عند التجول في أي مدينة كبرى اليوم، ستلاحظ مشهدًا مألوفًا: مراهقون يبحثون عن أفضل صفقة لشراء أحذيتهم المفضلة عبر الإنترنت، يستمعون إلى الموسيقى على هواتفهم، أو يحوّلون الأموال إلى أصدقائهم مقابل غداء الأمس. ولكن وسط هذه الكفاءة الرقمية، يظل سؤال مهم مطروحًا: هل يمتلك هؤلاء الشباب فهمًا حقيقيًا لكيفية إدارة شؤونهم المالية الشخصية؟
كما يُظهر أحدث تقرير PISA حول الثقافة المالية، فإن أكثر من ثلثي * الشباب بعمر 15 عامًا يستخدمون المنتجات والخدمات المالية بانتظام. أكثر من 60% منهم لديهم حساب مصرفي و/أو بطاقة دفع، وما يقارب 90% قاموا بعملية شراء عبر الإنترنت خلال الأشهر الاثني عشر الماضية.
ومع ذلك، لا تزال مستويات الثقافة المالية لديهم منخفضة: فحوالي خُمس الطلاب، في المتوسط، لا يمتلكون الحد الأدنى من الكفاءة في الثقافة المالية، مما يعني أنهم غير قادرين على تطبيق معرفتهم في مواقف حياتية حقيقية تتعلق بالقضايا والقرارات المالية. الحقيقة هي أن العديد من الشباب ببساطة لا يمتلكون المعرفة والمهارات اللازمة للتعامل بأمان مع تعقيدات التمويل الرقمي.
أهمية الثقافة المالية
تُظهر نتائج PISA أن هناك ارتباطًا بين الثقافة المالية والسلوك المالي الإيجابي. فالطلاب الذين يتمتعون بمهارات مالية أفضل يتصرفون بمسؤولية أكبر فيما يتعلق بأموالهم، ويتبنون نهجًا استباقيًا في التخطيط المالي. على سبيل المثال، الطلاب ذوو الأداء العالي في الثقافة المالية أكثر احتمالًا بنسبة 72% للادخار، و50% أكثر احتمالًا لمقارنة الأسعار في متاجر مختلفة قبل الشراء، مقارنة بالطلاب ذوي الأداء المنخفض.
قد توفر الخبرات العملية للطلاب فرصة قيمة للتعلم، لكن العكس قد يكون صحيحًا أيضًا—إذ إن الطلاب الذين لديهم اهتمام مسبق بالشؤون المالية، أو مستوى معين من المعرفة المالية، هم الأكثر احتمالًا للبحث عن هذه التجارب في المقام الأول. فقد حصل الطلاب المهتمون بالأمور المالية على درجات أعلى في المتوسط بـ 11 نقطة في الثقافة المالية مقارنة بمن ليس لديهم اهتمام، في حين أن الطلاب الذين يرون أن المسائل المالية ذات صلة بحياتهم حققوا درجات أعلى بـ 27 نقطة مقارنة بمن لا يرونها كذلك.
يمكن أن يؤدي ذلك إلى حلقة ذاتية التعزيز، حيث يستمر الطلاب الذين يتمتعون بثقافة مالية جيدة في تطوير مهاراتهم، بينما يتخلف أولئك الذين يفتقرون إلى المعرفة الأساسية أكثر فأكثر.
تفاوت الفرص في تنمية المهارات المالية
تظل فرص تطوير المهارات المالية غير متكافئة، إذ إن الوصول إلى الخدمات المالية والثقة في استخدامها يتفاوتان بين الأفراد. تلعب عوامل مثل الخلفية الاجتماعية والاقتصادية، والجنس، والبيئة الأسرية دورًا رئيسيًا في مدى شعور الشباب بالراحة عند التعامل مع الأدوات المالية.
يُظهر الطلاب القادمون من خلفيات اجتماعية واقتصادية متدنية أداءً أضعف في الثقافة المالية، حيث تفسر الخلفية الاجتماعية والاقتصادية 12% من التفاوت في الأداء. وهذا يؤكد أهمية منح جميع الطلاب فرصًا متساوية لتعلم المهارات المالية، بحيث لا يكون طلاب الأسر الميسورة أكثر قدرة على فهم المال وإدارته من أقرانهم الأقل حظًا.
دور البيئة الأسرية وأهمية تدخل الحكومات
تلعب البيئة الأسرية دورًا أساسيًا في تنمية المهارات المالية لدى الشباب. فالطلاب الذين يناقشون قراراتهم المتعلقة بالادخار أو الشراء مع والديهم (68% يفعلون ذلك مرة واحدة على الأقل شهريًا) يتمتعون بمستوى أعلى من الثقافة المالية، مما يمنحهم ميزة مبكرة في هذا المجال.
كما يُظهر الأولاد خبرة وثقة أكبر من الفتيات عند التعامل مع الشؤون المالية والخدمات المالية الرقمية. فقد أرسل 60% من الأولاد أموالًا عبر الهاتف المحمول خلال الأشهر الـ 12 الماضية، مقارنة بـ 50% من الفتيات، في حين يشعر 61% من الأولاد بالثقة عند إجراء تحويلات مالية عبر الإنترنت، مقارنة بـ 52% فقط من الفتيات.
كيف يمكن للحكومات التدخل؟
تلعب الحكومات دورًا حاسمًا في ضمان حصول جميع الطلاب—وخاصة من الفئات المحرومة—على فرص متساوية لاكتساب المهارات المالية. ويجب أن تعمل على تعزيز تجارب مالية آمنة ومناسبة لأعمار الطلاب، بما يساعدهم على تعلم كيفية استخدام الخدمات المالية واتخاذ القرارات المالية السليمة.
يمكن للحكومات سد فجوة المعرفة هذه من خلال دمج الثقافة المالية بشكل منهجي في المناهج الدراسية، وضمان تدريسها لجميع الطلاب. وهذا أمر بالغ الأهمية، حيث تُظهر نتائج PISA أن الطلاب الذين تعرضوا لموضوعات مالية في المدارس يحققون أداءً أفضل في الثقافة المالية. ولضمان ذلك، تحتاج الحكومات إلى بيانات حديثة حول أداء الطلاب، مما يجعل المشاركة المنتظمة في اختبارات PISA للثقافة المالية، بما في ذلك التقييم القادم في عام 2029، أمرًا ضروريًا.
كما توفر توصيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول الثقافة المالية، إلى جانب الإطار الأوروبي للكفاءة المالية للأطفال والشباب الصادر عن الـ OECD والمفوضية الأوروبية، إرشادات عملية لمساعدة الحكومات في تحقيق شمول مالي متكافئ. بالإضافة إلى ذلك، تُعزز حملة الأسبوع العالمي للمال، التي تُقام هذا العام من 17 إلى 23 مارس، وعي الشباب بضرورة اتخاذ قرارات مالية سليمة.
في ظل التحول السريع نحو الخدمات المالية الرقمية، أصبح الشباب أكثر تعرضًا للمنتجات المالية من أي وقت مضى. ولكن دون التعليم والدعم المناسبين، قد يكون لهذا التعرض آثار سلبية بدلًا من تحقيق فوائد. لذا، من خلال توفير فرص متكافئة للتعلم المالي وتعزيز مشاركة آمنة في الأنشطة المالية، يمكن للحكومات تمكين الجيل القادم ليصبح أكثر ثقة ووعيًا في العالم المالي.
المصدر: oecd
