التحول المزدوج يعيد تشكيل أسواق العمل ويغير أنواع المهارات المطلوبة. تواجه دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تحديات صعبة في التكيف مع هذا التحول، بما في ذلك خلق فرص العمل وفقدانها في مواقع مختلفة، واعتماد المناطق على القطاعات المتراجعة، والحاجة إلى معالجة فجوات المهارات ونقص القوى العاملة، وضغوط ديموغرافية.
تتبع كل منطقة نهجًا فريدًا في مواجهة التحول المزدوج، مستفيدة من قوتها الاقتصادية لتجاوز العقبات واغتنام الفرص الجديدة لبناء اقتصادات أكثر مرونة.
رحلات مختلفة نحو التحول المزدوج
يكشف ""مؤشر التحول المزدوج"" الجديد لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن تعرض المناطق للتحول المزدوج، والمهارات المطلوبة، والطلب على العمل، وتكيف المناطق — مما يساعد في تحديد المجالات التي تحتاج إلى تحسين بينما يدعم تطوير السياسات المستهدفة. يظهر أن حوالي 17% من الوظائف في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هي وظائف خضراء — وهي نسبة في نمو في معظم المناطق، بينما تنخفض الوظائف في الصناعات ذات الانبعاثات العالية في 9 من أصل 10 مناطق في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ومع ذلك، يختلف معدل الوظائف الخضراء بشكل كبير، حيث يتراوح بين 8% إلى أكثر من 30% حسب المنطقة.
التغير في حصة الوظائف الخضراء في مناطق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية خلال 5 سنوات.
المدن تتسابق إلى الأمام
نظرًا لوجود العديد من الوظائف منخفضة الانبعاثات في الصناعات الخدمية والتكنولوجية المتقدمة، قد تجد المدن أنه من الأسهل الحفاظ على الوظائف وخلقها خلال التحول. مثالان على ذلك هما ستوكهولم في السويد وزيورخ في سويسرا، اللتان تمتلكان اثنين من أعلى حصص الوظائف الخضراء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (32% و28% على التوالي)، وحصة صغيرة من الوظائف في الصناعات ذات الانبعاثات العالية (9% و14%). كما أن هذه المناطق لديها عدد قليل من الوظائف المعرضة لخطر الأتمتة — حوالي 2% لكل من المنطقتين، مقارنة بمتوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البالغ 8%.
في هذه المناطق، من المهم دعم تطوير المهارات لمواكبة الطلب المتزايد. تظهر الوظائف الخضراء والرقمية شدة أعلى من المتوسط — وهو مقياس شائع للندرة في سوق العمل — في 9 من أصل 10 مناطق في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. في المتوسط، تعتبر الوظائف الخضراء أكثر ندرة بمقدار 1.5 مرة مقارنة بالوظائف الأخرى، بينما تعتبر وظائف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أكثر ندرة بمقدار 2.7 مرة. لمواجهة هذه الندرة، يمكن للمناطق إنشاء فرص للتعلم للكبار وتعميق الشراكات بين مقدمي التعليم والصناعة والعمال.
إحياء المناطق الصناعية
من ناحية أخرى، توجد تحديات أمام المناطق الصناعية التي تعتمد بشكل كبير على القطاعات ذات الانبعاثات العالية مثل تعدين الفحم، واستخراج النفط والغاز، والتصنيع الكثيف للطاقة. في المتوسط، انخفضت حصة الوظائف في الصناعات ذات الانبعاثات العالية بنسبة 0.6 نقطة مئوية خلال السنوات الخمس الماضية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ومع ذلك، فإن الفروق الإقليمية كبيرة، حيث تتراوح التغييرات من زيادة قدرها 4 نقاط مئوية إلى انخفاض قدره 5 نقاط مئوية، وغالبًا ما تحدث الانخفاضات الأكبر في المناطق الصناعية. كما أن الدخول تتعرض للضغط في هذه المناطق، حيث يعاني العمال في القطاعات المتراجعة من خسائر في الأجور بنسبة 24% أكبر من أولئك الذين يعملون في الصناعات الأخرى خلال السنوات الست الماضية.
يمكن للمناطق الضعيفة الاستفادة من دعم العمال في إعادة اكتساب المهارات. إحدى المبادرات التي تعالج هذا التحدي هي مبادرة RES-SKILL التابعة للاتحاد الأوروبي. تشغل ألمانيا وبولندا والمجر واليونان معًا 81% من قوة العمل في قطاع الفحم في الاتحاد الأوروبي، ومن المتوقع أن تتأثر بشكل كبير بفقدان الوظائف بسبب التحول. يشمل برنامج RES-SKILL مقدمي التعليم وأرباب العمل والعمال في المناطق الأكثر تأثرًا بتحول الوظائف، بهدف تعزيز التعليم والتدريب المهني للعمال السابقين في قطاع الفحم، مما يُحسن فرص إعادة توظيفهم ويُعالج احتياجات القوى العاملة الجديدة في قطاع الطاقة المتجددة.
لكنهم يحتاجون أيضًا إلى خلق وظائف جديدة، والعديد منهم بدأ بالفعل في اغتنام الفرص التي يقدمها التحول لمواكبة التغيير وتحويل اقتصاداتهم. على سبيل المثال، منطقة غراند إيست في فرنسا، وهي منطقة ذات نشاط صناعي كبير، خاصة في قطاع السيارات، تشهد ازدهارًا في الوظائف الخضراء. فقد زادت حصة هذه الوظائف في المنطقة بنسبة 12.6 نقطة مئوية على مدار السنوات الخمس الماضية، متفوقة بشكل كبير على متوسط الزيادة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وفرنسا البالغ 4.3 و 0.7 نقطة مئوية على التوالي.
جزء من استراتيجيتها كان مبادرة ""الحدائق الصناعية المستقبلية"" لمكافحة التصنيع في المناطق النائية من خلال تحويلها إلى مناطق صناعية مستدامة. قامت الوكالة الإقليمية، Grand E-Nov+، بإنشاء أداة لتقييم الحدائق الصناعية الحالية وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تحسين. تهدف هذه المبادرة إلى جذب صناعات واستثمارات جديدة من خلال تحسين البنية التحتية، والاستدامة، والتركيز على الأنشطة الاقتصادية ذات القيمة العالية، مما يمكن أن يساعد في معالجة التحديات التي يفرضها التحول المزدوج مثل جذب المواهب المحدود، وتحويل الأنشطة الصناعية من الصناعات ذات الانبعاثات العالية إلى الأنشطة منخفضة الانبعاثات.
جذب المواهب
تواجه العديد من المناطق في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تحديات ديموغرافية ونقصًا في القوى العاملة، حيث يوجد في المتوسط أقل من شخصين في سن العمل لكل شخص فوق سن الـ65. بالإضافة إلى تعزيز المهارات المحلية، يمكن أن تستفيد المناطق من استراتيجيات تهدف إلى جذب المواهب من الخارج وتوفير مسارات واضحة للوظائف في القطاعات المتوسعة لتلبية الطلب المتزايد.
في ولاية لويزيانا، الولايات المتحدة، يهدف برنامج ""Capturing Better Futures"" إلى جذب الشباب إلى الوظائف الخضراء من خلال التركيز على توفير فرص عمل عالية الجودة. تواجه المنطقة نقصًا في العمالة في قطاع التقاط الكربون المتنامي، وتتعرض للهجرة من الشباب بسبب محدودية الفرص الوظيفية. يقدم البرنامج دورة تدريبية ممولة بالكامل لمدة عام في التقاط الكربون لطلاب المدارس الثانوية، تؤدي إلى برامج تدريبية مسجلة حيث يستمر الطلاب في التدريب مع الحصول على أجر كامل، تأمين صحي، وفوائد أخرى.
تسعى بعض السياسات الأخرى، مثل ""Copenhagen Capacity"" (Copcap) في الدنمارك، إلى جذب المواهب الأجنبية لمعالجة فجوات القوى العاملة المحتملة. تنفذ هذه المبادرة مجموعة من الإجراءات لجذب والاحتفاظ بالمواهب الأجنبية، بما في ذلك حملات ترويجية مستهدفة لتعزيز الدنمارك كوجهة جذابة للعمال، وتقديم حزم دعم للمغتربين، والاحتفاظ بالمواهب في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) من خلال فعاليات وبرامج مهنية متخصصة تربط المحترفين المهرة بالفرص المحلية.
الطريق إلى الأمام للمناطق في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)
تعتبر الأساليب المعتمدة على الأدلة واستخبارات سوق العمل أمرًا بالغ الأهمية لفهم هذه الاختلافات الإقليمية وتشكيل استجابات سياسية فعّالة. أدوات مثل ""مؤشر التحول المزدوج لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية"" (OECD Twin Transition Tracker) تمكن المناطق من الوصول إلى البيانات والمقارنات الدولية، مما يساعد صانعي السياسات على تحديد الأولويات السياسية، كما يتيح للمناطق الأخرى التعلم من بعضها البعض حيث يحدد كل منها مساره الفريد عبر التحولات المزدوجة.
