في عام 2024، حقق الذكاء الاصطناعي اختراقًا كبيرًا في مجال الأعمال، حيث كانت بعض الشركات سريعة في تبني هذه التقنية. في الاتحاد الأوروبي (EU27)، كانت 13.5% من الشركات التي تضم 10 موظفين أو أكثر تستخدم الذكاء الاصطناعي في 2024، مما يمثل زيادة بنسبة 60% مقارنة بالعام السابق، وهو ما يعكس تضاعفًا في بعض البلدان.
وقد ساهم في هذا الارتفاع وصول الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI)، الذي جعل تقنيات الذكاء الاصطناعي في متناول الجميع. ومع ذلك، يظل السؤال قائمًا: هل هذا التقدم كافٍ لتجنب نشوء فجوة رقمية جديدة؟
هل يهرب البعض من السباق؟
ظاهريًا، يبدو أن الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) قد يكون أداة مساواة قوية، بشرط أن يُنشر بكفاءة وأمان عبر المناطق والشركات. في حين أن الذكاء الاصطناعي التنبؤي يُستخدم لأغراض مثل التوصيات أو الأتمتة – كتحسين الإنتاج والصيانة، وتقليل استهلاك الطاقة والمواد، أو التنبؤ بتقلبات السوق وتفعيل التسعير الديناميكي – فإنه يتطلب نماذج معقدة، وقدرة حوسبية عالية، وخبرة متعمقة.
في المقابل، يتمتع الذكاء الاصطناعي التوليدي بقدر أكبر من الإتاحة، مما يتيح للشركات الاستفادة من النماذج المدربة مسبقًا والتجربة دون الحاجة إلى مهارات تقنية متقدمة. كما أنه يوسع نطاق التطبيقات التي يمكن تخصيصها لتلبية الاحتياجات المحلية ونماذج الأعمال، على سبيل المثال من خلال مساعدة الشركات في استغلال البيانات غير المستغلة وتبسيط المهام الإدارية.
ومع ذلك، فإن التغير التكنولوجي دائمًا ما يفرز رابحين وخاسرين. وغالبًا ما تتراكم الفجوات الجديدة على الفجوات القائمة، التي تعمقت بفعل الموجات التكنولوجية السابقة. بعض الشركات تتأخر في التكيف، متمسكة بالأساليب والتقنيات التقليدية، أو تفتقر إلى الموارد والمهارات اللازمة للتحول. والنتيجة هي ظهور فجوات بين القطاعات والشركات والمجتمعات والمناطق، حيث تزدهر بعض الجهات بينما يتخلف الآخرون عن الركب.
ويصعب التغلب على التأخر في التبني. فالشركات التي تتبنى التكنولوجيا أولًا – وتحدد معايير الصناعة، وتبني سمعتها، وتؤسس شبكاتها – يمكن أن تكتسب بسرعة ميزة يصعب اللحاق بها.
ويزيد الذكاء الاصطناعي من هذه الفجوة من خلال تمكين الشركات من معالجة كميات هائلة من البيانات – بل وحتى توليد بيانات جديدة – مما يؤدي إلى نماذج أكثر دقة وأداءً أعلى. هذه النماذج، بدورها، تنتج بيانات أفضل، مما يعزز هذه الدورة. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن المنصات المدربة مسبقًا تتيح إثبات المفهوم، إلا أن التكامل العميق للذكاء الاصطناعي التوليدي، وتخصيصه، وتنفيذه على نطاق واسع لا تزال تشكل تحديات كبرى، إذ تتسم بالتعقيد الشديد وتتطلب خبرات خارجية وتكاليف مرتفعة.
هذه الفجوات باتت واضحة بالفعل في تبني الذكاء الاصطناعي اليوم، حيث تتقدم بعض الشركات والمناطق بسرعة، بينما تتخلف أخرى عن الركب.
تدخل المناطق السباق، لكن الأكثر ابتكارًا هي التي تصدّرت المشهد:
معدل تبني الذكاء الاصطناعي حسب المنطقة وأداء الابتكار (%)، الاتحاد الأوروبي 27، لعامي 2023 و2024.
بداية سريعة
في دول رائدة مثل كوريا، الدنمارك، والسويد، تتجاوز معدلات تبني الذكاء الاصطناعي بين الشركات نسبة 25%، بغض النظر عن حجمها أو قطاعها. وتتصدر مراكز الابتكار، مثل منطقة ميدتيلاند في الدنمارك ومنطقة بروكسل العاصمة في بلجيكا، بمعدلات تبنٍ تتجاوز 30%.
في القطاعات كثيفة المعرفة، مثل خدمات المعلومات والاتصالات والخدمات المهنية والعلمية والتكنولوجية، تسجل فنلندا والسويد والدنمارك معدلات تبنٍ للذكاء الاصطناعي تتجاوز 66% و45% على التوالي. وعلى عكس التقنيات السابقة التي أثرت في الغالب على الوظائف منخفضة المهارة، يمكن للذكاء الاصطناعي الآن تنفيذ المهام المعرفية المتخصصة.
من ناحية أخرى، تتخلف بعض المناطق والقطاعات في تبني الذكاء الاصطناعي، حيث تسجل تركيا نسبة 4.4%، ومنطقة غرب ترانسدانوبيا في المجر 3.3%، بينما لا تتجاوز نسبة التبني في قطاع خدمات الإقامة والمطاعم متوسط 5.4% في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD). كما تتأخر الشركات الصغيرة، حيث يبلغ متوسط معدل التبني فيها 8.5% فقط.
تظهر الفجوات الإقليمية أيضًا داخل البلدان والقطاعات نفسها. ففي إسبانيا، تستخدم 11.4% فقط من الشركات في قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات في منطقة لا ريوخا الذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ 19% في منطقة كانتابريا، وهي معدلات أقل بكثير من المتوسط الأوروبي البالغ 48.7%. وفي المقابل، تسجل منطقة إكستريمادورا، التي أصبحت مركزًا ناشئًا للابتكار الأوروبي في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطاقة المتجددة وبرمجيات ""صفر نفايات""، معدل تبنٍ مذهل يبلغ 90.5%، حيث تؤسس نفسها كمركز للبيانات لخدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي والحوسبة السحابية.
عند النظر إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) تحديدًا، يمكن أن تكون وفورات الوقت كبيرة، حيث تصل إلى 77% من الوظائف في منطقة لندن الكبرى في المملكة المتحدة، مقارنة بـ 16% فقط في ولاية غيريرو في المكسيك. كما تبرز العواصم الوطنية في الاختلافات داخل البلدان، ما يشير إلى تزايد الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية مع انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي.
المضي قدمًا في التحول القادم
لقد تجاوزنا المراحل الأولية لاعتماد الذكاء الاصطناعي، وندخل الآن مرحلة انتشار الابتكار، حيث يجني المتبنون الأوائل فوائد متسارعة. لذا، يجب على صناع السياسات التحرك بسرعة لضمان توزيع مكاسب الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، وإدارة المخاطر، ومنع تفاقم الفجوات الإقليمية.
سيعتمد تسارع هذا التحول على الهيكل الصناعي لكل منطقة، بالإضافة إلى مدى فعالية الشبكات المحلية والجهات الفاعلة في الابتكار في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن حلول تجارية موثوقة ومصممة وفق الاحتياجات المحلية.
ستلعب الحكومات المحلية دورًا محوريًا في تعزيز التعاون، سواء داخل الحدود أو عبرها، من خلال تشجيع تبادل البيانات، وتحفيز تبني الذكاء الاصطناعي عبر وضع معايير واضحة، وتنفيذ برامج تطوير المهارات، والاستثمار في البنية التحتية. كما ينبغي عليها في الوقت نفسه التصدي للمخاطر الجديدة المرتبطة بالاستخدامات غير الأخلاقية وغير الموثوقة للذكاء الاصطناعي، إذ باتت قضايا الأمن، وحماية الخصوصية وحقوق الإنسان، والسيادة الصناعية، والتنافسية الجيوسياسية جزءًا أساسيًا من أجندة التحول الرقمي.
لتحقيق الريادة، تبنت مناطق مثل كتالونيا (إسبانيا)، وكيبيك (كندا)، واسكتلندا (المملكة المتحدة) استراتيجيات متكاملة للذكاء الاصطناعي تهدف إلى تعزيز منظوماتها التقنية، ودفع تطوير التطبيقات الاجتماعية والتجارية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بالإضافة إلى بناء روابط تعاون دولية.
سباق الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بالسرعة، بل بالشمولية أيضًا. يجب على صناع السياسات التحرك الآن – بالتعاون مع الشركات والمجتمعات – لسد الفجوات، وتعزيز الثقة، وإطلاق الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي لصالح الجميع.
