بعد السنوات الجافة تاريخيًا في 2022 و2023، أصبح عام 2024 من أكثر الأعوام الممطرة في فرنسا. تُظهر هذه السلسلة كيف يؤثر تغير المناخ على أنماط الأمطار: إذ يجفف التربة بينما يثقل الغلاف الجوي بالرطوبة. كل درجة مئوية إضافية من الاحترار العالمي تزيد من رطوبة الغلاف الجوي بنسبة 7%. يزيد هذا الديناميكية من خطر التناوب بين فترات جفاف طويلة وأمطار غزيرة. هذه التفاوتات تؤدي إلى تفاقم تأثيرات كل حدث: التربة الجافة تمتص المياه المطرية بشكل أقل فعالية من التربة الرطبة. نتيجة لذلك، تتسبب الأمطار الغزيرة بعد فترة جفاف في تدفق مياه أسرع وأكثر كثافة، بينما تكافح الخزانات الجوفية لإعادة الشحن. وبالتالي، تصبح فترات الأمطار الشديدة أقل فعالية في التخفيف من النقص المحتمل في المستقبل.
المدن معرضة بشكل خاص
المدن هي الأكثر عرضة لهذه القضايا. من جهة، يؤدي التوسع الحضري السريع والنمو السكاني إلى زيادة الضغط على الموارد المائية التي تعاني بالفعل، ومن جهة أخرى، تعمل الأسطح غير القابلة للاختراق على زيادة الجريان السطحي وتعيق إعادة شحن المياه الجوفية. من كيب تاون إلى برشلونة، ساو باولو، لوس أنجلوس، ولندن، تواجه المدن حول العالم نقصًا في إمدادات المياه. في برشلونة، فكرت السلطات في شحن المياه الصالحة للشرب لتجنب الكارثة. في عام 2022، جفت منابع نهر التايمز. بحلول عام 2050، قد يواجه ما يقرب من ملياري شخص في المناطق الحضرية نقصًا في المياه — وهو تذكير صارخ بمدى ضرورة التكيف مع تغير المناخ واضطرابات الدورة الهيدرولوجية. هذه الحالة تبرز الحاجة الملحة للتحرك الآن لضمان الوصول المستدام إلى المياه للجميع.
منطقة باريس الكبرى يجب أن تستعد لمزيد من الجفاف
بعد أن كانت محمية من ندرة المياه لفترة طويلة، لم تعد منطقة باريس الكبرى محصنة. منذ عام 1990، ارتفعت درجات الحرارة بأكثر من 2 درجة مئوية، مما أدى إلى تسريع التبخر وتقليل رطوبة التربة بنسبة 5%. نتيجة لذلك، زادت مدة فترات الجفاف بنسبة 20%.
حتى عام 2025، تمكنت المنطقة من التكيف بفضل بنيتها التحتية وتقليص استخراج المياه بنسبة 14% منذ عام 2012، وذلك بفضل تحسين إدارة المياه في المنازل وتراجع الصناعات الثقيلة. في عام 2022، كانت أربعة من بحيرات الخزانات الكبيرة توفر ما يصل إلى 50% من تدفق نهر السين، مما حال دون حدوث اضطرابات كبيرة — بينما تم تعليق حركة الملاحة على نهر الراين.
ومع ذلك، قد لا تكون هذه الجهود كافية في المستقبل.
بحلول عام 2050، وحتى أكثر في عام 2100، ستصبح فصول الصيف أكثر جفافًا. سيزيد التبخر والنتح (التبخر من التربة والسطوح المائية، وكذلك التعرق النباتي) بنسبة 16% بحلول عام 2050 و23% بحلول عام 2100. سيؤدي هذا الظاهرة إلى تسريع جفاف التربة. هذا سيسبب انخفاضًا في تدفقات الأنهار، وضعف مستويات المياه الجوفية، وتهديدًا متزايدًا لإمدادات المياه.
في الوقت نفسه، من المتوقع أن يرتفع الطلب على المياه في المنطقة، بسبب النمو السكاني، وإعادة التصنيع، واحتياجات الزراعة المتزايدة، التي كانت حتى الآن منخفضة نسبيًا في استهلاك المياه مقارنة ببقية المناطق الفرنسية.
في مواجهة هذه التحديات، تصبح مسألة مرونة المياه — المعرفة بقدرة النظام على التكيف مع التغيرات في توفر المياه — أكثر إلحاحًا.
سيتحمل هذا الجفاف تكاليف اقتصادية وبيئية كبيرة
يقدر تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بعنوان ""تكييف منطقة باريس الكبرى مع مستقبل شحيح المياه"" أن حلقة جفاف واحدة قد تكلف اقتصاد منطقة باريس الكبرى ما يصل إلى 2.5 مليار يورو. يعادل هذا المبلغ الأضرار التي تسببت بها عاصفة ""إكسينثيا"" في عام 2010 — واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية التي شهدتها فرنسا. قد تمثل الخسائر الزراعية والصناعية 70% من التكاليف، ويرجع ذلك أساسًا إلى انخفاض الإنتاج المرتبط بقيود استخدام المياه وتأثيراتها على سلاسل القيمة (مثل النقل والصناعات المتأثرة بشكل غير مباشر). كما ستتأثر إنتاج الطاقة والبنية التحتية والمباني أيضًا.
الشكل 1: التكاليف المباشرة وغير المباشرة (بسبب انتشارها إلى قطاعات أخرى) بالمليارات من اليوروهات.
قد تؤدي ندرة المياه أيضًا إلى تصاعد التوترات بين الجهات الاقتصادية والسلطات، خصوصًا عندما تقوم المدن بسحب المياه من المناطق الريفية للاستخدام المنزلي بينما يتم فرض قيود على سحب المياه للأغراض الزراعية.
علاوة على ذلك، لا يشمل هذا التقدير التكلفة التي تتحملها الأنظمة البيئية. فالتربة الجافة تمتص كميات أقل من الكربون، مما يزيد من تفاقم تغير المناخ. وستتأثر الأراضي الرطبة والغابات، التي تلعب دورًا حيويًا في تنظيم الدورة المائية، بشكل كبير. كما أن انخفاض تدفقات الأنهار سيقلل من قدرة المياه على تخفيف التلوث.
توجد حلول لتعزيز المرونة الإقليمية ضد مخاطر الجفاف
لمعالجة هذه المخاطر، توصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) باتباع مزيج من إدارة الطلب على المياه، وتنويع مصادر إمدادات المياه، والتركيز بشكل أفضل على استخدام الأراضي ودورها في تنظيم دورة المياه. يتطلب تنفيذ هذه التدابير فهماً دقيقاً للمخاطر التي تأخذ في الحسبان كلاً من الاحتياجات المستقبلية وتوافر المياه.
ومع ذلك، فإن هذه التدابير تأتي بتكلفة يجب أن يتشارك فيها جميع أصحاب المصلحة. الأدوات المالية الحالية التي تهدف إلى زيادة مرونة المنطقة مشدودة بالفعل بسبب تغير المناخ. على سبيل المثال، فإن نظام التأمين الوطني ضد الكوارث الطبيعية يعاني من ارتفاع النفقات التي تتجاوز احتياطياته. وبالمثل، فإن تقليص السحب من المياه سيؤدي إلى انخفاض الإيرادات بالنسبة لمشغلي المياه الذين يلعبون دوراً رئيسياً في إدارة المخاطر والتكيف معها وبناء المرونة.
المصدر: oecd
