مقدمة
ذات يوم كان يتجول أمير فارسي غر في قصره حينما لفت شيء ما انتباهه، كان وعلى مر السنين قد استكشف جميع غرف البناء وتجاويف جدرانه، ويخيل له أن بإمكانه التنقل بين ممراته معصوب العينين، لكنه يرى أمامه الآن بابًا لم تبصره عينيه من قبل، وجده مغلقًا فاستدعى مأمور القصر والذي تنازل بدوره عن المفتاح على مضض، وما كانت إلا لحظات حتى وقف الأمير في غرفة مليئة بالذهب والمجوهرات وثروات أخرى لا حصر لها تشع كألف شمس ساطعة، سرعان ما استقرت عيناه على مجموعة من اللوحات تصور سبع أميرات جميلات ينتمين إلى سبع ممالك مختلفة، علقت على نسق دائري يتوسطها لوحة ثامنة لملك وسيم يتقلد اللؤلؤ والفضة. من هذا الحاكم النبيل؟ وما خبيئته ليحظى بهذه الصحبة الفاتنة لم يطل الأمر بالتكهن فقد كان الاسم المنقوش فوق اللوحة اسمه هو.
خرج بهرام جور من الغرفة ولم ينسى نبوءته، فحينما أصبح ملكًا بحسب نظام الحكم في حينه، أرسل عملاءه حول العالم للبحث عن النسوة اللائي وعد بهن، وعن طريق الرشوة والابتزاز والغزو حصل عليهن ليتزوج بأميرات من الهند وبيزنطة وروسيا وسلوفينيا وشمال أفريقيا والصين وبلاد فارس، ثم بنى سبعة دور حول قصره وهب كل منها لزوجة ولوطنها وليوم من أيام الأسبوع، ومنح لكل منهن عالمًا ولونا خاصا. وبمجرد أن استقرت زوجاته في منازلهن جاد بزيارة وليلة قضاها مع كل واحدة منهن على مدار أسبوع واف من المتعة.
حدثته كل زوجة عن قصة للحب والفضيلة لتختمها بذريعة ما تميز بها لونها الخاص، فأخبرته عروسه الهندية بأن الأسود سيد الألوان مشيرة إلى شعر حالك كسواد الليل، وتأكد من جهة أخرى الشقراء البيزنطية بأن الأصفر منبع البهجة، أما الروسية بلون الزمرد في عينيها فتزعم أن الأخضر هو انتقاء الروح، وتغنت السلافية ذات الشعر الناري مشيدة بالأحمر لونًا يُشعر بالحياة، وبحماسة أسهبت الأميرة الأفريقية عن رمزية النبل في زرقة السماوي، أما رفيقته الصينية فقد سردت عددًا من الفوائد الصحية لخشب الصندل البني، إنما وفي النهاية تنتصر الأميرة الفارسية لواقعية ملاحظتها بأن كل الألوان قد لطخت بالحيل باستثناء الأبيض الذي ظل النقاء ديدنه، حتى أن بهرام كان قد تهذب هو أيضا ما إن استمع لقصتها. قادته رحلته من عتمة السواد مرورًا بألوان المراحل المختلفة للحياة إلى أن بلغت ذروة مجيدة بيضاء كالثلج.
تعتبر هفت پيكر أو الفاتنات السبعة رائعة الأدب الفارسي، كتبها نظامي الكنجوي في أواخر القرن الثاني عشر متأثرًا بسيرة بهرام الخامس حاكم الإمبراطورية الساسانية ما بين العام ٤٢٠ وحتى ٤٣٨ ميلادي. لبطل الرواية الآخر لون أيضًا، فتجد ألوان نظامي تتفتح كالأزهار عبر الصفحات فواحة حتى أن المرء يكاد يشمها، لكن هدفها بعيدًا كل البعد عن الزخرف فقد رأى نظامي في اللون علم وصفي للكون مرتبط بالمناخ وأيام الأسبوع والأجرام السماوية، علاوةً على ما يضفيه مسار المراحل السبع من تهذيب للنفس. كان يعتقد أن اللون مفتاحا لمكنونات الكون الخفية والتي بدورها قد تسهم في إدراك سر الحياة، تبدو كفكرة غير قابلة للتصديق إنما ليست خارجة عن المألوف فلطالما عزا البشر هذه القيمة للون مقتنعين أن الألوان من حولنا ليست جميلة فحسب إنما مشبعة بالمعنى.
يتطلع هذا الكتاب لأن نحذوا حذو بهرام جير حيث سيصحبنا برحلة أيضًا ننتقل بها بين سبعة ألوان لنستمع إلى قصصهم، ولكن قبل البدء بهذه المغامرة يجب أن نسأل:
ما هو اللون؟ كتب أوغسطينوس مرة أنه يدرك ""ما هو الوقت"" إلى أن طلب منه تعريفه، يمكن قول الشيء نفسه عن اللون، اللون كالوقت كلاهما ملازم لنا على الدوام، وهو بمعيتنا منذ اللحظة التي نستيقظ بها صباحا وحتى نستغرق في سباتنا مساءً، يحيطنا في كل إتجاه بتنوع لا ينضب. إن تفكرت للحظة بالألوان من حولك ستلاحظ عددًا وفيرا منها لتحصيه، وتجدنا نعيش أيامنا في خضم هذه الأطياف التي نادرًا ما نتوقف لفهمها فمعظمنا يعرف كيف يبدو اللون الأحمر أو الأزرق كما نعرف كيف ندرك الدقيقة أو الساعة لكن يتنازعنا الشك حينما يتعلق الأمر بمقدرتنا على شرحها. إذا ما كنت في مرحلة متقدمة من الوضوح مع ذاتك، هل تعرف فعلا ما هو اللون؟
يميل الكثير من الناس إلى وجهة نظر منطقية قائلة: بأنه خاصية ثابتة للأشياء أو للضوء المنعكس عنها، فيقول البعض أن خضرة أوراق الشجر ما هي إلا انعكاس لضوء أخضر خضرة واقعية كالأوراق، في حين يعارض آخرون بأن اللون لا وجود له بالعالم المادي على الإطلاق إنما في عين وعقل الناظر فقط، ويؤكدون ذلك بأنه لو سقطت شجرة في غابة ما ولم يكن هنالك أحد لرؤيتها فإن أوراقها ستكون بلا لون كما هو كل شيء آخر بالضرورة، أي أنه لا يوجد ما يسمى باللون، لا يوجد سوى أشخاص قادرين على رؤيته كلا الموقفين بطريقة ما صحيح، فاللون ثابت في أصله ومتغير تبعًا لرائيه، ""المكان"" كما أشار بول سيزان هو نقطة التقاء العقل والكون، حيث ينشأ اللون عندما تلتقط العين الضوء القادم من العالم الخارجي ويفسره العقل بإجراءات معقدة تنتج عن سلسلة طويلة من العمليات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية، وهذا مما يدعو إلى التفكر باللون، لا بظاهره إنما بمضمونه، ليتغير السؤال من ما هو اللون؟"" إلى بديل أكثر فاعلية وهو: كيف يحدث اللون؟
يبدأ بالضوء، لأنه دون ضوء لا يمكن أن يكون هناك لون، وينتمي الضوء إلى مجال واسع من الإشعاع الكهرومغناطيسي الذي يختلف بحسب الطول الموجي والتردد، تقصر الأطوال الموجية لأشعة غاما بمقدار مئة مليون مرة من المليمتر في أحد طرفي المجال، أما في الطرف الآخر فيبلغ طول موجات الإشعاع ذات التردد المنخفض للغاية إلى عشرات الآلاف من الكيلومترات، وللطاقة بين كل من الطرفين العديد من الخصائص والوظائف فنجد أن الأشعة السينية تستخدم لتصوير الأجزاء الداخلية لأجسامنا وأجهزة المايكرويف تستخدم لتسخين الأطعمة والراديو للتواصل عبر المسافات البعيدة بالإضافة إلى أن ما يقارب ثلث المسافة على امتداد المجال - والمحصورة بين الأشعة الفوق بنفسجية الحارقة للبشرة والأشعة تحت الحمراء التي نشعر بها كحرارة - عبارة عن مقدار ضئيل من الإشعاع المرئي بالنسبة لنا، وعلى الرغم من أنه لا يشكل سوى ۰،۰۰۳٥ في المائة من الطيف الكهرومغناطيسي إلا أن هذا الجزء المرئي من الضوء يشكل جميع الألوان التي عايشها الإنسان عبر الزمن. فالموجة التي يبلغ طولها حوالي ٤٠٠ نانومتر (مليون نانومتر لكل مليمتر تأخذ أشعتها الفوق بنفسجية بالتدرج من اللون الأزرق (۱۳۰-٤۹۰) نانومتر) ومن ثم إلى الأخضر ( ٤٩٠ - ٥٦٠ نانومتر ) فالأصفر ( ٥٦٠-٥٩٠) نانومتر) إلى البرتقالي ( ٥٩٠-٦٣٠ نانومتر) وأخيرا للأحمر (۹۱۰-۷۰۰ نانومتر) قبل أن تصل إلى الأشعة تحت الحمراء وتنعدم القدرة على رؤيتها. يتكون الضوء من حزم صغيرة من الطاقة تعرف بالفوتونات وتتواجد في الأماكن من حولنا بأعداد فلكية، إذا كنت تقرأ هذه الكلمات على ضوء المصباح الجانبي للسرير فإنه ينتج ۱۰۰ مليار فوتون في الثانية ما يعادل مليون ضعف من الخلايا في جسمك، إضافة إلى أن بعض مصادر الضوء ملونة، فمؤشر الليزر البسيط يصدر لونا أحمرًا بطول موجي يصل إلى ٦٥٠ نانومتر في حين أن مصابيح الصوديوم التقليدية في الشوارع لا تبعث إلا ضوءًا أصفرًا عند ۵۸۹ نانومتر، لكن قوة باعث الفوتون هي ما توجد أضواء لجميع الأطوال الموجية المرئية، كذلك الشمس التي تصطدم بذرات الهيدروجين ليكونان معًا أعدادًا خيالية من الفوتونات تنهمل عبر النظام الشمسي بسرعة ۳۰۰۰۰۰ كيلومتر في الثانية لتصل إلى كوكبنا خلال ما يزيد قليلا عن ثمان دقائق فتنتقل عبر الغلاف الجوي وتحجبها السحب وتنتشر في الغابات وتغرق في المحيطات. هذه التفاعلات المحكمة بين الطاقة والمادة هي بوتقة اللون.
لكل مادة تركيب مختلف مما يجعلها تتفاعل مع الفوتونات بطرق مختلفة فيعكس بعضها كمية كبيرة من الضوء ما يجعلها بيضاء، ويمتص بعضها الآخر كم هائل منه مما يظهرها سوداء اللون. بكل الأحوال معظم المواد إما أن تعكس وتنقل بعض الأطوال الموجية للضوء أو تمتص أخرى وهذا ما يجعلها ملونة فيبدو الياقوت أحمرًا لأن تراكيبه لا تعكس إلا الأطوال الموجية الحمراء الطويلة فقط من الضوء المرئي، ونرى العشب أخضرا لاحتوائه على مركبات صبغية دقيقة تسمى الكلوروفيل والتي بدورها تمتص الأطوال الموجية الزرقاء والحمراء للضوء وتعكس بينهما اللون الأخضر والأصفر، وتكتسب فراشة المورفو لونها الأزرق الخلاب من خلال هيكلها الجسدي حيث أن أجنحتها مغطاة بحراشف مجهرية تقوم بإقصاء الضوء الأبيض عن هيكلها الخارجي مما ينشر الطيف الأزرق بكثافة متباينة حين تعرضه للضوء بالمجمل تكتسب الكائنات بشكل عكسي اللون الذي لا تمتلكه، لكن هذا الضوء المنعكس يواصل انكساره وانتشاره دون أن يشكل لونا بعد لأن ذلك يتطلب عينا تدركه.
من بين أعداد لا تحصى من الفوتونات التي ترتد حول الكوكب ككرات البينبول، يجد بعضها طريقه لأعيننا، حيث أنه يوجد مئة مليون مستقبل ضوئي على استعداد للإستفادة منها، الغالبية العظمى من هذه المستقبلات الضوئية عبارة عن خلايا عصبية ليست مسؤولة عن رؤية الألوان حيث أنه ما بين أربعة إلى خمسة ملايين منها عبارة عن خلايا مخروطية وهي المسؤولة عن ذلك. ينقسم معظم البشر إلى ثلاث فئات من حيث خلاياهم المخروطية، مخاريط S الصغيرة وهي حساسة بشكل خاص للأطوال القصيرة ( ٤١٥-٤٣٠ نانومتر) ومخاريط M المتوسطة للأطوال الموجية المتوسطة ( ٥٣٠ - ٥٧٠ نانومتر) ومخاريط L الكبيرة للأطوال الموجية الطويلة من الضوء المرئي (٥٥٥-٥٦٥ نانومتر). جميع المخاريط تحتوي على تكوين صبغي دقيق يتألف من سلسلة متجانسة من الأحماض الأمينية وحين يمتص هذا التكوين فوتونا تنتزع أحد روابط السلسلة مما يتسبب باستقامتها وتغير شكل التكوين الصبغي، يبدو كحادثًا عابرًا لا يستغرق سوى ۲۰۰ جزء من المليون من المليار من الثانية إلا أنه يشكل الأساس لكل ما له علاقة بالرؤية البشرية.
يحفز امتصاص الضوء سلسلة من الأحداث، فعندما يتغير تركيب المستقبلات الضوئية ينشط بروتون ويقوم بدوره بتنشيط آخر مما ينظم البعثرة الفوضوية لامتصاص الفوتون إلى تيارات كهربائية تنتقل عبر الوصلات العصبية إلى الخلايا ثنائية القطب ومن ثم إلى الخلايا العقدية، تتحول هذه التيارات إلى إشارات ثنائية بحسب تغير حالة الجهد إما إشارة بالعمل أو إشارة بالتوقف وهذا ما يسمى ""جهود الفعل"" التي تخرج من العين عن طريق الأعصاب البصرية وتنتقل عبر ممرات مليئة بالسوائل حتى تصل إلى القشرة البصرية الأولية في الجزء الخلفي من الدماغ، يعالج هذا الجزء جميع أنواع المواد المرئية وأحينا يرسلها إلى مناطق أخرى في الفص القذالى لمزيد من المعالجة المتقدمة ما زالت خبايا القشرة الدماغية غامضة، إنما من المعروف أنها مسؤولة بالدرجة الأولى عن تحويل معلومات الضوء المصورة بالعين إلى هذا العالم الملون والمفعم بالحيوية الذي نراه من حولنا.
