الاقتصاد الأزرق يوفر للمملكة العربية السعودية فرصة لتنويع اقتصادها.
التقنيات المتقدمة، والبيانات، والتحليلات توفر فرصًا جديدة للاستفادة من حلول مثل الطاقة المتجددة للمساعدة في الحفاظ على النظم البيئية الطبيعية في البحر الأحمر.
تُعرف المملكة العربية السعودية بمدنها المقدسة، ومناظرها الصحراوية الشاسعة والمتموجة، والطاقة الكامنة فيها. ولكن مع سعي المملكة لتنويع اقتصادها بعيدًا عن الاعتماد على النفط، فإنها تستغل وتحمي ثروات بحارها المحيطة.
من بين أكثر من 3.2 تريليون دولار من المتوقع ضخها في اقتصادها بحلول نهاية هذا العقد، توجه المملكة العربية السعودية التمويل نحو اقتصادها الأزرق الجديد لحماية محيطاتها مع ضمان نمو شامل ومستدام.
في إطار رؤية السعودية 2030، ستتدفق الاستثمارات في الاقتصاد الأزرق إلى سواحل المملكة الممتدة على طول 2,640 كيلومترًا عبر الخليج العربي والبحر الأحمر – مما يربط الدول الخليجية المجاورة ويوفر مسارًا رئيسيًا لصادرات الطاقة عبر ميناء الدمام – بالإضافة إلى أكثر من 300 جزيرة ومئات الجزر الصغيرة المنتشرة في مياهها.
تمتلك المملكة العربية السعودية ثامن أكبر تجمع للشعاب المرجانية في العالم، يغطي حوالي 6,600 كيلومتر مربع، بالإضافة إلى 204 كيلومترات مربعة من غابات المانغروف، ومئات الكيلومترات من مروج الأعشاب البحرية. كما أنها موطن لأكثر من 20 ""حفرة زرقاء"" تم اكتشافها حديثًا في البحر الأحمر.
هذه الثروة البحرية تعني أن الهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (الحياة تحت الماء)، رغم كونه الهدف الأقل تلقياً للتمويل والاستثمار على مستوى العالم، يمثل مجالًا رئيسيًا لجهود التنمية المستدامة في المملكة. ولذلك، تبنت السعودية سياسات ولوائح تنظيمية صارمة وشاملة لضمان حماية بيئتها ونظمها البيئية – بما في ذلك الهواء، والأرض، والبحر، وموائل البشر والحياة البرية.
حلول مبتكرة لحماية النظم البيئية البحرية
بينما يعتمد تطوير الاقتصاد الأزرق الجديد في المملكة على الاستخدام التقليدي للبحر في الشحن، والصيد، والترفيه – توفر التقنيات المتقدمة، والبيانات، والتحليلات اليوم فرصًا جديدة للاستفادة من حلول مثل الطاقة المتجددة للحفاظ على النظم البيئية الطبيعية في البحر الأحمر.
لتحقيق رؤية السعودية 2030، أطلقت المملكة عشرات ""المشاريع الضخمة"" لتنويع الاقتصاد وخلق وجهات عالمية المستوى للابتكار التكنولوجي، والسياحة، والترفيه، وتحسين جودة الحياة، وتوفير فرص اقتصادية شاملة.
تركز العديد من هذه المشاريع الضخمة على الركائز الأساسية للاقتصاد الأزرق، مثل السياحة التجديدية والخدمات اللوجستية البحرية. يمثل مشروعا أمالا، الذي يُعد جزءًا من البحر الأحمر العالمية، وسندالة، الذي يُعد جزءًا من نيوم، أكبر استثمارات السياحة التجديدية في العالم، وتهدف طموحاتهما إلى تجاوز حماية البيئة لتعزيز الأصول الطبيعية. يتطلب تحقيق هذه الطموحات استثمارات ضخمة في الطاقة المتجددة، والمواد المستدامة، والتصميم المبتكر، واستعادة النظم البيئية.
كما تم استثمار مليارات الدولارات في المجالات البحرية التقليدية من خلال مجمع الملك سلمان العالمي للصناعات والخدمات البحرية، والذي سيكون عند اكتماله أحد أكبر أحواض بناء السفن في العالم. أما أوكساغون، وهي جزء من نيوم أيضًا، فستُحدد نموذجًا جديدًا للاستدامة في المدن الصناعية الساحلية.
هذا التوسع في الاقتصاد البحري السعودي، إلى جانب الاستثمارات التحويلية في الابتكار والتكنولوجيا، يضع المملكة في موقع ريادي في تطوير الاقتصاد الأزرق الجديد – وهو اقتصاد أزرق يستخدم البيانات البحرية والرؤى لإنشاء اقتصاد قائم على المعرفة ومستدام.
تركز كل من هذه المشاريع على استخدام أحدث التقنيات المتاحة، بما في ذلك تقنيات مراقبة البيئة، وتحلية المياه دون انبعاثات، وتربية الأحياء المائية التجديدية، ورقمنة الشحن، والزراعة المرجانية المتقدمة. وبهذا، تتدفق موجة جديدة من الفرص إلى المملكة: فرص للنمو والابتكار مع استعادة نظمنا البيئية الحيوية.
سد الفجوة بين التكنولوجيا والاحتياجات
لردم الفجوة بين التقنيات المتاحة لدينا والأماكن التي تحتاج إليها، أنشأت العديد من مشاريع رؤية 2030 مسرّعات أعمال ناشئة، ومؤسسات بناء مشاريع، وصناديق استثمار. بالتوازي، نشأت منظومة بحث وتطوير مبتكرة لمواجهة تحديات العالم المتغير.
على سبيل المثال، ستزيد الهيئة المستحدثة حديثًا لتطوير البحث والابتكار (RDIA) التمويل التنافسي للبحث والتطوير بنسبة 600% – وهو دليل واضح على أن المملكة مستعدة لمواجهة تحدي تراجع الاستثمارات في الأفكار والمشاريع الجديدة في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى الابتكار ملحة لمواجهة أزمات المناخ المتشابكة، من انعدام الأمن الغذائي والمائي إلى حماية التنوع البيولوجي والنظم البيئية.
التزام بتحقيق أهداف التنمية المستدامة
لا يمكن تكرار الطبيعة الاستغلالية للاقتصاد البحري القديم. ففي الاقتصاد الأزرق الجديد، يجب أن يتماشى تطوير النظم البيئية البحرية وحمايتها مع الهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة، الذي يدعو إلى ""الحفاظ على المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها بشكل مستدام من أجل التنمية المستدامة"".
في السنوات الأخيرة، أطلقت السعودية التزامات تاريخية تجاه الهدف الرابع عشر. في إطار مبادرة السعودية الخضراء، تعهدت المملكة بحماية 30% من أراضيها ومناطقها البحرية بحلول عام 2030، بما يتماشى مع هدف ""30×30"" المتفق عليه في اتفاقية كونمينغ-مونتريال العالمية للتنوع البيولوجي.
خلال رئاستها لمجموعة العشرين، وافقت دول المجموعة على إنشاء مؤسسة منصة تسريع البحث والتطوير في مجال الشعاب المرجانية العالمية (CORDAP Foundation). باستثمار أولي قدره 100 مليون دولار من الحكومة السعودية، تهدف CORDAP إلى أن تكون مبادرة جريئة لمنع فقدان 70-90% من الشعاب المرجانية المتوقعة خلال العقد المقبل بسبب تغير المناخ المستمر دون رادع.
كذلك، تعمل نيوم – المنطقة الاقتصادية الخاصة المستقبلية في المملكة – مع جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST) لإنشاء أكبر حديقة مرجانية في العالم.
تعزيز الابتكار البحري
إضافةً إلى ذلك، خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في يناير 2024، قامت وزارة الاقتصاد والتخطيط في المملكة، التي تشرف على توافق المملكة مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، بتوقيع شراكة مع المنتدى لتسريع الابتكار البحري عالميًا. بدعم من وزارة الاقتصاد والتخطيط، وبالتعاون مع WAVE، ستعمل منصة UpLink الخاصة بالمنتدى على تطوير منظومات ابتكار تجمع بين أبرز المبتكرين والمستثمرين والشركاء لتوسيع نطاق الحلول اللازمة لحماية المحيط العالمي.
يزداد الزخم نحو حماية المحيطات في المملكة العربية السعودية. وسيكون توجيه المزيد من التمويل والتركيز نحو الاقتصاد الأزرق الجديد أمرًا حيويًا لوضع العالم على المسار الصحيح نحو تحقيق محيط صحي ومزدهر. ومع توقع وصول الاقتصاد البحري إلى 3 تريليونات دولار بحلول عام 2030، فإن إطلاق إمكانات الاقتصاد الأزرق يمكن أن يوفر عائدًا خمسة أضعاف، حيث يمكن تحقيق 5 دولارات مقابل كل دولار يُستثمر. هذه فرصة لا يمكن أن تفوتها السعودية والعالم لدفع عجلة التنمية والنمو الاقتصادي المستدام بالتوازي.
الشراكات الدولية مفتاح النجاح
بالنسبة للسعودية، فإن الشراكات الدولية ضرورية لحماية بيئتنا، ليس فقط لاستعادة النظم البيئية الطبيعية الصحية، ولكن لضمان ازدهارها، ومواصلة دعم الحياة البحرية والبرية المتنوعة التي تحتضنها المملكة اليوم.
يعتمد نمو ومرونة اقتصادات المستقبل على قدرتنا على ردم الفجوات بين المحيطات والتركيز على الفرص داخلها. ومن خلال رؤية 2030، ستُمكننا شراكاتنا العالمية، وحماية البيئة، والتنمية الاقتصادية المستدامة من ضمان مستقبل أكثر ازدهارًا لكوكبنا وشعوبنا. هذا ليس خيارًا، بل رحلة ضرورية يجب أن نخوضها معًا.
