في هذه المرحلة، بالنسبة لمُعظمنا، تبدو العمُلات الرقمية وكأنها لم تكُن أكثر مِن مجرد هبّة. بعد إفلاس FTX وانهيار العُملات الرقمية على نطاقٍ أوسع في العامِ الماضي، توقّف جميع المشاهير الذين كانوا يروّجون للعُملاتِ الرقمية. عُملة “MiamiCoin”، التي روَّج لها عمدة ميامي فرانسيس سواريز كمصدرٍ جديد لدخل المدينة، أصبحت الآن عديمة القيمة. في الآونةِ الأخيرة، خاطب رئيسُ هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية شركات العُملات الرقمية محذرًا بوجوب “القيام بعملها ضمن حدود القانون”، أو مواجهة الإجراءات القانونية. لقد خَسِر الكثير من الناس أموالهم؛ نتيجةً لانهيار المجال، ولكن من منظور الكوكب، الانهيار خَبَرٌ سَار، باعتبارِ طاقةِ الحوسبة التي غذَّت طفرة العُملات الرقمية كبيرة للغاية؛ لدرجة أنها تسبَّبت في انبعاثات غازاتٍ دفيئة كبرى.
ولا تزال انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن العُملات الرقمية مرتفعة بشكلٍ صادم وفقًا لأداة تتبّع المجال التابعة لجامعة كامبريدج. حيث تُرَكِّزُ أداة التتبّع على عُملة البتكوين: العُملة الرقمية التي تتمتّع بأكبر حِصة في السوق على الإطلاق، ويقدّر أنه بمعدّلها الحالي “لتعدين” العُملات الجديدة، ستطلق عُملة البتكوين حوالي 62 ميجا طن من “مكافئ ثاني أكسيد الكربون” كل عام، أيّ ما يعادل -تقريبًا- انبعاثات دولة صربيا بأكملها عام 2019. هذا ارتفاع كبير من حوالي 43 ميجا طن سنويًا في ديسمبر، وأقلّ بقليلٍ من الذروة المُطلقة البالغة 74 ميجا طن -تقريبًا- في مايو 2021. يميل العديد من الأشخاص الذين استثمروا في العُملات الرقمية إلى تحمّل الكثير من التكاليف الغارقة، سواءً كانت عبر المحفظات الرقمية المليئة بمختلف العُملات المعدنية أو المسكوكات الرمزية أو الإعدادات المادية باهظة الثمن المُصمَّمة لتحقيق الزيادة الربحية. وحتى الآن بعد أن انهار المجال نسبيًا، ليس لديهم دافع للتوقف.
ولا يتضمن تعدين البتكوين فعليًا حفر أيّ شيء من الأرض، إلا إذا قمت بحساب الوقود الأحفوريّ الذي غالبًا ما يحتاجه التعدين للتزويد بالطاقة. تتضمن العملية استخدام أجهزة حاسوب مُتقدِّمة لإجراء تريليونات من العمليات الحسابية وحلّ المعادلات وإنشاء عُملات افتراضية. تُعرَف هذه الطريقة باسم: “برهان العمل”. كان تعدين البتكوين ذات مرَّة شيئًا يفعله الناس إذا كان لديهم حاسوبين احتياطيين يريدون استغلال وجودهما. مع مرور الوقت، تطلب الأمر المزيد والمزيد من القوة الحاسوبية للحصول على عُملة معدنية واحدة، ويتم الآن إجراء التعدين في عملياتٍ واسعة النطاق باستخدام أجهزة الحاسوب المُصمَّمة مسبقًا لغرض التعدين.
هذه هي مشكلة أميركا الآن. بعد أن فرضت الصين قيودًا على تعدين العُملات الرقمية عام 2021؛ زادت أعمال الحوسبة هذه في الولايات المتحدة. حيث يقوم الأشخاص الذين يقومون بالتعدين بإنشاء ورَشهم في المجتمعات ذات أسعار الطاقة المنخفضة. وقام أصحاب البُنية التحتية غير المربحة لتوليد الطاقة، مثل محطات توليد الطاقة التي تعمل بحرق بقايا الفحم، بالبدء في عمليات تعدين العُملات الرقمية؛ لخلق تدفّق آخر للإيرادات. استثمرت هذه الشركات الكثير من الأموال في أجهزتها ومساحاتها المادية، وستستمرّ في التعدين حتى تَخسر الأموال بشكلٍ كبير. أخبرتني المدافعة عن السياسات في شركة المحاماة الخضراء Earthjustice، إليزابيث موران، أنّ “هناك قول متناقل من عُمَّال المناجم: “طالما أن السِّعر يزيد عن 10000 دولار للعُملة الواحدة، فلا يزال بإمكانها توليد المال”، هذا هو السبب الرئيسي وراء استمرار العُملات الرقمية في إطلاق الكثير من الانبعاثات حتى خلال “انهيار الكريبتو”: فقد صَمدت أسعار البتكوين على وجه الخصوص، في الواقع تجاوزت للتَوّ 28000 دولارًا للعُملة الواحدة. لا تزال هذه أقل بكثير من الذروة التي بلغت حوالي 68000 دولارًا أواخر عام 2021، ولكنها تمثّل عودة العُملات الرقمية للساحة مقارنةً بالأسعار التي قلَّت عن 16000 دولارًا في الخريف الماضي.
ومن ثمّ، لا يزال من الممكن جدًا كسب المال في هذا المجال. بعض الشركات تتجاوز شبكة الطاقة بالكامل: اعتمادًا على سِعر الغاز وسِعر البتكوين، قد يكون تحويل الغاز الطبيعي إلى عُملة رقمية مربحًا بمقدار ضعف بيعه في سوق الغاز بالجملة. وفقًا للمدير الأوّل للطاقة والمناخ في المنظمة البيئية غير الربحية PennFuture، روب ألتنبرغ: تقوم شركات الغاز بإحضار مقطورة أو ثلاث مليئة بالمولّدات، وتوصيل أحد طرفيها في البئر والطرف الآخر في “حاويات شحن مليئة بمعدات تعدين البتكوين. لقد سَمِعْنا عن ثلاث شركات مختلفة تقوم بذلك. لكن لدينا الآلاف من آبار الغاز في جميع أنحاء الولاية، وببساطةٍ ليس لدينا طريقة لمعرفة أين يحدث هذا بالضبط”. يخضع التنقيب عن الغاز للتنظيم والرقابة بشكلٍ كبير، لكن عملية تعدين العُملات الرقمية في حدِّ ذاتها لا تخضع لذلك.
ووَجد تحقيق فيدراليّ حديث في ولاية كولورادو أنّ تعدين العُملات الرقمية مدعوم بآبارِ الغاز على الأراضي المستأجرة العامة، مما يؤدي إلى استهلاك الطاقة قبل أن تصل إلى الشبكة وتحويلها إلى عُملات رقمية دون دفع أيّ إتاوات. وأشار التقرير إلى أنه نظرًا لأن المولّدات وأجهزة الحفر تكون عادةً على مقطورات، يمكن التحرك في العملية بأكملها بسرعة، حتى يتمكن العاملون في التعدين من الهروب من مفتشيّ النفط والغاز الحكوميين. توجد عمليات “خفية” أخرى فعليًا في محطات توليد الطاقة. حيث شرعت محطة Greenidge لتوليد الطاقة التي تعمل بالغاز الطبيعي على ضفاف بحيرة سينيكا في شمال ولاية نيويورك في عمليةٍ ضخمة لتعدين البتكوين -تمّ توصيلها مباشرة بالمحطة- التي استهلكت عام 2021 الجزء الأكبر من الكهرباء التي تنتجها. إنّ الاستفادة من الطاقة قبل أن تصل إلى الشبكة هي إحدى الطرق التي يقوم بها القائمون بتعدين البتكوين من خلال خفض التكاليف، حيث يبحثون عن أيّ مصدر منخفض التّكلفة للطاقة ويستغلونه.
وليس من الضروري أن تُدَمِّرْ العُملات الرقمية الكوكب. انتقلت ثاني أكبر عُملة رقمية، إثريوم، إلى اعتماد طريقة مختلفة لإنشاء مسكوكاتها الرمزية المميزة في شهر سبتمبر من عام 2022. يستخدم النهج الجديد، الذي يسمَّى “برهان الحصة”، طاقة حاسوبية أقل بكثير، لدرجة أنه بعد التبديل، انخفض إجماليّ استهلاك الطاقة للشركة بنسبة 99.95%. حيث قال لي كايل شنيبس، وهو مدير السياسة العامة في فاوندري، ومموّل رئيسي للتعدين: “من المستحيل أن تتبنَّى عُملة البتكوين نهج “برهان الحصة”، لأن شبكة البتكوين لا مركزية بالكامل، ولا توجد هيئة إدارية يمكنها اتخاذ مثل هذا القرار”.
ويمكن لمصادر الطاقة المتجددة أيضًا تشغيل تعدين البتكوين تمامًا كما تعمل على تشغيل أيّ شيء آخر. يتمّ تشغيل ما يصل إلى 38% من عمليات تعدين البتكوين حاليًا بواسطة مصادر الطاقة المتجددة، وفقًا لأداة التتبع الخاصة بكامبريدج، على الرغم من أنّ لا أحد يعرف الحقيقة بشكلٍ قاطع، إلا أنّ هذه النسبة لم ترتفع منذ “انهيار” عَصر الكريبتو. قال شنيبس إن تعدين البتكوين يمكن أن يساعد في تحوّل الطاقة: يمكن لشركاتِ الطاقةِ المتجددة دائمًا بيع طاقتها إلى القائمين بتعدين البتكوين عندما يكون الطلب منخفضًا، ما يحافظ على ربحيتها بما يكفي للبقاء في العمل والنموّ. لكن ليس من الواضح ما إذا كانت عمليات التعدين التي تتم في أوقاتٍ معينة فقط ستكون مربحة.
في الوقتِ الحالي، ستظلّ عُملة البتكوين تمثّل عبئًا كبيرًا على الكوكب في اللحظةِ التي يتزايد فيها تحويل الطاقة، حيث تتوقّع جامعة كامبريدج أنّ تأثيرها البيئيّ في عام 2023 سيكون أسوأ مما كان عليه في عام 2022. قد تتوقف إعلانات Super Bowl ويختفي تأييد المشاهير، لكن العُملات الرقمية لم تمُت بعد. لا يزال المؤيدون الحقيقيون والمجرمون الدوليون متمسكون بها، ولا تزال محركات الأقراص الصلبة تتعرَّض للإجهاد في حاويات الشحن، والمستودعات الفارغة، وفي الكثيرِ من محطاتِ الطاقة، حيث تقوم بالحسابات التي لا نهاية لها، وتحصد الأموال من الكربون ومن الأمل.
تستهلكُ الكثيرُ من الأنشطةِ الرقمية الأخرى الطاقة وتتسبَّب في انبعاثات الغازات الدفيئة، مثل التحدث مع الأصدقاء، وتخزين رسائل البريد الإلكتروني المتراكمة الخاصة بالعملِ لسنواتٍ على السحابة، وتكوين صداقات مع أحد برامج الذكاء الاصطناعي المليئة بالهلوسة. أشار أحد التحليلات عام 2019 إلى أنّ حياتنا عبر الإنترنت كانت مسؤولة عن 3.7% من الانبعاثات على مستوى الكوكب، ومن المرجّح أن هذه النسبة ارتفعت منذ ذلك الحين. وشبه شنيبس استهلاك بتكوين العالمي للكهرباء بـ “ما هو قريب من استهلاك ألعاب الفيديو تقريبًا”. وحتى لو كان ذلك صحيحًا، بينما يلعب ثلثا الأمريكيين ألعاب الفيديو، يمتلك 21% فقط من الأمريكيين العُملات الرقمية، وحتى نسبة أقل من ذلك تمتلك عُملة البتكوين على وجه الخصوص. من الصعب استيعاب التأثير البيئيّ الهائل لعُملة البتكوين لأنها جزء من مجال يُعد “خِداعًا” في جوهره، على حدِّ تعبير مدوّن العُملات الرقمية جيمز بلوك في مقابلة مع تشارلي وارزل، الذي أضاف: “لم تنتج هذه الشركات أيّ شيء يُذكَر”.
يتّفق خبراء الماليَّة حول العالم إلى حدّ كبير مع بلوك. في ديسمبر، دعَا المدير العام للبنك المركزي الأوروبي، أولريش بيندسيل، المؤسَّسات المالية الجادة إلى التوقف عن إضفاء الشَّرعِية على العُملات الرقمية، قائلاً إنّ عملة البتكوين “ليست مناسبة كاستثمار”. إذا كان العالَم سيستمرّ في حرق الوقود الأحفوريّ، فمن المنطقي أن نفعل ذلك من أجل أشياء تساهم بشكلٍ حقيقيّ في رفاهية الناس، لا مِن أجل مَسكوكَات رمزية افتراضية محفوفة بالمخاطر وغير مرتبطة بأيّ شيء حقيقيّ ذي قيمة في العالَم.
