18 نوفمبر 2023 – تم التحديث بتاريخ 12 يناير 2024
عين دبي وهي عجلة مراقبة ترتفع فوق جزيرة صناعية في دبي. ويضع بناء جزر دبي الضغط على الخليج العربي. كاتارينا برمفورس لصحيفة نيويورك تايمز
تبدو دبي وكأنها أرض العجائب المائية بالنسبة لكونها مدينة صحراوية، حيث يمكن للزوار الغوص في أعمق حوض سباحة في العالم أو التزلج داخل مركز تجاري ضخم حيثما تلعب طيور البطريق في الثلج البارد. وترش النافورة المصنفة بأنها الأكبر في العالم أكثر من 22 ألف جالون من الماء في الهواء، بالتزامن مع الموسيقى الصادرة من مكبرات الصوت المحيطة.
وتعتمد المدينة على المياه العذبة على الرغم من أنها ليست سهلة التوفر، وذلك من أجل الحفاظ على ترفها. ولذلك تتجه نحو البحر عن طريق استخدام تقنيات تحلية المياه كثيفة الاستهلاك للطاقة للمساعدة في توفير المياه في مدينة كبيرة سريعة النمو.
وكل هذا يأتي بتكلفة، إذ يقول الخبراء إن اعتماد دبي على تحلية المياه يضر بالخليج العربي وينتج عنه نفايات قليلة الملوحة تعرف باسم المياه المالحة، والتي تزيد من الملوحة في مياه الخليج إلى جانب المواد الكيميائية المستخدمة أثناء معالجة تحلية المياه. كما وأنه يرفع درجات حرارة المياه الساحلية ويضر بالتنوع البيولوجي ومصايد الأسماك والمجتمعات الساحلية.
وتتعرض منطقة الخليج أيضًا لضغوط بسبب تغير المناخ والجهود المبذولة لبناء جزر دبي التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات باستخدام استصلاح الأراضي. وتشمل العقارات المعروضة على شاطئ البحر جزيرة خاصة على شكل حصان البحر والتي تقع في الأرخبيل الاصطناعي.
أشخاص يشاركون في العرض في نافورة دبي على بحيرة البرج الاصطناعية. كاتارينا برمفورس لصحيفة نيويورك تايمز
إذا لم يتم اتخاذ إجراءات فورية لمواجهة هذا الضرر، فإن تحلية المياه وإضافة لتغير المناخ، ستؤدي إلى زيادة درجة حرارة المياه الساحلية في الخليج بما لا يقل عن خمس درجات فهرنهايت عبر أكثر من 50 في المائة من المنطقة بحلول عام 2050، وذلك وفقًا لدراسة أجريت عام 2021 ونُشرت في نشرة التلوث البحري على موقع ScienceDirect، وهو موقع للأبحاث الخاضعة لمراجعة النظراء.
وقد اتخذت دبي المدينة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في دولة الإمارات العربية المتحدة خطوات لمعالجة الأضرار من خلال المبادرات البيئية والتقنيات الجديدة، ولكن الضغوط تتزايد لبذل المزيد من الجهد. وفي هذا الشهر، ستستضيف المدينة قمة الأمم المتحدة للمناخ العالمي، والمعروفة باسم COP28، وقد أثارت هذه الفكرة التوتر سابقًا بسبب استثمارات الوقود الأحفوري التي قامت بها دولة الإمارات العربية المتحدة والدول المشاركة الأخرى.
إلى جانب تعزيز المميزات الترفيهية في دبي، تعد المياه ضرورية لاستدامة الحياة، كما وتوفر تحلية المياه مياه الشرب للمدينة. وتقوم هيئة كهرباء ومياه دبي بتزويد المياه لأكثر من 3.6 مليون ساكن وللزائرين، مما يرفع عدد سكان المدينة النشطين نهارًا إلى أكثر من 4.7 مليون نسمة، وذلك وفقًا لتقرير الاستدامة لعام 2022. وبحلول عام 2040، تتوقع المؤسسة أن يزيد الطلب على المياه النظيفة بسبب زيادة هذه الأرقام.
ووفقًا لتقرير الاستدامة، فقد قامت المدينة بتحلية ما يقرب من 163.6 مليار جالون من المياه العام الماضي. ومقابل كل جالون من المياه المحلاة المنتجة في الخليج، يتم إطلاق ما معدله جالون ونصف من المياه المالحة في المحيط.
وفي دبي، تقوم محطة جبل علي للطاقة وتحلية المياه – وهي أكبر منشأة من نوعها في العالم – بنقل المياه من البحر وإخضاعها لسلسلة من مراحل المعالجة، ومن ثم نقلها إلى المدينة لتصبح مياه صالحة للشرب. ولكن محطات تحلية المياه في جبل علي البالغ عددها 43 محطة تعمل بالوقود الأحفوري. وقد أنتجت دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر من 200 مليون طن من الكربون في عام 2022، وهي من بين أعلى معدلات الانبعاثات للفرد على مستوى العالم.
كانت تحلية مياه البحر بمثابة شريان الحياة في الإمارات منذ ما يقرب من 50 عامًا، ولكن المناطق الساحلية الأخرى، مثل كارلسباد الواقعة في كاليفورنيا قد اعتمدت مؤخرًا هذه التقنية في مواجهة الجفاف الشديد. وتعد فلوريدا هي الرائدة على المستوى الوطني في مجال تحلية المياه، وفي الداخل، تفكر أريزونا في نقل المياه المحلاة من المكسيك عبر الأنابيب.
وقد تم استخدام جهود تحلية المياه منذ فترة طويلة في دول الخليج الأخرى أيضًا، بما في ذلك البحرين والكويت والمملكة العربية السعودية وقطر. وعلى عكس جيرانها الغنيين بالنفط، فإن دبي تتمتع باقتصاد يعتمد في المقام الأول على السياحة والعقارات والطيران، على الرغم من أن الطفرة النفطية قصيرة الأمد في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي وفرت الأساس المالي للبنية التحتية للمدينة ذات العظمة المعمارية.
وقال خالد العوضي، الأستاذ المشارك في التوسع الحضري المستدام بجامعة خليفة في أبو ظبي: ""إنها علامة تجارية، فأي وجهة سياحية تحب الهيمنة، خاصة إذا كانت هناك منافسة محتملة من المنطقة"".
يعد حمام سباحة ديب دايف دبي أعمق حوض سباحة في العالم، حيث يحتوي على ما يقرب من 3.7 مليون جالون من المياه العذبة. كاتارينا برمفورس لصحيفة نيويورك تايمز
يضم حمام سباحة ديب دايف دبي ما يعادل ست حمامات سباحة أولمبية من المياه التي تملأ مدينة تحت الماء على شكل محار عملاق، وهو مستوحى من تراث الغوص على اللؤلؤ في الإمارة.
ويستخدم برج خليفة المُلقب بأطول مبنى في العالم، والذي طورته شركة إعمار وقام بتصميمه أدريان سميث، حوالي 250 ألف جالون من الماء يوميًا ويتطلب قدرة تبريد قصوى تعادل حوالي 10 آلاف طن من الجليد الذائب. وعند سفح المبنى، تستخدم بحيرة البرج التي تبلغ مساحتها 30 فدانًا ونوافيرها الراقصة الخمسة نظامًا لاستعادة مياه الصرف الصحي من شركة هيتاشي، والتي تعيد استخدام مياه الصرف الصحي في برج خليفة لتحل محل مياه النافورة التي يتم خسارتها كل يوم.
كما يؤدي بناء الجزر الاصطناعية في دبي إلى إجهاد الموارد المائية في الخليج. وقد وجدت إحدى الدراسات أن متوسط درجة حرارة المياه حول جزيرة نخلة جميرا، والتي صممتها شركة HHCP Architects، زادت بنحو 13 درجة على مدار 19 عامًا. وأشارت دراسة أخرى إلى أن استصلاح الأراضي، إلى جانب المياه المالحة والنفايات الصناعية، تعد سببًا للنمو المفرط للطحالب المجهرية في الخليج العربي، والمعروفة باسم تكاثر الطحالب أو المد الأحمر. وقد أجبرت بعض هذه الظواهر الضارة محطات تحلية المياه على تقليل عملياتها أو إيقافها.
وقال الدكتور العوضي: ""إن التطوير بالقرب من المياه أفضل بكثير من التطوير في المناطق الصحراوية، وكما أن ذلك يؤدي إلى زيادة الخط الساحلي"".
وقد رفض كلًا من المشروع الذي تديره الدولة والسيد سميث وشركة HHCP Architects التعليق على هذا المقال.
أعلنت دبي عن مبادرات بيئية لمعالجة استهلاكها الهائل للموارد، بما في ذلك الجهود المبذولة لخفض الطلب على الطاقة والمياه بنسبة 30 في المائة بحلول عام 2030 والحصول على 100 في المائة من توليد الطاقة من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2050. وحتى أن الإمارة قد فكرت في السماء كمصدر بديل للمياه، حيث قامت بتعيين العلماء لتحفيز السحب كيميائيًا للاستمطار (على الرغم من عدم وجود اتفاق يذكر على نجاح هذه العملية) وتشجيع الفنادق في دبي على إنتاج المياه الخاصة بها من خلال الحصاد الجوي.
شلال في دبي مول، أكبر مول في العالم من حيث إجمالي مساحة الأرض. كاتارينا برمفورس لصحيفة نيويورك تايمز
قال فيصل المرزوقي، الأستاذ المشارك في جامعة خليفة والذي يبحث في تحلية المياه في الإمارات العربية المتحدة، إنه دفع المسؤولين الحكوميين إلى منع المنشآت من استخدام المياه الصالحة للشرب في استخدامات لا تتضمن الشرب، مثل منشآت تصنيع المعادن والحدائق المائية.
وقال: ""في الوقت الذي تكون فيه المياه ذات قيمة حقيقية، يمكن أن تكون هناك طرق أفضل للقيام بأشياء مثل الأنشطة الترفيهية"".
وأضاف أن ارتفاع مستويات الملوحة في الخليج العربي يشكل خطورة لأن المياه كانت شديدة الملوحة بالفعل، كما وأن إضافة المزيد من الملح يهدد التنوع البيولوجي في الخليج.
فقد تبلغ نسبة ملوحة مياه البحر العالمية عادة 3.5 إلى 4.5 في المائة، ويأتي الخليج العربي في النهاية الأخيرة، مما يجعله أكثر عرضة للملوحة. وقد اختفى حوالي 70% من الشعاب المرجانية في الخليج، ومع وجود 21 نوعًا من الأسماك التي تعتمد على المرجان فهي معرضة بشكل كبير لخطر الانقراض. وقد أدت هذه التحولات إلى خسارة إقليمية قدرها 94 مليار دولار سنويًا في مجالات السياحة وتربية الأحياء المائية ومصايد الأسماك، وذلك وفقًا لدراسة نشرت عام 2021 في نشرة التلوث البحري وهي مجلة علمية.
وقال الدكتور المرزوقي: ""إن هذه مشكلة كبيرة حقًا"".
كما تمتد المعاناة إلى مروج الأعشاب البحرية وأشجار القرم في المنطقة، إذ تعد مثل هذه النظم البيئية أرضًا حاضنة مهمة للأنواع ذات القيمة التجارية مثل محار اللؤلؤ وكما أنها تساعد في استقرار إيقاعات الأمواج وقوى التآكل ويمكنها امتصاص كميات كبيرة من غازات الدفيئة من الغلاف الجوي. وقد ساهم تراجعها في ظهور صحراء محيطية خالية من التنوع البيولوجي المعتاد الموجود في بحر العرب والخليج العربي – وهي أكبر ما يسمى بالمنطقة الميتة في العالم.
ومنذ السبعينيات، انتشرت المناطق الميتة في جميع أنحاء العالم وتشمل واحدة في بحر البلطيق ثلاثة أضعاف مساحة ولاية ماريلاند.
وقال بروس لوجان، مدير معهد الطاقة والبيئة بجامعة ولاية بنسلفانيا: ""لدينا مشكلتنا الخاصة في خليج المكسيك، حيث تؤدي كل المياه المتدفقة في نهر المسيسيبي إلى فقدان الأكسجين وموت كل شيء"".
شاحنات الصرف الصحي في طريقها إلى محطة المعالجة. تملأ مياه الصرف الصحي المعالجة بحيرة البرج التي تبلغ مساحتها 30 فدانًا ونوافيرها الخمسة. كاتارينا برمفورس لصحيفة نيويورك تايمز
وعلى الرغم من ذلك، فإن دبي تحرز تقدمًا، إذ طالبت المدينة في عام 2021 بأن يتم بناء جميع مشاريع تحلية المياه الجديدة باستخدام تقنية تحلية المياه المعروفة على نطاق واسع وتُعتبر بأنها صديقة للبيئة وأكثر كفاءة وتُسمى بالتناضح العكسي. ومع ذلك، لا تزال معظم محطات تحلية المياه في الإمارة تستخدم تقنية قديمة تُسمى التقطير الومضي متعدد المراحل.
وعلى عكس التناضح العكسي الذي يزيل الملح والملوثات الأخرى عن طريق دفع الماء عبر غشاء نصف منفذ، فإن التقطير الومضي متعدد المراحل يعتمد على الحرارة. وقبل عقود من الزمن، عندما بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة في استكشاف تحلية المياه، كان بإمكان هذه التقنية التعامل بشكل أفضل مع الملوحة العالية في الخليج العربي، على الرغم من أن التناضح العكسي يمكنه الآن أن يفعل الشيء نفسه. وعلى الرغم من أن كلا التقنيتين تنتجان محلولًا ملحيًا، فإن المنتج الثانوي للتقطير الومضي متعدد المراحل يكون أكثر سخونة بكثير، مما يزيد من تعطيل النظام البيئي.
ستستخدم محطة حصيان الجديدة لتوليد الطاقة في دبي تحلية المياه بالتناضح العكسي، وقد عملت منذ أكثر من عام على الغاز الطبيعي بدلًا من الفحم. ومن المتوقع أن يولد المشروع الذي تبلغ تكلفته 3.4 مليار دولار أكثر من 140 مليون جالون من المياه بشكل يومي.
وقد بدأت المؤسسة في البحث عن خيارات مستدامة لإدارة المياه المالحة وإعادة تدويرها باستخدام تقنية طرح منعدم للسوائل (Zero Liquid Discharge) والتقطير الغشائي، وهي تقنيات يأمل الخبراء أن تقوم بمعالجة المياه المالحة ومياه الصرف الصحي. ومع ذلك، فإن التقنيات التي تعالج المشكلة على نطاق واسع لم يتم تطبيقها بعد، على الرغم من أن الحلول قيد البحث في جميع أنحاء العالم.
وتواجه دبي الانتقادات على الرغم من هذه الجهود المبذولة. فقد قال الدكتور المرزوقي: ""لا أرى الكثير من المبادرات، وبصراحة أشعر أن التركيز ينصب أكثر على الطاقة المتجددة التي تعمل على تشغيل الأنظمة، ولكن لا يوجد أي حديث تقريبًا عن المياه المالحة"".
تم إجراء تصحيح في 12 يناير 2024: إذ أخطأت نسخة سابقة من هذه المقالة في تحديد سعر جزيرة صناعية في دبي على شكل حصان البحر. فقد بيعت مؤخرًا قطعة أرض في الجزيرة بمبلغ 34 مليون دولار، وليس الجزيرة بأكملها.
