المصدر: ذا أتلانتيك
بقلم كريستينا ريزغا
ملاحظة المحرر: عام 1988م، كان لدى المعلم في أغلب الأحيان 15 عامًا من الخبرة. وفي السنوات الأخيرة، أصبح هذا العدد أقرب إلى ثلاث سنوات فقط. وتركز سلسلة ""On Teaching"" على المعلمين أصحاب الخبرة.
لم يعتقد غاري كوبيلمان مدرس العلوم الحائز على الجوائز في بداية حياته أنه سيتمكن من الالتحاق بالجامعة. ففي المدرسة الابتدائية في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، كان يواجه بعض المشكلات في الرياضيات والقراءة، وكان يحصل في الغالب على درجات C (جيد) وD (متدني). كان يتلعثم عند التحدث أمام زملائه، وكان من حوله يزعجونه باستمرار، فلم يكن لديه سوى عدد قليل جدًّا من الأصدقاء. وبحلول الوقت الذي بدأ فيه الدراسة الثانوية عام 1966م، طلب منه مستشاره الأكاديمي أنْ ينسى أمر الجامعة.
وبعد ذلك، كما حدث للعديد من الطلاب، قلب معلم واحد كل شيء. حرص دوغ كلاين، مدرس اللغة الإسبانية في مدرسة كوبيلمان الثانوية، على الإشادة بشكل متكرر بنقاط قوة كوبيلمان، مثل ما يتمتع به من أخلاقيات عمل ومرونة، وساعده في التغلب على مواقف المضايقة والتنمر. عندما اكتشف كلاين وكوبيلمان أنهما يشتركان في حب الخيول، علَّمَ المعلم تلميذه كيفية المشاركة والتنافس في عروض الخيول، واستمر كوبيلمان في الفوز بالعديد منها.
أخبرني كوبيلمان في أواخر العام الماضي: ""ساعدني أستاذ كلاين على الشعور بالنجاح، وأقنعني أنَّ التحديات التي أواجهها ستجعلني أقوى لمساعدة الأفراد الآخرين""، كنا نجلس في مختبر العلوم الذي صممه في مدرسة بليسفيلد الابتدائية، وهي مدرسة ريفية صغيرة في جنوب شرق ميشيغان، إذ عمل مدة 32 عامًا حتى تقاعده عام 2019م.
كما شجع كلاين تلميذه كوبيلمان على تجربة الجامعة مدة عام على الأقل. وعام 1970م، التحق كوبيلمان بجامعة شرق ميشيغان للحصول على شهادة في التدريس. هناك، في فصل دراسي حول أساليب القراءة، غيّر مدرس آخر حياته، إذ لاحظ أستاذه الصعوبات التي يواجهها في القراءة، وأعطاه بعض التقييمات، وشخصه أنه يعاني من عسر القراءة وتحديات في السمع. بعد نصيحة أستاذه، بدأ كوبيلمان في استخدام الكتب المسجلة والالتقاء بمعلميه بعد المحاضرات لتلقي مساعدة إضافية. وأدرك أيضًا أنَّ تصميم تجاربه ومشاريعه المعملية الخاصة ساعده على فهم كيفية عمل النظريات في العالم الحقيقي. عام 1976م، تخرج كوبيلمان بدرجة الماجستير في التعليم الابتدائي، وكان متفوقًا على دفعته.
لقد شكلت اكتشافات كوبيلمان حول تعلمه تحديًا له لتصميم طريقة بديلة لتدريس العلوم للأطفال الصغار جميعهم، بما في ذلك أولئك الذين يواجهون الصعوبات نفسها التي كان يواجهها مع المحاضرات، والكتب المدرسية، والتجارب المعملية في البيئة الأكاديمية التقليدية. وعندما بدأ كوبيلمان التدريس في بليسفيلد عام 1976م تحولت الغرفة الفارغة التي كان بها عدد قليل من النباتات إلى مختبر العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات الشهير الذي يستقبل اليوم زوارًا من أنحاء البلاد جميعها لرؤية ما يقرب من 80 نوعًا من الحيوانات، وأكثر من 125 نوعًا من النباتات.
قبل ساعات قليلة من محادثتنا، جهز كوبيلمان مختبر الحياة البيئية بإضافة عدد قليل من الصناديق المليئة بالحيوانات المحنطة وسط أقفاص السحالي الحية، والثعابين، والحشرات. بعد محادثتنا، شاهدنا عشرين من أطفال رياض الأطفال المبتهجين يتجولون في الغرفة بألواحهم، ويجمعون البيانات لمشروعهم ""أحياء أم غير أحياء؟"". سألت فتاة ترتدي نظارة وردية مستديرة زملاءها في الفصل الذين ألصقوا وجوههم بالقفص الزجاجي الذي يحتوي على عنكبوت كبير ""هل يتنفس؟""، وصاحت فتاة طويلة عندما تحرك العنكبوت فجأة ""إنه حي!"". وتدخل صبي قائلًا: ""ما هي البيانات الأخرى التي يمكننا إضافتها؟"". ""هل يوجد ماء؟ هل يوجد طعام؟"" وضع الأطفال جميعهم علامات على ألواحهم. وقال كوبيلمان: إن هذه المجموعة ستطرح في الأسبوع المقبل الأسئلة نفسها حول النباتات: ""هل الأشجار حية أم غير حية؟ هل يتحركون؟ هل يشربون الماء؟ كيف نعرف؟""
بينما كان الأطفال يتجمعون حول لعبة سلحفاة محشوة لتسجيل الأدلة على ألواحهم، صرخت بادي فرحًا، الببغاء ذات اللون الرمادي والبالغة من العمر 32 عامًا، وقالت مقلدة المعلم في الفصل المجاور ""داستن، اجلس من فضلك!""، وفقًا لما ذكره كوبيلمان. مثل معظم الببغاوات، بادي اجتماعية للغاية وتفضل الجلوس في قفصها بالقرب من مدخل المختبر؛ لأن الأطفال يحبون التحدث معها.
""يجب أنْ تبدأ الدروس جميعها باهتمامات الأطفال الصغار"" هكذا يلخص كوبيلمان الفلسفة الكامنة وراء منهج تدريسه الذي يسميه ""التدريب العملي والعقلي"". وهو يحاول توفير فرص يومية للطلاب للتفاعل مع العالم الطبيعي، وطرح الأسئلة، وجمع البيانات وتحليلها، والعمل مع زملائهم للتوصل إلى إجابات. ""ينجذب الأطفال في سن مبكرة إلى الحيوانات والحشرات. وأعتقد أنَّ علوم الحياة هي نقطة انطلاق قوية لجذب اهتمامهم بعلوم الأرض والفيزياء، ثم توسيع نطاق ذلك ليشمل الرياضيات والجغرافيا والدراسات الاجتماعية"".
وكان لدى كوبيلمان هذا الفضول حول عالم الحيوان، ولكن نادرًا ما كانت لديه فرص لطرح الأسئلة في الفصل. ومع ذلك، بعد المدرسة، شعر بالحرية في البحث عن إجابات لأسئلته في حقول المحاصيل والغابات القريبة من مزرعة عائلته، من خلال تتبع آثار الثعلب في أثناء ركوب مهره برنس، والبحث في الأنهار الصغيرة، ومراقبة الحشرات المختلفة، ثم البحث عن أسمائها وأنماط سلوكها في الكتب بعد رجوعه إلى المنزل.
وَجَدَت مراجعة أجريت عام 2003م لـ 110 دراسات حول سلوكيات الأطفال تجاه العلوم في الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وأستراليا، أنَّ اهتمامهم بمواد العلوم يبدأ في التراجع بعد سن 11 عامًا، مما يشير إلى أنَّ السنوات الابتدائية هي الوقت الحاسم لبناء هذا الارتباط بالعلم والحفاظ عليه.
وقد وَجَدَت الدراسات التي بحثت في الوقت المخصص للعلوم في الصفوف الابتدائية منذ منتصف التسعينيات، تباينًا بين الولايات، ولكنها تُظْهِرُ عمومًا انخفاضًا عامًّا، خاصة في المدارس التي تخدم أعدادًا كبيرة من الأطفال ذوي الدخل المنخفض. وفي الوقت نفسه، من المتوقع الآن أنْ تكون الوظائف في المجالات المرتبطة بالعلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات، من بين أسرع الوظائف نموًّا في أمريكا، وفقًا لمكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
كان كوبيلمان يحلم بإنشاء مختبر للعلوم بمجرد أنْ بدأ العمل في مدرسة بليسفيلد الابتدائية، ولكن لأكثر من 20 عامًا لم يوجد أي تمويل لذلك. ثم عام 1999م، تلقت المدرسة مِنَحًا من عدد قليل من المؤسسات المحلية، وبنت مختبرًا للصفوف الابتدائية. واليوم، أصبح مختبر الحياة البيئية مفتوحًا لأكثر من 1200 طالب في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية بالمنطقة. وعلى مر السنين، طوَّرَ المعلمون الذين يُدَرِّسُون مواد الرياضيات واللغة الإنجليزية والدراسات الاجتماعية خطط الدروس حيث تتضمن العمل في المختبر، ويواجه الطلاب صعوبة في التفاعل مع العالم الطبيعي طوال العام الدراسي بسبب فصل الشتاء الطويل القاسي في ميشيغان، لكن بفضل المختبر يستطيع الطلاب التعرف على الغابات المطيرة والصحاري ومختلف النظم البيئية الأخرى في الفصول جميعها.
تعيش العشرات من الأسماك والضفادع والعلاجيم والسلاحف في بركة مياه عذبة في غرفة تحاكي الغابات المطيرة الاستوائية. في أثناء دراسة الطلاب لأنظمة المياه العذبة من خلال دراسة النباتات والحيوانات التي تعيش في البركة، يمكنهم مقارنتها بأشكال الحياة الأخرى الموجودة في بركة مياه مالحة قريبة تبلغ سعتها 1500 جالون. وتعيش الببغاء بادي في قفص الطيور، بجوار قسم به أنواع مختلفة من الهامستر، والسحالي، والعناكب، والثعابين، في منطقة أُعِدَّت كنظام بيئي صحراوي مليء بالصبار والنبات العصاري. وقال لي طالب في الصف الخامس يعمل كأحد ""حراس حديقة الحيوان"" في المختبر: ""أنا مهتم بدراسة الهامستر"".
من وجهة نظر كوبيلمان، يولد الأطفال بسمات العالِم الجيد كلها؛ فهم فضوليون، ويسعون لاستكشاف محيطهم، ويستمتعون بالتجارب. ولكن الكثير من الفصول الدراسية في المدارس الابتدائية تطفئ هذا الشغف بدروس منفصلة عن حياة الطلاب والعالم الطبيعي من حولهم. وكما أخبرني كوبيلمان مرة عندما كان يحمل واحدًا من أشهر الحيوانات الموجودة في المختبر، وهو تنين ملتحٍ يُدعى هارولد، سأل طالب في الصف الثاني كوبيلمان ""هل يعض؟""، ""هل سيهرب؟ ماذا يحب أنْ يأكل؟ كيف ليس له أسنان؟""، وكان كوبيلمان يجيب بفارغ الصبر عن هذه الأسئلة كلها.
يقول جون رودولف، مؤلف كتاب بعنوان How We Teach Science: What’s Changed, and Why It Matters، وأستاذ تعليم العلوم في جامعة ويسكونسن في ماديسون، إنَّ فصول العلوم التي تعتمد على الاستقصاء في الصفوف الابتدائية نادرة. أخبرني أنَّ معظم المدارس تركز على المحتوى الواقعي والحقائق، فقد تلاحظ أنَّ طلاب المرحلة الابتدائية يطلب منهم حفظ أجزاء العين، على سبيل المثال، ورسم المخططات وكتابة التقارير لتكملة تعلمهم. قال رودولف: إنَّ قليلًا ما يحصل الطلاب على فرصة للمشاركة في حوار فكري حول أسئلة مثل ""لماذا يمتلك البشر عيونًا؟""، أو ""كيف تختلف عيون الحيوانات المختلفة، ولماذا؟""
وقال رودولف: إنَّ النهج الأخير يتطلب المزيد من تدريب المعلمين، والتمويل، والتقييمات المعقدة، ولكن النتيجة تستحق ذلك. ففي هذا النهج لن يتعلم الطلاب مهارات التفكير النقدي والتواصل فحسب، بل سيطورون أيضًا فهمًا عميقًا وتقديرًا لكيفية توصل العلماء إلى الأدلة وتطوير الاستنتاجات، وهو ما يعده رودولف جزءًا مُهمَلًا إلى حد كبير من تعليم العلوم. كما يعتقد أنَّ الافتقار إلى مثل هذا الفهم يسهم في الأمية العلمية- من الشكوك حول تغير المناخ إلى المعارضة المتزايدة للتطعيم.
كان تأثير مختبر الحياة البيئية في بليسفيلد كبيرًا، فقد تفوقت درجات المنطقة الريفية باستمرار على متوسط درجات الولاية في اختبارات العلوم القياسية بين عامي 2002م و2015م، وفي بعض السنوات سجلت مدرسة بليسفيلد الابتدائية درجات قريبة من أعلى مستوى في الولاية، وذلك وفقًا لليندا مولر، مديرة المدرسة. يتجه المزيد من طلاب المنطقة إلى التخصص في مجالات العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات، في الجامعة، بما في ذلك خريجون مثل جيم رينز، عالم المناخ والفضاء في جامعة ميشيغان، الذي ساعدت أبحاثه في إرسال مركبة مدارية تعمل بالطاقة الشمسية إلى الفضاء هذا العام، وجودي ستيرل، اختصاصية الوراثة في الخنازير في جامعة ولاية أيوا. وفقًا للعديد من معلمي بليسفيلد، يختار المزيد من الآباء مدارس المنطقة لأطفالهم، بما في ذلك المشرفة الحالية للمختبر، كيم جراي، معلمة الصف السابع التي انتقلت إلى هناك مع عائلتها عام 2003م.
بالنسبة للعشرات من الطلاب الحاليين والسابقين الذين أجريت معهم مقابلات، كان العمل في المختبر من أهم أوقاتهم في مدارس بليسفيلد. إذ قال حارس حديقة الحيوان في الصف الخامس: ""تعلمت أنه على الرغم من أنَّ الهامستر جميعها من النوع نفسه، فإنَّ كل واحد منها يحتاج ويحب أشياء مختلفة"". وقال لي أحد طلاب الصف السابع: ""كل يوم يبدو وكأنه يوم رحلة ميدانية"". وذكر أحد طلاب المدرسة الثانوية، الذي تقدم بطلبات إلى عدة جامعات لدراسة علوم الكمبيوتر: ""إنَّ المختبر في مدينتنا الصغيرة مذهل للغاية""، وهو ينسب الفضل إلى المختبر في جعل العلوم والرياضيات مواده المفضلة.
حتى بعد تقاعده، ظل كوبيلمان يأتي إلى المختبر كل يوم حتى تفشى الوباء، لكنه كان يقضي المزيد من وقته في التحدث في المؤتمرات العلمية وأمام صناع السياسات للدفاع عما يعده طريقة أكثر جدوى لتدريس العلوم، إذا كانت القراءة وأوراق العمل والاختبارات القياسية هي أفضل طريقة للأطفال للتعلم وإظهار معرفتهم، أخبر كوبيلمان حاكم ميشيغان السابق ريك سنايدر وأعضاء مجلس إدارة الولاية في اجتماع عام 2017م، أنه لم يكن ليحظى حتى بفرصة الذهاب إلى الجامعة، ناهيك عن إنشاء مختبر للعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات استخدمه آلاف الطلاب على مدار العقدين الماضيين.
قال كوبيلمان: ""من الصعب أنْ أشرح للأشخاص الذين ليسوا معلمين كيف يبدو الأمر عندما يمس شيء ما في الطبيعة أو العلم إحساس الطفل بالرهبة والانبهار"". لكن أنا وزملائي نرى ذلك كل يوم. هذه هي ثمرة العلم. ولا يوجد شيء آخر مثل ذلك"".
كريستينا ريزغا كاتبة مقيمة في سان فرانسيسكو، ومُشاركة في سلسلة On Teaching في مجلة ذا أتلانتيك، ومؤلفة كتاب بعنوان Mission High.
