القائمة الرئيسية

هل يمكن للخدمات أن تمنع تقلص المدن؟

هل يمكن للخدمات أن تمنع تقلص المدن؟
ملخص المقال

يتناول المقال التحديات التي تواجه المناطق الريفية بسبب التراجع السريع في عدد السكان، مما يزيد الضغط على الخدمات المحلية ويصعب استمرار المرافق الصغيرة. يتطرق المقال إلى أهمية المراكز الإقليمية كمحاور خدمية، حيث توفر خدمات أكثر من المستوطنات الأخرى، لكنها ليست محصنة ضد تراجع السكان. كما يوضح كيف أن التقنيات الرقمية قد تقلل الحاجة للوصول الفعلي إلى الخدمات، ولكن المراكز الإقليمية تظل ضرورية لدعم جودة الحياة، خاصة للفئات الأكثر ضعفًا. في النهاية، يدعو المقال إلى تبني استراتيجيات ذكية لتقديم الخدمات المحلية مع اعتماد الحلول الرقمية والنقل المرن، مما يساعد المجتمعات على التكيف مع التغيرات الديموغرافية.

تفقد العديد من المناطق الريفية سكانها بسرعة، مما يضع ضغطًا على الخدمات المحلية. ومع قلة عدد السكان الذين يمكنهم العمل في هذه الخدمات أو استخدامها أو تمويلها، تواجه المرافق الصغيرة صعوبة في الاستمرار. في الوقت نفسه، قد يهاجر الناس من هذه الأماكن بسبب عدم قدرتهم على الوصول إلى الخدمات التي يحتاجونها. فهل يمكن لتعزيز تقديم الخدمات أن يساعد في كسر هذه الحلقة المفرغة من التراجع؟

المراكز الإقليمية كمحاور خدمية، لكنها ليست محصنة ضد تراجع السكان

يستخدم تقريرنا الجديد بيانات جغرافية لرسم خريطة الوصول إلى الصيدليات والمدارس والبنوك والمستشفيات والجامعات، حيث يسلط الضوء على الدور المهم للمراكز الإقليمية (أكبر المستوطنات ضمن نطاق 30 دقيقة بالسيارة). تقدم هذه المراكز خدمات أكثر مقارنة بالمستوطنات الأخرى ذات الحجم المماثل، مما يجعل تجميع الخدمات فيها وتحسين إمكانية الوصول إليها وسيلة أكثر كفاءة لتقديم الخدمات الريفية.

على النقيض من ذلك، تميل المدن والقرى القريبة من الحضر إلى امتلاك خدمات أقل. على سبيل المثال، لا تحتوي سوى ثلث المدن التي تقع على بُعد أقل من 30 دقيقة بالسيارة من مدينة على مستشفى، مقارنة بـ 78% من المدن التي تعد مراكز إقليمية، و47% من المدن الأخرى التي تبعد أكثر من 30 دقيقة عن المدينة. كما أن المدن القريبة من الحضر تمتلك عددًا أقل من البنوك والصيدليات والمدارس. هذا أمر منطقي، حيث تعمل المدن البعيدة عن الحضر كمراكز خدمية لسكانها والمجتمعات المجاورة، بينما تعتمد المدن القريبة على الخدمات المتوفرة في الحضر نفسه.

الاقتراب من النشاط لا يضمن النمو

مع ذلك، تُظهر بياناتنا أن الوصول إلى الخدمات التي توفرها المراكز الإقليمية لا يشكل حماية كافية ضد تراجع السكان. فقد شهدت القرى الأوروبية التي تبعد أكثر من 30 دقيقة عن المدن، وتعمل كمراكز إقليمية، انخفاضًا سكانيًا يقارب 2% بين عامي 2011 و2021، مما يهدد قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات الحيوية. في المقابل، غالبًا ما شهدت المستوطنات الصغيرة القريبة من المدن نموًا سكانيًا؛ حيث نمت القرى التي تتمتع بإمكانية الوصول إلى المدن بنسبة 4.5%، متجاوزة حتى معدل نمو السكان في المدن نفسها.تعكس هذه التحولات السكانية أيضًا أسعار المنازل: فالمدن والقرى القريبة من الحضر تكون أغلى بكثير، لكن في المتوسط، لا يدفع السكان تكلفة أعلى للعيش في مركز إقليمي مقارنة بالمستوطنات الأخرى البعيدة عن المدن.

اختيار الحجم المناسب

قد يكون التراجع في شعبية المراكز الإقليمية مرتبطًا جزئيًا بتحسن توفر الأدوات الرقمية. على سبيل المثال، يستخدم حوالي ثلاثة من كل أربعة مستخدمين للإنترنت في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) الخدمات المصرفية عبر الإنترنت والخدمات الحكومية الرقمية. يمكن أن يقلل الوصول إلى هذه الخدمات – وغيرها – عبر الإنترنت بشكل كبير من الحاجة إلى الوصول المادي إلى المرافق. كما أن تطور الذكاء الاصطناعي يوفر العديد من البدائل الرقمية الجديدة.

ومع ذلك، ستظل المراكز الإقليمية والخدمات المادية التي تقدمها ضرورية لدعم جودة حياة بعض السكان. فالأشخاص الذين يجدون صعوبة في السفر لمسافات طويلة، مثل كبار السن وذوي الاحتياجات الصحية، غالبًا ما يواجهون تحديات في استخدام البدائل الرقمية. وحتى أولئك الذين يعتادون على الخدمات الرقمية لا يزالون بحاجة إلى الوصول المادي إلى بعض الخدمات مثل رعاية الأطفال أو العلاج الطبيعي. لذلك، يجب توفير خيارات نقل مناسبة في المناطق الريفية لضمان وصول الفئات الأكثر ضعفًا إلى هذه المراكز – مثل خدمات النقل المرنة حسب الطلب. فعلى سبيل المثال، نفذت منطقة ""كاستيا وليون"" في إسبانيا نظام نقل حسب الطلب في المناطق الريفية، وهو متاح لنحو 70% من السكان.

صغير، لكنه جميل

مع تغير المسار الديموغرافي، ستؤدي الشيخوخة المتسارعة وتراجع أعداد السكان إلى استمرار انكماش العديد، إن لم يكن معظم، المراكز الإقليمية—رغم الجهود المبذولة لدعم الخدمات المتعثرة.

بدلاً من مقاومة هذا الاتجاه، ينبغي أن نلتزم بجعل ""الصغير جميلاً"".

ويعني ذلك التركيز على توفير خدمات محلية يسهل الوصول إليها، مثل المدارس الابتدائية والرعاية الصحية، مع اعتماد حلول فعالة من حيث التكلفة، مثل البدائل الرقمية والمتنقلة. كما يمكن دمج الخدمات المتخصصة في عدد أقل من المراكز الإقليمية، مع توفير إمكانية الوصول إليها حسب الطلب لتحقيق توازن بين الكفاءة وإمكانية الوصول. إضافة إلى ذلك، يمكن أن تعزز الأساليب المبتكرة للنقل العام في المناطق منخفضة الكثافة السكانية من الترابط والاتصال.

ومن خلال هذه الإجراءات، يمكن لصناع السياسات مساعدة المجتمعات على التكيف بذكاء مع الانكماش الديموغرافي—مع الحفاظ عليها كمجتمعات حيوية يفتخر سكانها بالعيش فيها.


المصدر: oecd cogito

مقالات ذات صلة