في أكتوبر، عندما أعلنت إدارة الغذاء والدواء -لأوّل مرة- عن نقص عقار “أديرال” في أمريكا، توقعت الوكالة أن يتم حلّ المشكلة بسرعة. ولكن بعد مرور خمسة أشهر، لا تزال آثار النقص تجعل الحياة صعبة بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط، الذين يعتمدون على الدواء. تكثر القصص عن أشخاصٍ محبطين يذهبون إلى عشرات الصيدليات شهريًا بحثًا عن الدواء، لكنهم لا يجدون الدواء في كل مرة. وبدون العلاج، يواجه الطلاب أوقاتًا عصيبة في المدرسة، ويكافح البالغون من أجل مواصلة العمل والحفاظ على العلاقات. لقد انتهى النقص في “أديرال”، لكن الإصدارات العامة المستخدمة على نطاقٍ واسع من الدواء، والمعروفة باسم “أملاح الأمفيتامين”، لا تزال نادرة.
أخبرني ديفيد جودمان، خبير اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وأستاذ الطب النفسي في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز، أنّ “العاصفة المتكاملة” من العوامل – تأخير التصنيع، ونقص العمالة، واللوائح الصارمة – هي المسؤولة عن النقص. وقد تفاقمت جميعها بسبب أن الوباء أدى إلى زيادة في أعداد الأمريكيين الذين يريدون دواء “أديرال”. حدثت التغييرات الأكثر بين البالغين، وفقًا لتقرير حديث لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها حول الوصفات الطبية المنشطة، مع زيادات في بعض الفئات العُمرية تزيد عن 10% في عام واحد فقط، من 2020 إلى 2021. هذه هي طبيعة الارتفاع الكبير في الطلب على عقار “أديرال”. – بين البالغين -، الأمر الذي أثار قلق بعض خبراء اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه بشأن “ما إذا كان الطلب مشروعًا”، كما قال جودمان. وقال إنه من الممكن أن يكون بعض مرضى “أديرال” الجدد على الأقل يحصلون على وصفاتٍ طبية لا يحتاجون إليها.
المشكلة هي أن أمريكا ليس لديها مبادئ توجيهية طبية موحدة لكيفية قيام الأطباء بتشخيص وعلاج البالغين المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه – وهي فجوة وصفها مركز مكافحة الأمراض بأنها “مخاوف تتعلق بالصحة العامة”. عندما يأتي الناس لطلب المساعدة لعلاج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، فإن مقدميّ الخدمة لديهم “الكثير من الخيارات حول ما يجب استخدامه ومتى يستخدمونه، وهذه المعايير لها آثار على الرعاية الجيدة أو الرعاية السيئة”، كما يقول كريج سورمان، أستاذ الطب النفسي وخبير اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في جامعة هارفارد والمنسق العلمي لأبحاث اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لدى البالغين في مستشفى ماساتشوستس العام. سوف ينتهي النقص في المنشطات، ولكن حتى ذلك الحين، قد لا يحصل البالغون المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه على الرعاية التي يحتاجون إليها.
لأكثر من 200 عام، ارتبطت الأعراض المرتبطة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه – مثل صعوبة التركيز، وعدم القدرة على الجلوس، والتململ – إلى حدٍ كبير بالأطفال والمراهقين. ويفترض الأطباء بشكلٍ كبير أن الأطفال سيتخلّصون منها في نهاية المطاف. ورغم أن الأعراض تصبح “واضحة في فترة مبكرة جدًا من الحياة”، كتب أحد الأطباء الأسكتلنديين عام 1798: “من حسن الحظ أن هذه الأعراض تتضاءل عمومًا مع التقدم في السِّن”. بالنسبة لبعض الأشخاص، تتحسن أعراض اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه مع دخولهم مرحلة البلوغ، ولكن بالنسبة لمعظم الناس، تستمر الأعراض. يستمر التركيز على الأطفال اليوم جزئيًأ بسبب ضغط الوالدين. وقال سورمان إنّ أطباء الأطفال اضطروا إلى بناء نموذج لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يركز على الطفل، لأن الآباء يأتون ويقولون: “ماذا سنفعل مع طفلنا؟”، ونتيجة لذلك، فإن علاج الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 إلى 18 عامًا من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه هو أمر واضح ومباشر نسبيًا: تحدد المبادئ التوجيهية الطبية الواضحة الصادرة عن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال الحاجة إلى اختبارات نفسية صارمة تستبعد الأسباب الأخرى وتتضمن تقارير عن المريض من الآباء والمعلمين. ويتضمن العلاج عادة إدارة السلوك، والأدوية إذا لزم الأمر.
ولكن لا يوجد دليل مكافئ للبالغين المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في الولايات المتحدة، على عكس الدول المتقدمة الأخرى، بما في ذلك المملكة المتحدة وكندا. في الواقع، لم يتم الاعتراف بهذا الاضطراب إلا مؤخرًا في مجال الطب النفسي للبالغين. أحد أسباب تجاهله لفترة طويلة هو أن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه قد يبدو أحيانًأ مختلفًا عند الأطفال مقارنة بالبالغين، حيث يميل فرط النشاط البدني إلى الانخفاض مع تقدم العُمر، على عكس المشكلات العاطفية أو التنظيمية على سبيل المثال. قالت لي مارغريت سيبلي، أستاذة الطب النفسي في كلية الطب بجامعة واشنطن: “إنّ الإدراك بأن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه هو اضطراب مدى الحياة يستمر حتى مرحلة البلوغ لدى معظم الناس لم يحدث إلا في العشرين سنة الماضية”. وكان مجال الطب النفسي للبالغين بطيئًا في اللحاق بالركب. تمَّت معالجة اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لدى البالغين بشكلٍ مباشر لأول مرة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (الطبعة الخامسة) (DSM-5) – الكتاب المقدس التشخيصي للطب النفسي للجمعية الأمريكية – عام 2013، ولكن المعايير الموصوفة هناك لم تُترجم بعد إلى تعليماتٍ عملية للأطباء.
إن معالجة اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لدى البالغين ليست بسيطة مثل تكييف معايير الأطفال مع الكبار. والفرق الرئيسي هو أن الاضطراب يضعف جوانب مختلفة من حياة الشخص البالغ: في حين أن طبيب الأطفال سوف يبحث في تأثير اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في المدرسة أو في المنزل، فإن مقدّم الخدمة الذي يقوم بتقييم شخص بالغ قد يتعمق في آثاره في العمل أو في العلاقات الرومانسية. وتختلف مصادر المعلومات أيضًا، حيث يمكن للوالدين والمعلمين تسليط الضوء على حالة الطفل، ولكن “لن تتصل بوالد شخص يبلغ من العُمر 40 عامًا لمعرفة ما إذا كان الشخص مصابًا باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه”، كما قالت سيبلي. يعتمد مقدموّ الخدمة عادةً بدلاً من ذلك على التقارير الذاتية، والتي لا تكون دقيقة دائمًا. ومما يزيد الأمور تعقيدًا أن أعراض اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يمكن أن تُحجب؛ بسبب المشكلات الإدراكية الأخرى التي تنشأ في مرحلة البلوغ، مثل تلك الناجمة عن الاكتئاب أو تعاطي المخدرات أو مشاكل الغدة الدرقية أو التحولات الهرمونية. قالت سيبلي: “إنه اضطراب يصعب تشخيصه، حيث لا يوجد اختبار موضوعي”. الخيار الأفضل هو إجراء تقييم نفسي مطول، والذي يتضمن عادةً مراجعة الأعراض، وإجراء فحص طبي، وأخذ تاريخ المريض، وتقييم المريض باستخدام مقاييس التقييم أو قوائم المراجعة، وفقًا لجمعية علم النفس الأمريكية.
وبدون وجود المبادئ التوجيهية الطبية أو وجود هيئة تنظيمية لتطبيقها، لن يكون هناك ما يدعم هذا المعيار. على سبيل المثال، نادرًا ما كانت تؤدي الأشكال الافتراضية لرعاية اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه التي انتشرت أثناء الوباء إلى تقييماتٍ مطولة. تمّ التحقيق في شركة “سيريبال” للرعاية الصحية عن بُعد -الرئيسة في توزيع الوصفات الطبية لعلاج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه- لتضحيتها بالصرامة الطبية من أجل العلاج السريع ورضا العملاء، مما قد يسمح للأشخاص الذين لا يعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه بالحصول على دواء “أديرال” للترويح عن النَفس. في أحد الاستطلاعات، قال 97 % من مستخدميّ “سيريبال” أنهم تلقوا وصفة طبية من نوعٍ ما. وذكرت مجلة وول ستريت أن المشاورات الأوّلية مع مقدميّ الخدمات استمرت لمدة نصف ساعة فقط، ويخشى الموظفون السابقون أن يؤدي وصف المنشطات المتفشي في الشركة إلى تأجيج أزمة الإدمان. وقال جودمان: “من المستحيل إجراء تقييم نفسي شامل خلال 30 دقيقة”. (نفت شركة سيريبال سابقًا ارتكاب أيّ مخالفات ولم تعد تصف دواء “أديرال” أو المنشطات الأخرى).
المشكلة الأكبر هي أن عددًا قليلاً جدًا من مقدميّ الخدمات مجهزون لإجراء تلك التقييمات. نظرًا لأن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لدى البالغين لم يتم التعرّف عليه إلا مؤخرًا، فإن معظم الأطباء النفسيين العاملين اليوم لم يتلقوا أيّ تدريب رسميّ على علاج هذا الاضطراب. قال سورمان: “هناك نقص في الخبرة”. “إنه لأمر مربك، حيث غالبًا ما يقوم المستهلكون الآن بتثقيف مقدميّ الخدمات”. إن ندرة المهنيين المدربين تعني أن العديد من البالغين الذين يطلبون المساعدة في علاج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، يتم فحصهم من قبل مقدميّ الخدمة، بما في ذلك أطباء الرعاية الأوّلية، والأخصائيين الاجتماعيين، والممرضين الممارسين، الذين يفتقرون إلى الخبرة اللازمة لتقديم هذه المساعدة. قالت سيبلي: “إنها مشكلة نظامية، وليس السبب بأنهم مهملون”.
إن الافتقار إلى مقدميّ الخدمات المدربين يفتح الباب أمام احتمال عدم كفاية الرعاية أو حتى خطورتها. إن دواء “أديرال” هو مجرد واحد من العديد من المنشطات المستخدمة لعلاج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وقد يكون اختيار المنشط المناسب للمريض أمراً صعباً – وليس كل الأشخاص المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يحتاجون أو يرغبون في تناوله. ولكن حتى المتخصصين في مجال الرعاية الصحية ذوي النوايا الحسنة قد لا يكونون مستعدين لتقييم المرضى على النحو الصحيح. تعتبر الحكومة الفيدرالية “أديرال” أحد الأدوية المُدرجة في الجدول الثاني المسببة للإدمان، مثل “الأوكسيكودون” و”الفنتانيل”، ومخاطر وصفه دون دواعٍ مرتفعة: بصرف النظر عن الوصول لدرجة الاعتياد على الدواء، يمكن أن يسبب أيضًا مشاكل مثل: القلب وتغيرات المزاج والقلق والاكتئاب. قد يكون بعض الأشخاص المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أفضل حالاً من خلال العلاج السلوكي أو الأدوية غير المنشطات. ولسوء الحظ، قد يكون من السهل جدًا على مقدميّ الخدمة عديميّ الخبرة البدء بوصف هذه الأدوية للمريض ومواصلة العلاج. قال جودمان: “إذا أعطيت المنشطات للشخص العادي، فسيقول إن مزاجه وتفكيره وطاقته أفضل”. “من المهم جدًا عدم إجراء تشخيص بناءً على الاستجابة للأدوية المنشطة.” لكن الارتفاع في عدد البالغين الذين يتلقون وصفات طبية لهذه الأدوية منذ عام 2016 على الأقل يعد علامة على أنّ هذا قد يحدث.
قد يؤدي اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه عند البالغين الآخذ في الارتفاع قريبًا إلى التغيير. في العام الماضي، بدأت الجمعية المهنية الأمريكية لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (APSARD)، والاضطرابات ذات الصلة بصياغة المبادئ التوجيهية التي طال انتظارها. وقال جودمان، وهو أمين صندوق الجمعية المهنية الأمريكية لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، إن هدف المنظمة هو توحيد الرعاية والعلاج للبالغين المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في جميع أنحاء البلاد. وأضاف أن وضع المعايير يمكن أن يكون له “آثار واسعة النطاق وشاملة” تتجاوز رعاية المرضى، فوجودها يمكن أن يجبر المزيد من كليات الطب على تدريس مناهج حول اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لدى البالغين، وإقناع شركات التأمين بتغطية العلاج، والضغط على مشرعيّ القوانين لإدراجه في سياسات مكان العمل.
إنّ الخروج من هذه الفوضى -مهما طال الانتظار- سيصبح أكثر ضرورة. ويُعتقد أن ما يقرب من 5 % من البالغين مصابون بهذا الاضطراب، ولكن أقل من 20% منهم تمّ تشخيصهم أو تلقوا العلاج (مقارنة بحوالي 77 % من الأطفال). وقال جودمان: “لديك عدد أكبر بكثير من البالغين المصابين بالمرض وغير المعالجين، وسيستمر هذا في الزيادة”. ومن المرجح أن تشكّل النساء – اللاتي لم يتم تشخيصهن تاريخيًا، مثل الفتيات – نسبة كبيرة. ربما عانى البالغون المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في صمت في الماضي، ولكن الوعي المتزايد بهذا الاضطراب، والذي أصبح ممكنًا بفضل إزالة الوصمة المستمرة، سوف يستمر في تعزيز نسبة الأشخاص الذين يريدون تلقي المساعدة. ويكثر على وسائل التواصل الاجتماعي المؤثرون المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، كما يكثر هؤلاء أيضًا في حلقات البودكاست المخصّصة على Spotify.
وإلى أن يتمّ نشر المبادئ التوجيهية – ودمجها في الممارسة الطبية – سيظلّ مشهد اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لدى البالغين فوضويًا. سيستمر بعض الأشخاص في الحصول على وصفات “أديرال” الطبية التي لا يحتاجون إليها، وقد لا يتمكن آخرون من الحصول على وصفة “أديرال” الطبية التي يحتاجون إليها. ولم يكن من الممكن للقواعد وحدها أن تمنع هذا النقص، ولن توقفه الآن. ولكن لسببٍ أو لآخر، فإنّ غياب هذه القواعد يعني أن العديد من الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدة لعلاج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه غير قادرين على الحصول عليها.
