية مختبرًا حيًا يُشكّل فيه التعاون مع المستخدمين النهائيين تطور التكنولوجيا، مما يُظهر كيف يمكن للحراس العمل بشكل أكثر كفاءة وأخلاقية باستخدام الطائرات والذكاء الاصطناعي.
ما يميز مشروع WildDrone هو تركيزه على التعاون متعدد التخصصات
من خلال الجمع بين علماء الأحياء والمهندسين وعلماء الحاسوب، يستفيد المشروع من خبرات جماعية لإبداع حلول لم تكن ممكنة ضمن تخصص واحد فقط.
يُقدّم علماء الأحياء فهمًا عميقًا للحيوانات واحتياجات الحفاظ عليها، في حين يُوفّر المهندسون وعلماء الحاسوب خبراتهم في التنقل بالطائرات، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية. ومن خلال العمل الجماعي، يُصمّم الفريق حلولًا تلبي احتياجات كل من الحيوانات والمحافظين على الطبيعة. ومن خلال تبادل المعرفة، يُنشئ الفريق نموذجًا جديدًا في تكنولوجيا الحفظ، يمكن توسيعه على نطاق عالمي.
رسم مسار جديد لجهود الحفاظ على البيئة
يقدم WildDrone نموذجًا لكيفية استخدام التكنولوجيا من أجل الاستدامة على مستوى العالم. وفي مواجهة أزمتي المناخ والتنوع البيولوجي، تُعدّ مشاريع مثل WildDrone ضرورية لحماية النظم البيئية ومنع انقراض الأنواع.
من خلال خلق حلول مراقبة فعالة، قابلة للتوسع، وغير تدخّلية، يمنحنا WildDrone لمحة عن مستقبل يعمل فيه الحفاظ على البيئة والتكنولوجيا جنبًا إلى جنب. إذا أردنا إبطاء، إيقاف، بل وعكس فقدان التنوع البيولوجي، فإن الابتكار ليس مجرد رغبة – بل هو ضرورة.
ومع تقدم المشروع، هناك إمكانات لمزيد من التطوير. قد تشمل التطورات المستقبلية نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تطورًا، وتصاميم محسّنة للطائرات، وأساليب جديدة لتحليل البيانات في الوقت الفعلي. يمكن أن تُطبّق الدروس المستفادة في كينيا على نطاق عالمي، مما يوفر حلًا لأزمة عالمية. وسيُشكّل طلاب الدكتوراه الذين يتلقون تدريبًا ضمن WildDrone جيلًا جديدًا من العلماء الذين يعالجون أزمة التنوع البيولوجي من خلال الابتكار متعدد التخصصات.
لا يمكن التقليل من أهمية معالجة فقدان التنوع البيولوجي. ورغم أن WildDrone لا يزال في مراحله المبكرة، إلا أن إمكاناته واضحة. من خلال دمج علم الأحياء بالتكنولوجيا، يرسم المشروع مسارًا أكثر ذكاءً واستدامة للحفاظ على البيئة.
وفي نهاية المطاف، يُعدّ هذا تذكيرًا بأن التعاون بين تخصصات مختلفة لحل تحدٍّ مشترك يمكن أن يؤدي إلى نتائج استثنائية. وقد يعتمد مستقبل الحفاظ على الحياة البرية على سحر الابتكار متعدد التخصصات.
