القائمة الرئيسية

نهاية عصر الثقة

نهاية عصر الثقة
ملخص المقال

تتناول مقالة جيري أوسيم تراجع الثقة في بيئة العمل بعد جائحة كوفيد-19 وتأثيرها السلبي على الاقتصاد. يوضح أن الثقة تعتبر عنصرًا أساسيًا في الرأسمالية، حيث تؤثر على التعاون والاستثمار. تشير البيانات إلى انخفاض مستويات الثقة بين الموظفين بسبب العمل عن بُعد، مما يزيد من الشكوك حول الأداء. كما يؤكد أوسيم على أن بناء ثقافة الثقة أصبح تحديًا كبيرًا للشركات، مما يعيق النمو الاقتصادي ويعكس أهمية الثقة لنجاح المؤسسات.المصدر: ذا أتلانتيك

بقلم جيري أوسيم

مخزونات الشركات المصنعة. طلبيات السلع طويلة الأمد. الوظائف غير الزراعية. الناتج المحلي الإجمالي المعدّل حسب التضخم. تُعد كل هذه مصادر التقارير الكئيبة التي تخبرنا عن أداء اقتصادنا، ويبدو الكثير منها أفضل بكثير الآن مما كانت عليه في بداية الجائحة حين كانت في أسوأ حال. ولكن ماذا لو كان هناك عامل آخر قد نسيناه؟ ماذا لو كانت نقاط البيانات تحجب الركود العميق في عنصر تقوم عليه التقارير جميعها؟

الثقة. بدونها، تبقى فلسفة اليد الخفية لآدم سميث بعيدة عن الأنظار، وتُكتكم ""الأرواح الحيوانية"" (Animal Spirits) لجون ماينارد كينز. كتب الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل كينيث أرو في عام 1972م: ""إن كل معاملة تجارية تقريبًا تحتوي في جوهرها على عنصر الثقة"".

إلا أن الثقة أقل قابلية للقياس الكمي مقارنةً بالأشكال الأخرى لرأس المال. يجري الشعور بتراجعها بشكل غامض قبل أن يُرى بوضوح. ونظرًا لأن الشركات بدأت في تطبيق العمل عن بعد خلال جائحة فيروس كورونا، يتساءل المشرفون عما إذا كان العاملون عن بعد يعملون بالفعل. يصل الزملاء الجدد ويغادرون دون أن يلتقوا بالفريق على الإطلاق، ويجري توثيق جميع الحوارات العابرة كتابيًّا. لا أحد يعرف ما إذا كانت نبرة الملاحظة الختامية الغامضة للرئيس ساخرة أم عدائية.

ومن المؤسف أن هذه الشكوك قد يكون لها أساس ما في الواقع. وجدت دراسة حديثة أجريت على أكثر من 5400 عامل فنلندي أنه كلما طالت فترة تباعد الموظفين عن بعضهم بعضًا خلال الجائحة، تراجعت ثقتهم في زملائهم. وبدأ وارد فان زونين من جامعة إيرازموس في هولندا بقياس الثقة بين العاملين في المكاتب في أوائل عام 2020م، حيث سألهم عن مدى ثقتهم بأقرانهم، ومدى ثقتهم بمشرفيهم، ومعتقداتهم حول مدى ثقة هؤلاء الناس بهم. ما وجده كان مثيرًا للقلق. في مارس من 2020م، كانت مستويات الثقة مرتفعة إلى حد ما، وتراجعت بحلول شهر مايو. بحلول شهر أكتوبر -بعد حوالي سبعة أشهر من الجائحة- انخفضت درجة ثقة الموظفين ببعضهم بعضًا بشكل كبير.

ووجد استطلاع آخر أجراه مركز العمل التحويلي في أستراليا (CTWD) أن الرؤساء لديهم مشاكل تتعلق بالثقة أيضًا. كان حوالي 60% من المشرفين على شك أو غير متأكدين من أن العاملين عن بعد يؤدون أداءً جيدًا أو أنهم متحفزون بقدر العاملين في المكتب. وفي الوقت نفسه، ارتفع الطلب على برامج مراقبة الموظفين بنسبة تزيد عن 50% مقارنة بما قبل الجائحة. وفي ربيع هذا العام، ترك الموظفون الأمريكيون وظائفهم بأعلى معدل منذ عام 2000م على الأقل.

ويمكن بلا شكّ أن يكون لكل نقطة من نقاط البيانات هذه أسباب متعددة. ولكنها تشير معًا إلى اتجاه مثير للقلق: قد نعيش في عصر ركود الثقة.

 

إن الثقة بالنسبة إلى الرأسمالية هي بمثابة المشروبات بالنسبة إلى حفلات الزفاف: مادة تشحيم اجتماعي. وفي المجتمعات منخفضة الثقة (روسيا وجنوب إيطاليا)، يكون النمو الاقتصادي مقيدًا. يفكر الأشخاص الذين لا يثقون بالآخرين مرتين قبل الاستثمار أو التعاون مع أو توظيف شخص ليس من أفراد العائلة (أو أعضاء عصابتهم في حالة إيطاليا). قد يبدو المفهوم بسيطًا، لكن التأثير ليس كذلك. وجد الاقتصاديان بول زاك وستيفن ناك في دراسة نُشرت عام 1998م أن زيادة اعتقاد الدولة بأن ""معظم الناس يمكن الوثوق بهم"" بنسبة 15% تضيف نسبة مئوية كاملة إلى النمو الاقتصادي كل عام، وهذا يعني أنه لو كان الأميركيون يثقون ببعضهم بعضًا على مدى السنوات العشرين الماضية كما فعل الأوكرانيون، لكان نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي السنوي لدينا أقل بنحو 11 ألف دولار، ولو كنا نثق كثقة النيوزيلنديين ببعضهم بعضًا، لكان الناتج المحلي الإجمالي أعلى بمقدار 16 ألف دولار. وكتبا: ""إذا كانت الثقة منخفضة بالقدر الكافي، يصبح النمو الاقتصادي مستحيلًا.""

ووَفقًا لما ذكره فرانسيس فوكوياما في كتابه الصادر عام 1995م بعنوان ""الثقة"" (Trust)، إذا كان بإمكانك الاعتماد على الناس للقيام بما يزعمون -دون آليات قسرية مكلِفة لجعلهم جديرين بالثقة- تصبح الكثير من الأشياء ممكنة. في أواخر القرن التاسع عشر، كان ""الأميركيون الاجتماعيون للغاية"" هم الذين طوروا أول الشركات واسعة النطاق، حيث عملوا بشكل فعال على تجميع أفكار وجهود ومصالح الغرباء. في أواخر القرن العشرين، ظهرت بعض الإصدارات المبكرة للإنترنت بفضل عنصر الثقة. طوال تاريخ أميركا تقريبًا، استفاد الاقتصاد من درجات الثقة العالية.

ولكن الخدوش في خزان الثقة كانت واضحة منذ السبعينيات. انخفضت الثقة في الحكومة بشكل حاد من ذروتها في عام 1964م، وَفقًا لمركز بيو للأبحاث، وما زالت الثقة في الحكومة تتعثر منذ ذلك الحين، مع استثناءات قليلة. ويتزامن هذا الاتجاه مع تحولات ثقافية أوسع مثل تراجع عدد أعضاء الكنيسة، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والمناخ السياسي المثير للجدل.

ومن الصعب الحصول على بيانات حول الثقة بين الأفراد الأميركيين، وقد طرحت الدراسات الاستقصائية أسئلة حول ما يسمى بالثقة بين الأشخاص بشكل أقل اتساقًا، وَفقًا لمركز بيو للأبحاث. ولكن، وَفقًا لأحد التقديرات، كانت نسبة الأميركيين الذين يعتقدون أن ""معظم الناس يمكن الوثوق بهم"" 45% تقريبًا حتى منتصف الثمانينيات، وهي الآن 30%. ووَفقًا لمركز بيو للأبحاث، يعتقد نصف الأميركيين أن الثقة قد انخفضت لأن الأميركيين ""لم يعودوا جديرين بالثقة كما كانوا من قبل"".

وتشير تلك الدراسات التي أجريت على العاملين عن بعد الذين يستخدمون تطبيق زوم إلى أن ركود الثقة يزداد سوءًا. بحلول أكتوبر 2021م، كان 13% فقط من الأمريكيين ما زالوا يعملون من المنزل بسبب كوفيد-19، وهو انخفاض من 35% في مايو 2020م، الشهر الأول الذي جرى فيه جمع البيانات. لكن من الواضح أن التباعد الجسدي بين الزملاء كان له آثار سلبية، وقد تستمر لمدة طويلة.

لماذا؟ أحد الأسباب هو: نحن من الرئيسيات. وَفقًا لما قاله علماء الأنثروبولوجيا، قمنا ببناء مبدأ المقايضة من خلال التقاط القمل من فراء بعضنا بعضًا، استُبدل ذلك بالغيبة والنميمة عندما قلّت كثافة شعر الإنسان مع التطور. ما هو المكان الأفضل من المكتب للغيبة والنميمة؟ افصل بين الأشخاص، وسيقل تبادل الأخبار، وكذلك أشكال العمل الجماعي الأكثر إنتاجية. في سبعينيات القرن الماضي، اكتشف أحد أساتذة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن احتمال تواصلنا بشكل منتظم مع شخص يجلس على بعد ستة أقدام منا أكثر بأربعة أضعاف من احتمال تواصلنا مع شخص يبعد عنا 60 قدمًا. ربما لم يكن الوقت الذي قضيناه داخل المباني الزجاجية بلا فائدة.

وَفقًا لقصة حديثة في مجلة ""Harvard Business Review""، تدور الثقة حول جانبين: الكفاءة (هل سيقدم هذا الشخص عملًا عالي الجودة؟) والشخصية (هل يتمتع هذا الشخص بالنزاهة؟). كتب الخبيران التنظيميان هايدي غاردنر ومارك مورتنسن: ""للثقة بالزملاء في الجانبين، يحتاج الناس إلى إشارات واضحة يمكن عبرها التمييز بسهولة""، كما يجادلان بأن التحول إلى العمل عن بعد جعل جمع هذه المعلومات أكثر صعوبة. ويخلصان أخيرًا إلى أننا دون وعي ""نفسر قلة الاتصال الجسدي على أنها إشارة إلى عدم الجدارة بالثقة.""

ويجعلنا هذا عرضة لما يسميه علماء الاجتماع ""خطأ الإحالة الأساسي"" وهو الشك الكبير بأن ""بليك"" لم يتصل بنا مرة أخرى لأنه لا يهتم بالمشروع، أو لأنه يهتم به كثيرًا لدرجة أنه على وشك نقله برمته إلى أحد المنافسين. في غياب الحقيقة المتمثلة في أن ""بليك"" خضع لعملية جراحية بسيطة في الأسنان، تتبادر إلى أذهاننا السيناريوهات الكاذبة.

أضف إلى الانقطاع والعزلة التي تفرضها الجائحة المناخ السياسي الذي يحثنا على تكبير المسافة -العرقية والجيلية والأيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية- التي تفصلنا عن الآخرين، وليس من الصعب أن ترى سبب شعور العديد من الأميركيين بالانقطاع.

وأكثر ما عانى هو ""الروابط الضعيفة"" العلاقات مع المعارف الذين يقعون في مكان ما بين الغريب والقريب، والتي يرى علماء الاجتماع أنها ذات قيمة خاصة لنشر المعرفة. تميل الدائرة الداخلية المغلقة من المعارف القريبة إلى إعادة تدوير المعرفة الموجودة بالفعل. بينما من المرجح أن تأتي المعلومات الجديدة من لقاء مع ""آلن""، الرجل الذي يضع نبات السرخس على سطح مكتبه والذي يقدم تقاريره إلى ""فيبي"" والذي يتذكر آخر مرة اقترح فيها شخص ما تقسيم قسم التسويق إلى ثلاث فرق، وكيف سار الأمر.

وتشير بعض الأدلة إلى أن وجود روابط ضعيفة أكثر يمكن أن يؤدي إلى تقصير نوبات البطالة. في استطلاع شهير أجري عام 1973م، اكتشف عالم الاجتماع مارك جرانوفيتر من جامعة ستانفورد أنه من بين 54 شخصًا وجدوا مؤخرًا وظيفة جديدة من خلال شخص يعرفونه، سمع 28% عن المنصب الجديد من معارفهم البعيدة، مقابل 17% من معارفهم القريبة. عندما تنهار الروابط الضعيفة، فإن ""نطاق الثقة"" لدينا -إن أمكننا استعارة مصطلح فوكوياما- يتقلص.

وتُمثل هذه مشكلة بالنسبة إلى الموظفين المنعزلين، بقدر ما يقدّرون مرونة العمل في أي مكان وفي أي وقت. كما تمثل مشكلة بالنسبة إلى قادة الأعمال، الذين يحاولون الموازنة بين تفضيلات الموظفين والوجود الدائم للمكان الذي يوظفهم. لا يريدون أن ينتهي بهم الأمر مثل شركة IBM، التي وفرت 2 مليار دولار من خلال جعل جزء كبير من قوتها العاملة يعمل عن بعد في وقت مبكر من الثمانينيات، لكنها عكست المسار في عام 2017م، عندما أدركت أن العمل عن بعد كان عائقًا أمام التعاون. تساءل ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، مؤخرًا عما إذا كانت الشركات ""تدمر"" بعضًا من ""رأس المال الاجتماعي الذي بنيناه في هذه المرحلة حيث عملنا جميعًا عن بُعد. ما هو المقياس لذلك؟""

من الصعب عكس دوامة الثقة بمجرد أن تبدأ، وقد توصلت إحدى الدراسات إلى أنه حتى بعد مرور عشرين عامًا على إعادة التوحيد، فإن نصف التفاوت في الدخل بين ألمانيا الشرقية والغربية يمكن إرجاعه إلى المخبرين في جهاز أمن الدولة (شتازي). كانت المقاطعات التي كانت بها كثافة أعلى من المخبرين الذين وشوا على أقرب أصدقائهم وزملائهم وجيرانهم أسوأ حالًا، وثبت أنه من الصعب للغاية التخلص من تاريخ الثقة المكسورة.

ليس من الصعب العثور على نصيحة حول كيفية بناء ثقافة الثقة: استخدم الفكاهة، وشارك نقاط ضعفك، وعزز الشفافية. لكن التوصل إلى النبرة الصحيحة في المناخ السياسي الحاد اليوم، غالبًا عبر تطبيق زوم، وربما تحت المراقبة، ليس بالأمر السهل.

ومع ذلك، قد يكون من المفيد للشركات التي تحاول التغير في هذه اللحظة أن تتذكر سبب تأسيسها في المقام الأول. بحلول أواخر القرن التاسع عشر، كان من الواضح أن بعض الوظائف كانت بالغة الأهمية بحيث لا يمكن تركها لأي شخص. إذا كان لا بد من تشغيل المصنع بكامل طاقته في جميع الأوقات، فأنت بحاجة إلى معرفة من يمكنه التعامل مع المهمة، ومن يمكنه إصلاح الآلات التالفة، وقبل كل شيء، من الذي سيأتي بحس المسؤولية يومًا بعد يوم، ثم إنك بحاجة إلى جمع هؤلاء الأشخاص في هيئة واحدة وإلزامهم قانونيًا بالمعايير والأفكار والتوقعات المتأصلة في ثقافة تلك الهيئة.

وليس من قبيل المصادفة أن تلك الشركات الأولى كانت تحمل لقبًا معينًا -كان يطلق عليهم ""الائتمانات (trusts)""- فبدون هذا العنصر الذي يدعم كل القوة الصناعية وبراعة ريادة الأعمال، عليك أن تتساءل عما إذا كان من الممكن بناؤها على الإطلاق.

جيري أوسيم كاتب مسهم في مجلة ذا أتلانتيك، وقام بتغطية قسم الأعمال والاقتصاد لصحيفة نيويورك تايمز وفورتشن وغيرها.

مقالات ذات صلة