27 مايو 2020
يستاء العديد من الفنانين من الذكاء الاصطناعي، وقد تثبط عزيمتهم المخاوف من أن الذكاء الاصطناعي سوف يسلب الناس وظائفهم بفضل كفاءته. كما قد يشككون في قدرة الروبوتات على الإبداع، أو قد تكون لديهم الرغبة في استكشاف استخدامات الذكاء الاصطناعي – لكنهم غير قادرين على فك رموزه.
كل هذا يذكرني بالزمن الذي كان فيه الناس يشككون في تقنية أخرى وهي الكاميرا. ففي القرن التاسع عشر، مع ظهور التصوير الفوتوغرافي الحديث، قدمت الكاميرات تحديات وفوائد. فبينما تبنى بعض الفنانين هذه التكنولوجيا، رأى آخرون أن الكاميرات أجهزة غريبة تتطلب خبرة لتشغيلها، كما رأى البعض أن هذا يشكل تهديدًا لوظائفهم.
ولكن بالنسبة للفنانين الراغبين في استخدام الكاميرات كأدوات في عملهم، فقد أثبتت الإمكانيات الجمالية للتصوير الفوتوغرافي أنها ملهِمة. في الواقع، قدمت الكاميرات – التي أصبحت في متناول المستخدم العادي مع التقدم التكنولوجي – تقنية وشكلًا آخريْن للمساعي الفنية مثل رسم الصور الشخصية.
إن الفن مهم لأننا كبشر لدينا جميعًا القدرة على الإبداع. إذ يتطور الفن الذي نبتكره مع مرور الوقت وتلعب التكنولوجيا دورًا محوريًا في هذه العملية. لقد أظهر التاريخ أن التصوير الفوتوغرافي أداة ووسيلة جديدة ساعدت في إحداث ثورة في الطريقة التي يبدع بها الفنانون المعاصرون من خلال توسيع فكرة الفن، إذا بات التصوير الفوتوغرافي يستخدم في المتاحف. واليوم نعلم أن الكاميرات لم تقتل الفن؛ وإنما أعطت الناس طريقة إضافية للتعبير عن أنفسهم بشكل بصري.
ويعد هذا التشبيه أمرًا بالغ الأهمية لفهم إمكانية تأثير الذكاء الاصطناعي على الفن في هذا القرن.
نظرًا لأن التعلم الآلي أصبح جزءًا مهماً من حياتنا اليومية – كونه مدمج في كل شيء بدءًا من الهواتف التي نرسل إليها الرسائل النصية وحتى السيارات التي نقودها – فمن الطبيعي أن نتساءل عن مستقبل الفن في مثل هذا المجتمع الذي يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي. وتزداد أهمية هذا السؤال مع دخول الروبوتات إلى المجال الفني كصانعة للفن. ففي صيف 2019، قدم مركز باربيكان في لندن تحفًا من إنتاج الذكاء الاصطناعي في عرض بعنوان ""الذكاء الاصطناعي: أكثر من الإنسان"". وبعدها في شهر نوفمبر من ذلك العام، حضر أكثر من مليون شخص معرضًا لاستكشاف الفن والعلوم في المتحف الوطني الصيني، حيث تم إنشاء العديد من الأعمال باستخدام الخوارزميات.
رسم توضيحي لليوناردو دافنشي قامت به الروبوت آيدا. نيكلاس هالين/وكالة الأنباء الفرنسية – صور موقع جيتي.
قمت بتأسيس مختبر الفنون والذكاء الاصطناعي في جامعة روتجرز في عام 2012. كوني باحثًا في الذكاء الاصطناعي، فإن هدفي الرئيسي هو تطوير التكنولوجيا. وبالنسبة لي، فإن هذا يتطلب النظر إلى الإبداع البشري لتطوير خوارزميات لا تفهم إنجازاتنا في الفنون البصرية والموسيقى والأدب فحسب، بل تنتج أيضًا أعمالًا في تلك المجالات أو تشارك في إنتاجها. ففي نهاية المطاف، قدرتنا على توسيع مهاراتنا الإبداعية – بما يتجاوز حل المشكلات الأساسية – إلى التعبير الفني هي التي تميزنا بشكل فريد كبشر.
لقد أدى الإبداع البشري إلى اختراع الذكاء الاصطناعي، والآن يمكن للآلات نفسها أن تكون قوى الإبداع. من الطبيعي أن ينتابنا الفضول حول ما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله وكيفية تطوره. خلال السنوات الثماني الماضية في المختبر، أدرك باحثونا أن الذكاء الاصطناعي لديه إمكانات كبيرة لحل المشكلات في الفن. على سبيل المثال، يمكن للذكاء الآلي، بعمله كأداة تحليلية، أن يساعد في التمييز بين اللوحات الأصلية واللوحات المزورة من خلال تحليل ضربات الفرشاة الفردية.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أيضًا فهم الفن من خلال المساعدة في الكشف عن التأثيرات المماثلة المحتملة بين الأعمال الفنية من فترات مختلفة. في أحد الاختبارات، تمكن التعلم الآلي من تحديد الأعمال التي غيرت مسار تاريخ الفن وتسليط الضوء على جوانب جديدة لكيفية تطور ذلك التاريخ.
وإلى جانب استيعاب المعلومات، تمكنت الآلات أيضًا من إنشاء صور جديدة – بشكل كامل تقريبًا من تلقاء نفسها – لا يستطيع المشاهدون تمييزها عن الأعمال التي صنعها فنانون بشريون. كما يستطيع الذكاء الاصطناعي تأليف موسيقى يمكنك الاستماع إليها على Spotify.
إن الذكاء الاصطناعي ليس استثنائيًا، فقد قام الفنانون منذ فترة طويلة بدمج التقنيات الجديدة في ممارساتهم، ولكن هناك فرق جوهري. هذه المرة، الآلة هي مصدر الإبداع الخاص بها – فمع القدرة على الاستناد إلى كميات هائلة من البيانات التاريخية والاجتماعية، يمكن للذكاء الاصطناعي إنتاج صور جديدة وغريبة تتجاوز خيالنا. وعنصر المفاجأة هذا هو القوة القادرة على دفع الوسائط الفنية في اتجاهات جديدة، حيث لا تعمل الآلات كأدوات للفنانين فحسب، بل كشركاء لهم أيضًا.
ولكن هل يمكن لآلة الذكاء الاصطناعي أن تكون فنانة في حد ذاتها؟ جوابي هو لا.
الروبوت آيدا ومخترعها أيدان ميلر يقدمان لوحة زيتية في أكسفورد، إنجلترا، أنشأها فنانون بناءً على رسم تخطيطي قامت به الروبوت. نيكلاس هالين/ وكالة الأنباء الفرنسية – صور موقع جيتي
في حين يتطور تعريف الفن باستمرار، فهو في جوهره شكل من أشكال التواصل بين البشر. وبدون وجود فنان بشري خلف الآلة، لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل أكثر من مجرد اللعب بالشكل، سواء كان ذلك يعني التلاعب بالبكسلات على الشاشة أو النوتات الموسيقية على دفتر الموسيقى. ويمكن أن تكون هذه الأنشطة جذابة، لكنها تفتقر إلى المعنى دون التفاعل بين الفنان والجمهور.
وقد حظيت في السنوات الأخيرة بالعمل مع عدد كبير من الفنانين المهتمين باستكشاف الذكاء الاصطناعي في ممارساتهم. لقد ركزت جهدي على هذا العمل من خلال تطوير Playform، وهي منصة تسمح للفنانين بتجربة الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى فهم الخوارزميات والمصطلحات الكامنة وراء التكنولوجيا أو الخوض فيها.
وبمجرد إزالة هذه الحواجز التكنولوجية، يمكن للفنانين تحقيق أشياء مذهلة. فقد يستخدم بعضهم التكنولوجيا لإنشاء صور للأعمال الفنية أو لمشاريع الواقع الافتراضي. وقد يستخدم الكثيرون الذكاء الاصطناعي كوسيلة للإلهام. ويقوم آخرون بإدخال الصور التي لديهم إلى الكمبيوتر ويستخدمون الذكاء الآلي كورشة عمل ليتعرفوا على أسلوبها بشكل أفضل.
لقد لاحظت أن التقنيات الجديدة غالبًا ما تقابَل بالتشكيك أولًا قبل أن يتم تبنيها في النهاية. وأرى أن الشيء نفسه ينطبق على الذكاء الاصطناعي. فمثل الكاميرا، يوفر الذكاء الاصطناعي وسيلة للفنانين وغير الفنانين على حد سواء للتعبير عن أنفسهم. وهذا يجعلني واثقًا من أن الآلات الذكية لا يمكنها إلا أن تساعد الإبداع البشري، لا أن تؤذيه. وبذلك يبدو مستقبل الفن واعدًا.
أحمد الجمال مدير مختبر الفن والذكاء الاصطناعي في جامعة روتجرز ومؤسس شركة Playform للذكاء الاصطناعي.
