في الوقت الذي يجتمع فيه القادة في إسطنبول ضمن الاجتماع الخاص للمنتدى الاقتصادي العالمي حول «تحرير الموارد من أجل التنمية الإقليمية»، من المهم أن نتذكر أن إحدى أكثر الطرق كفاءة للحفاظ على الموارد العامة والخاصة وتنميتها لتحقيق التنمية المستدامة تكمن في الوقاية من الأمراض.
هذا مبدأ أساسي في الصحة العامة: الوقاية من المرض أقل تكلفة بكثير من علاجه. فالسكان الأصحاء يخفضون التكلفة الإجمالية للرعاية الصحية، مما يوفر موارد يمكن توجيهها نحو التنمية. كما أن السكان الأصحاء يسهمون بشكل أكبر في التنمية لأن الإنتاجية الفردية تزداد بتحسُّن الصحة العامة.
لنتناول مثال شلل الأطفال، هذا الفيروس الذي يسبب الشلل وقد يكون قاتلاً أحياناً، والذي استهدفه العالم بحملة عالمية للقضاء عليه منذ عام 1988. اليوم، ولحسن الحظ، تم القضاء على المرض تقريباً، إلا أنه لا يزال موجوداً في بعض مناطق العالم، بما في ذلك أجزاء من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، وهذه الحقيقة يجب أن تكون مصدر قلق لأي شخص معني بالتنمية في هذه المنطقة.
لننظر إلى الصورة الكبيرة من الناحية الاقتصادية. حتى اليوم، أنفق العالم – بقيادة المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال – أكثر من 11 مليار دولار للقضاء على المرض. من هذا المبلغ ساهمت الحكومات في جميع أنحاء العالم بنحو 9 مليارات دولار. ومن الجهات الرئيسية الأخرى التي ساهمت في ذلك منظمة روتاري الدولية ومؤسسة بيل وميليندا غيتس.
إنه استثمار ضخم في الصحة، يتفق معظم خبراء التنمية الدولية على ضرورة حمايته، لكن هناك فوائد اقتصادية أكبر بكثير للقضاء على شلل الأطفال. وقدّرت دراسة نُشرت عام 2010 أنه عند التخلص من عبء شلل الأطفال بشكل كامل، ستحقق الدول فوائد عالمية تتراوح بين 40 و50 مليار دولار خلال العقود القادمة نتيجة ارتفاع الإنتاجية وانخفاض نفقات الرعاية الصحية المتعلقة بالمرض، وستتركز معظم هذه الفوائد في الدول النامية، وهو ما يمثل مكسباً اقتصادياً هائلاً في المناطق التي هي بأمس الحاجة إليه.
الآن دعونا ننظر إلى الجانب الإنساني: حماية أطفال العالم من هذا المرض الرهيب وغير القابل للعلاج، ولكن القابل للوقاية التامة من خلال اللقاحات، فهذه في الواقع هي الغاية من كل هذه الجهود الهائلة.
الخبر السار هو أن حالات شلل الأطفال تراجعت بأكثر من 99% من نحو 350,000 حالة جديدة سنوياً في عام 1988، عند إطلاق مبادرة القضاء على المرض، إلى أقل من 420 حالة فقط خلال عام 2013 بأكمله. وتم تطعيم أكثر من 2.5 مليار طفل بلقاح شلل الأطفال الفموي، مما حال دون إصابة أكثر من 10 ملايين طفل بشلل دائم.
اليوم، لا يزال شلل الأطفال متوطناً في ثلاث دول فقط: أفغانستان ونيجيريا وباكستان. والتحدي يكمن في أن هذه الدول الثلاث تعمل كمستودع يعيد من خلاله الفيروس الظهور وإصابة الأطفال في مناطق تم القضاء فيها على المرض سابقاً. في عام 2013 وحتى الآن، ظهرت حالات جديدة لشلل الأطفال في الصومال والكاميرون وغينيا الاستوائية وإثيوبيا، ومن الأهم لمنطقتنا حالتان في العراق و36 حالة في سوريا، وهما دولتان ساهم الصراع الجاري فيهما في عودة المرض.
لحسن الحظ، تركيا التي تخلو من شلل الأطفال منذ عام 1998، ما زالت تحافظ على مستويات مرتفعة من التغطية باللقاح، حيث يتم تحصين حوالي 98٪ من الأطفال الأتراك ضد شلل الأطفال. لكن رغم ذلك، تظل تركيا عرضة لخطر عودة الفيروس بسبب الأعداد الكبيرة من اللاجئين القادمين من سوريا، حيث تُعتبر مخيمات اللاجئين التي تفتقر عادةً إلى المياه النظيفة والصرف الصحي بيئة خصبة لشلل الأطفال وأمراض أخرى معدية. ويستحقُّ للحكومة التركية الثناء لدعمها القوي ومشاركتها في حملات التطعيم الطارئة بقيادة منظمة الصحة العالمية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بعد تأكيد الحالات في سوريا والعراق.
لكن إذا عاود شلل الأطفال الظهور في تركيا، فإن السيناريو قد يصبح أكثر قتامةً لأنه قد يؤدي إلى عودة العدوى إلى أوكرانيا، حيث يؤدي الصراع هناك بالفعل إلى إضعاف نظام صحي متدهور أصلاً. تاريخياً، ساهمت السياحة والتجارة في خلق حركة كبيرة من الأفراد بين أوكرانيا وتركيا، ويضيف ضغط اللاجئين الحالي من الجنوب عامل خطر إضافي.
وأوكرانيا التي لم تشهد حالات شلل الأطفال منذ عام 1996، تواجه بالفعل مشكلات خطيرة خاصة بها. فقد أصدرت منظمة الصحة العالمية هذا الشهر تحذيراً حول المخاطر التي تواجه أوكرانيا مع اقتراب فصل الشتاء، بما في ذلك مئات الآلاف من النازحين بسبب الصراع، وانخفاض معدلات التطعيم، والمستشفيات المغلقة، ونقص العاملين في القطاع الصحي، والنقص الحاد في اللقاحات.
حتى قبل بدء الاضطرابات التي أدت إلى الأزمة الحالية في نوفمبر الماضي، حذرت اليونيسيف من أن «انخفاض معدلات التطعيم بشكل خطير» يعرض أوكرانيا لخطر تفشي شلل الأطفال. الصراع وتفشي المرض في سوريا، المجاورة لتركيا، يزيدان من هذا الخطر.
تتحرك منظمة الصحة العالمية واليونيسيف بسرعة لتقديم المساعدة الطبية الطارئة، بما في ذلك تطعيم أطفال أوكرانيا ضد شلل الأطفال والنكاف والحصبة والسعال الديكي وأمراض أخرى يمكن الوقاية منها باللقاحات، لمنع حدوث حالة طوارئ صحية شاملة.
في الوقت الذي تتفاعل فيه هذه السيناريوهات الخطيرة بين هذه المجموعة من الدول المجاورة – والتي نأمل أن تنتهي لمصلحة المنطقة بأكملها وسكانها – من الحكمة أن يهتم القادة الوطنيون والدوليون والمخططون والمحللون والعاملون في التنمية بهذا الوضع. إن هناك مخزوناً هائلاً من الموارد العامة والخاصة على المحك، وهي موارد ضرورية للغاية لتعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة. ولكن الأهم من ذلك كله، هو حماية صحة وسلامة ورفاهية أثمن مواردنا على الإطلاق: أطفالنا.
الكاتب: جون هيوكو، الأمين العام لمنظمة روتاري الدولية الإنسانية.
الصورة: طفلة تتلقى لقاح شلل الأطفال خلال حملة لمكافحة المرض في ضواحي جلال آباد، 18 أغسطس 2014. رويترز/ بارويز
