القائمة الرئيسية

ثلوج على سطح المريخ

ثلوج على سطح المريخ
ملخص المقال

يتناول المقال ظاهرة تساقط الثلوج على سطح المريخ، حيث تستكشف العالمة نورة السعيد وعلماء آخرون طبيعة الثلج المريخي، الذي يختلف عن ثلج الأرض، إذ يتكون من ثاني أكسيد الكربون ويتساقط في ليالي الشتاء القطبي الطويلة. رغم الجفاف الشديد للكوكب، فإن ظروفه تسمح بتراكم ثلوج جافة على المنحدرات والحفر، لكنها لا تشكل بنفس طريقة الثلج المائي. يناقش العلماء إمكانية ممارسة أنشطة شتوية مثل التزلج وصنع رجال الثلج، لكن طبيعة الثلج الجاف تجعل هذه التحديات مختلفة. يختتم المقال بالإشارة إلى أن دراسة هذه الظواهر قد تساعد في فهم تطور الكواكب الأخرى، مما يثير خيال العلماء حول إمكانية الحياة في الماضي السحيق للمريخ.

بقلم: مارينا كورين

غالبًا ما فكَّرت نورة السعيد في بناء رجل ثلجٍ على سطح المريخ.

دعونا نتفحص تلك العبارة مرة أخرى. تريد بناء رجل ثلج على سطح المريخ؟ ذلك الكوكب الذي يشبه الصحراء القاحلة؟ الكوكب المملوء بالرمال؟ ما حُلم اليقظة غير الاعتيادي هذا؟

لكن نورة تعرف بعض الأشياء التي نجهلها. فهي عالِمة كواكب تعمل في جامعة كولورادو في بلودر، وعملها يعتمد على بيانات من مركَبة فضائية تدور حول كوكب المريخ تابعة لوكالة ناسا. هي تقوم بدراسة المناطق القطبية للكوكب الأحمر والجزيئات الغريبة المعلقة في الغلاف الجويّ فوقهم. لذلك، هي تعلم أن الثلج يتساقط على سطح كوكب المريخ.

وكما هو الحال على كوكب الأرض، تتواجد الفصول على كوكب المريخ، وخلال فصل الشتاء –الذي يعادل ضعف طول الشتاء لدينا– تتساقط البلورات الجليدية من السُّحب وتتجمع على السطح المتجمد. وقد يبدو هذا أمر غير معقول، نظرًا لشدة جفاف سطح المريخ. ولكن كوكب المريخ يتغلب على ذلك الجانب الفني عن طريق استبدال الثلج المائي المعقد سداسي الجوانب بشيء آخر. فالغلاف الجوي المريخي، وهو أقل سُمكًا بعدة مرات من غلاف الأرض الجوي، يتكون بشكلٍ أساسي من ثاني أكسيد الكربون. وفي أقسى الظروف، يتحول ثاني أكسيد الكربون من غازٍ إلى بلورات صغيرة من الثلج مكعبة الشكل – على وجه التحديد يتحول إلى ثلج جاف، النوع الذي نستخدمه نحن أبناء الأرض لتصوير مشهد مخيف في عيد الهالوين. وذلك الثلج ثقيل جدًا بحيث لا يمكنه البقاء طويلاً في سماء المريخ، لذلك يتساقط ثمّ يتجمع في أكوامٍ ضحلة على الكوكب الأحمر.

المريخ هو الكوكب الذي -بصرف النظر عن الأرض- ترك على الأرجح أكبر انطباعٍ في مخيّلة العالم. فنحن نعرف كوكب المريخ على أنه الكوكب الذي تتواجد على سطحه المركبات الجوّالة، والكوكب الذي يريد إيلون ماسك أن يتخذه الناس منزلاً ثانيًا، والذي يُعد الوجهة القادمة بعد زيارة البشر للقمر. ولكن خلف كل ذلك الاهتمام، توجد تفاصيل أكثر دقة وإذهالاً عن الكوكب الرابع بُعدًا عن الشمس، مثل البيئة الصوتية الطبيعية الساحرة، وتشكيلاته الصخرية المختلفة الطبقات والملامس المشابهة لحلوى الميل فاي. ويعد ثلج ثاني أكسيد الكربون أحد عجائب كوكب المريخ العديدة. 

أخبرني بول هاين، عالِم الكواكب في جامعة كولورادو في بولدر الذي يدرس تساقط الثلوج على سطح المريخ، أن العلماء بدأوا يشكّون في أن مناطق المريخ القطبية قد تكون باردة بما فيه الكفاية لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى ثلج. لذا قامت بعثة ناسا في السبعينيات بأخذ ملاحظات تمّ تفسيرها لاحقًا على أنها أولى علامات تساقط الثلوج المكونة من ثاني أكسيد الكربون. في عام 2008، اكتشفت مركبة فضائية هبطت في السهول الشمالية للمريخ أدلة على تساقط الثلوج – النوع المكوّن من تحول الماء إلى الثلج – من الغلاف الجوي. ولكن لم يكن هناك أيّ دليل على وصول الثلج المكوّن من الماء إلى سطح المريخ، فغلاف المريخ الجوي رقيق جدًا لدرجة أن الماء يتسامى إلى غاز قبل أن تتمكّن البلورات من ملامسة السطح.

ومع ذلك التقطت المركبة المدارية لاستطلاع المريخ “Mars Reconnaissance Orbiter”، التي تدور حول كوكب المريخ منذ أكثر من 15 عامًا، وصول ثلج مكوّن من ثاني أكسيد الكربون للسطح. (ليس لدى العلماء أدلة فوتوغرافية أو مقاطع فيديو لتساقط الثلج المكوّن من ثاني أكسيد الكربون، بل فقط الاكتشافات التي تمّ إجراؤها باستخدام تكنولوجيا الليزر والملاحظات بالأطوال الموجية غير المرئية لأعيننا، “بما أن معظم الثلوج على المريخ تتساقط في ظلام الليل القطبي، فإننا بحاجةٍ لاستخدام أطوال موجيَّة من الإشعاعات خارج الطيف المرئي” بحسب هاين). أخبرني سيلفان بيكيو، عالِم الأبحاث الذي يدرس كوكب المريخ في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا، أن الثلوج تتجمع معظمها بالقرب من المناطق المنحدرة مثل جوانب المنحدرات وأطراف الحفر. وقال إن ما يكفي منها يتراكم –افتراضيًا– للمشي عليها بالحذاء الثلجي.

تلك الفكرة تدغدغ المخيّلة. فكيف سيكون شعور الوقوف على سطح المريخ في منتصف الشتاء، عندما تكون درجات الحرارة قد وصلت الكم الكافي من البرودة لتساقط بعض الجزيئات من السماء؟ يتساقط الثلج فقط في ليالي المريخ الباردة، لذا إذا أحضرت معك بعض نظارات الرؤية الليلية، فسترى أنك محاط بضبابٍ لامع. إن رقاقات الثلج المكوّنة من ثاني أكسيد الكربون صغيرة جدًا، أصغر من عرض خصلة شَعر – وأصغر بكثير من نظيراتها من الثلج المكوّن من الماء السداسي الجوانب، وكما قالت نورة: “لن تبدو بجمالِ ما هي عليه في الأرض”. 

لكن عاصفة ثلجية مريخية ستكون جميلة بطريقتها الخاصة. قال هاين: “ستكون هادئةً بشكلٍ غير اعتيادي”. وقد تتمكن أيضًا من سماع صوت سقوط مكعبات ثلج صغيرة مكوّنة من ثاني أكسيد الكربون على الأرض. وقال أيضًا إن عاصفة من الرياح قد تشكّل “عمودًا غير شفّاف من الثلج المتلألئ” و”الثلج” – كلمتان قد تعيدان تشكيل صورتك الذهنية عن كوكب المريخ. 

لذا إذا تمكّن روَّاد الفضاء –نظريًا– من المشي على الكوكب الأحمر بالأحذية الثلجية، فماذا يمكنهم أن يفعلوا غير ذلك؟ قال هاين: “من الأرجح صعوبة التزلج هناك”. وقال أيضًا: “جزء مما يجعل التزلج ممكنًا على كوكب الأرض هو أن طبقة رقيقة من الماء السائل تتشكّل على أسطح جزيئات الجليد عندما تخلق زلاجتك احتكاكًا، مما يؤدي إلى تسهيل حركتك”. لكن على سطح المريخ، قد يسبب ذلك الاحتكاك في تحول جزيئات الثلج إلى بخار -يتصاعد للأعلى- والذي “من المحتمل أن يجعل حركة زلاجاتك غير متوقعة”. 

ولا يعرف الخبراء ما إذا كان من الممكن إقامة أنشطة الشتاء الكلاسيكية الأخرى على سطح المريخ. حيث قالت نورة: “إن فكرة التعامل مع الثلج المكون من ثاني أكسيد الكربون غريبة جدًا بالنسبة لي”، “سيكون مبدأً جديدًا بالكامل”. أمّا بيكيو ليس متأكدًا مما إذا كان الثلج المكوّن من ثاني أكسيد الكربون سيتكتّل بما يكفي ليشكّل كرة ثلج، ناهيك عن رجل ثلج؛ وقال إن الثلج الجاف لا يشكّل معضلةً كيميائيةً، لكن كيفية تصرف المادة في ظل ظروف كوكب المريخ أكثر غموضًا. وعلى أقل تقدير، قد تتمكن من صناعة مَلاك ثلج. وماذا عن إمكانية فتح فمك لالتقاط رقاقة ثلج مكعبة الشكل؟ “يجب عليك ألا تخرج لسانك على كوكب المريخ أبدًا!” قال هاين (كان عليّ أن أتأكد!).

لا يزال هناك الكثير من الأشياء لنتعلّمها. قال بيكيو: “قد يكون الثلج عملية عالمية لـ[العوالم] ذات الغلاف الجوي”، “إن تعلّم كيفية عمل ذلك قد يخبرنا قليلاً عن الكواكب، ما الذي يشكّل أسطحها، وكيف تتطور، وما تبدو عليه”. يفترض العلماء أن المريخ كان أشبه بالأرض قبل بضع مليارات من السنين، حيث كان دافئًا ومعتدلاً، وبه بحيرات وبِحار حقيقية. وربما تساقطت الثلوج أكثر في ذلك الوقت أيضًا، مع وجود رقائق كبيرة من المياه المتجمدة، ولا يزال تأثير ذلك الهطول القديم راسخًا في قطبيّ الكوكب. 

منذ عقود عديدة، وقبل وصول أيّ روبوتات فضائية إلى المريخ، تخيل العلماء أن الكوكب الأحمر مكان صاخب، معتقدين أن العلامات السطحية التي رأوها من خلال تلسكوباتهم كانت دليلاً على الهندسة الذكية. كتب عالِم الفلك بيرسيفال لويل بتفصيل عن هذه العلامات، التي أسمَاها القنوات، في مجلة ذا أتلانتيك (The Atlantic) عام 1895، مما أثار في خيال العالم الوعد المثير بكوكب المريخ المأهول. لكن الأمر لم يكن كذلك: أيّ حياة ربما تكون قد نشأت على المريخ إما ميتة منذ فترة طويلة أو مختبئة عن الأنظار، مدفونة بعيدًا عن وهج الشمس. وقد كانت الاختلافات مع كوكب الأرض مخيبةً للآمال. 

لكن لا تزال هناك انعكاسات مألوفة، كما أدرك لويل نفسه، فقد كتب: “إذا كان علم الفلك يعلّمنا أيّ شيء، فهو يعلّمنا جزء من تطور الكون، وأن التشابه على الرغم من تنوع التفاصيل من المتوقع حتمًا أن يكون في مجموعة الأجرام السماوية من حوله”، “فيتعلّم أنه على الرغم من أنه ربما لن يجد نظيره في أيّ مكان أبدًا، إلا أنه مقدّر له اكتشاف أيّ عدد من الأقرباء المنتشرين عبر الفضاء”. أقرباء مثل ثلج المريخ – ربما لا يكفي لصنع رجل ثلج حقيقي، لكنه بالتأكيد كافٍ لإثارة خيالنا على بعد ملايين الأميال.

المصدر

 

مقالات ذات صلة