الصورة من قبل كاتي مارتن. المصدر: مكتبة الكونجرس.
أخبر الطالب 14 شخصًا آخرين في الندوة الجامعية التي كنت أقوم بتدريسها أن الكتاب كان جيدًا، وتضمن عددًا من الرسوم التوضيحية الممتازة، مثل صور فوتوغرافية لمخطوطات الحرب الأهلية، لكنه أضاف أن هذه لم تكن مفيدة جدًّا له، لأنه بلا شكّ لم يكن يستطيع قراءة الحروف المتصلة.
تساءلت في نفسي: هل سمعتُ ما قاله بشكل صحيح؟ وسألت الطلبة: من لا يستطيع قراءة الحروف المتصلة أيضًا؟ وكان الجواب حوالي ثلثي الصف، وسألتهم من لا يستطيع الكتابة بالحروف المتصلة؟ وازداد عدد الأيادي المرفوعة، وسألتهم عن صياغة توقيعاتهم الشخصية، فقالوا إنهم اخترعوها من خلال الجمع بين أي تعليمات لكتابة الحروف المتصلة قد تكون لديهم مع الخطوط المائلة والزخارف الإبداعية، وقد استمتع الطلبة بمدى دهشتي من الموضوع، فعرضوا أفكارًا حول وجود -أو غياب- الكتابة بخط اليد في حياتهم، فبدلًا من التحدث عن ماضي الحرب الأهلية، وجدنا أنفسنا نستكشف مجموعة مختلفة من التغيرات التاريخية، وفي جهلي بهذا الجانب، أصبحت تلميذتهم وكذلك أصبحت قطعة أثرية تاريخية، كشخصية ريب فان وينكل الذي يواجه عالمًا متغيرًا.
في عام 2010م، حُذِفت الكتابة بالحروف المتصلة من المعايير الوطنية الأساسية المشتركة الجديدة للتعليم من مرحلة الروضة إلى الصف الثاني عشر، وقد كان الطلبة في صفي وأقرانهم في المدرسة الابتدائية آنذاك. لقد بدأ تعليم الكتابة بخط اليد في الانخفاض بالفعل إذ ساد استخدام أجهزة الكمبيوتر المحمولة والأجهزة اللوحية ودروس ""استخدام الكيبورد"" في الفصول الدراسية، يتذكر معظم طلبتي أنهم لم يتلقوا أكثر من حوالي عام من التدريب المتقطع إلى حد ما، والذي غالبًا ما جرى تهميشه من خلال التركيز المتزايد على ""التدريس من أجل الاختبارات""، ويمثل هؤلاء الطلبة الآن في الجامعة طليعة عالم بلا حروف متصلة.
على الرغم من أنني لم أكن على علم بذلك في ذلك الوقت، إلا أن السياسة الأساسية المشتركة لعام 2010م بشأن الكتابة بالحروف المتصلة قد أثارت ضجة كبيرة؛ فقد ضج الناس حول الانحدار الوشيك للحضارة في مجلة ذا أتلانتيك، ونيويوركر، ونيويورك تايمز، ومجلات أخرى. جادل المدافعون عن الكتابة بأن معرفة الكتابة بالحروف المتصلة كانت ""حقًّا أساسيًّا""، ورابطًا رئيسًا بين اليد والعقل، وشكلًا أساسيًّا من أشكال ضبط النفس، وتعبيرًا أساسيًّا عن الهُوية، إن اختفاءها سيمثل استسلامًا جبانًا لـ ""استبداد الأهمية"".
في المستقبل، يجب أن يجري تدريس الكتابة بالحروف المتصلة للباحثين بالطريقة التي يجري بها اليوم تدريس الخط أو الكتابة القديمة في العصر الإليزابيثي.
في غضون عقد من الزمن، نجح المدافعون عن الكتابة بالحروف المتصلة في نشر تدابير تتطلب نوعًا من التعليمات الخاصة بالكتابة بالحروف المتصلة في أكثر من 20 ولاية، وفي الوقت نفسه، أصبح النضال من أجل الكتابة بالحروف المتصلة جزءًا من الاشتياق المُسَيّس والمتزايد للماضي الضائع. وفي عام 2016م، ذكَّر أعضاء مجلس الشيوخ في ولاية لويزيانا ناخبيهم بأن إعلان الاستقلال قد كُتب بخط متصل وصرخوا ""لأجل أمريكا!"" بينما صوتوا بالإجماع على استعادة تعليم الكتابة بخط اليد في أنحاء الولاية جميعها.
ومع ذلك، يبدو أن تراجع الكتابة بالحروف المتصلة أمر لا مَفرَّ منه؛ فالكتابة تقنية، في نهاية المطاف، ومعظم التقنيات يجري تجاوزها واستبدالها عاجلًا أم آجلًا. وكما توضح تمارا بلاكينز ثورنتون في كتابها بعنوان ""Handwriting in America""، فقد تأثرت الكتابة دائمًا بالقوى الاجتماعية والثقافية المتغيرة، في أمريكا في القرن الثامن عشر، كانت الكتابة مجالًا للمتميزين، وبموجب القانون أو العرف، مُنِع المستعبَدون من تعلم القراءة والكتابة في كل مكان تقريبًا في نيو إنجلاند، كان كل الرجال والنساء تقريبًا قادرين على القراءة، بينما في الجنوب، حيث لم يُطوَّر نظام معادل للمدارس الحكومية، تمكنت نسبة أقل بكثير حتى من السكان البيض من القراءة، ومع ذلك، كانت الكتابة أقل انتشارًا بكثير؛ إذ كانت تُدرَّس بشكل منفصل وباعتدال في أمريكا الاستعمارية، وفي أغلب الأحيان للرجال ذوي المكانة والمسؤولية وللنساء من الطبقات العليا، كما تعلم الرجال والنساء خطوطًا مختلفة، كالكتابة المزخرفة للسيدات والكتابة غير المزخرفة والأكثر عملية لعالم السلطة والتجارة الذكوري.
وقد شهد النصف الأول من القرن التاسع عشر زيادة كبيرة في عدد النساء القادرات على الكتابة، فبحلول عام 1860م، كان أكثر من 90% من السكان البيض في أمريكا قادرين على القراءة والكتابة، وفي الوقت نفسه، عززت المفاهيم الرومانسية والفيكتورية عن الذاتية بشكل مطرد العلاقة الملموسة بين الكتابة بخط اليد والهُوية، وأصبح يُنظر إلى فن الخط على أنه علامة وتعبير عن الذات، وعن الجنس والطبقة، وعن عناصر أعمق في الشخصية والروح. لقد أصبح مفهوم التوقيع باعتباره تمثيلًا فريدًا لشخص معين معترفًا به تدريجيًّا في القانون قُبل دليلًا قانونيًّا مشروعًا.
بحلول مطلع القرن العشرين، أصبحت الآلة الكاتبة راسخة بما يكفي للإعلان عن موت الكتابة بخط اليد، وكان الاحتضار طويلًا! وفي عام 1956م، أعلنت مجلة لوك أن الكتابة بخط اليد أصبحت ""قديمة""، ومع ذلك ظلت الكتابة بخط اليد تحتل مكانة مهمة في المناهج الدراسية لعقود من الزمن.
ونظرًا للجيل الحالي من الطلاب الذي لا يستطيع سوى عدد قليل جدًّا منهم القراءة أو الكتابة بحروف متصلة، لا يمكن للمرء أن يفترض أن ذلك سيكون بمثابة شكل فعال من أشكال التواصل مرة أخرى. سألت طلابي عن الآثار المترتبة على ما أخبروني به، مع التركيز أولًا على تجربتهم بوصفهم طلبةً ولقد اعترف معظم طلبة التاريخ أنهم لم يتمكنوا من قراءة المخطوطات، وإذا كُلّفوا بورقة بحثية، فإنهم يبحثون عن موضوعات تعتمد فقط على المصادر المنشورة، وأعاد أحد الطلاب صياغة أطروحته لهذا الغرض، وذكرت أخرى أنها قد فقدت اهتمامها بفيرجينيا وولف بسبب واجب كان يتضمن قراءة رسائل وولف المكتوبة بخط اليد. في المستقبل، يجب أن تُدرَّس الكتابة بالحروف المتصلة للباحثين بالطريقة التي يجري بها اليوم تدريس الخط أو الكتابة القديمة في العصر الإليزابيثي.
واصلت التساؤل: ألم يُعلق الأساتذة بخط اليد على أوراقهم وامتحاناتهم؟ وقال العديد من الطلبة إن تعليقاتهم كانت غير قابلة للقراءة، وفي بعض الأحيان، كانوا يطلبون من المعلم توضيح الملاحظات، وفي كثير من الأحيان يتجاهلونها. ويقوم معظم أعضاء هيئة التدريس بكتابة التقييمات عبر الإنترنت، خاصة بعد التدريس عن بعد بسبب الوباء. لكنني كنت أفكر في زملائي الذين قدَّموا بإخلاص ملاحظات مكتوبة بخط اليد دون أن يعرفوا أنه لن تجري قراءتها أبدًا.
وسألتهم: ماذا عن الكتابة بخط اليد في حياتكم الشخصية؟ أفاد أحد الطلبة أنه اضطر إلى أن يطلب من والديه ""ترجمة"" الرسائل المكتوبة بخط اليد من أجداده، وسألت الطلبة عما إذا كانوا يكتبون قوائم لشراء المستلزمات المنزلية، أو يحتفظون بمذكرات، أو يكتبون رسائل شكر أو تعزية، قال الجميع تقريبًا نعم، وقال الجميع تقريبًا إنهم فعلوا ذلك عبر أجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف، أو أحيانًا على الورق بأحرف كبيرة منفصلة. بالنسبة للعديد من الشباب، أصبحت كلمة ""الكتابة بخط اليد""، التي كانت في السابق مرادفة للكتابة بالحروف المتصلة، تعني الاجتهاد الذي يلجؤون إليه عندما تملي الضرورة ذلك.
خلال السنوات التي قضيتها رئيسةً لجامعة هارفارد، كنت أعتبر الملاحظات المكتوبة بخط اليد بمثابة نوع من القوة العظمى، كتبت المئات منها واحتفظت بكومة من بطاقات الملاحظات في الدرج العلوي الأيسر من مكتبي، فكانت هذه الوسيلة بمثابة القول: أنت تهمني. إن رسالة الشكر أو التهنئة أو التعاطف هذه لا تأتي من أحد الموظفين أو من الأجهزة، بل مني مباشرةً، فكأنني كنت أقول: لقد كتبتها بيدي وآمل أن تلامس قلبك، والآن أتساءل عن عدد مستلمي هذه الرسائل الذين لم يتمكنوا من قراءتها.
في بعض الأحيان، تحكي المستندات المكتوبة بخط اليد قصصًا لم يقصدها أو يفهمها من كتبوها.
قال أحد الطلاب: ""هناك شيء ساحر في تلقي ملاحظة مكتوبة بخط اليد""، هل كان يقصد ساحرًا مثل حب استطلاع الأشياء القديمة؟ بمعنى قدرتها السحرية على خلق روابط جسدية بين العقول البشرية؟ كإنشاء هالة مما هو أصلي وفريد وأصيل؟ وربما كل ما سبق، فإن خط اليد تعبير عن الذات ولا تزال الحشود تتجمع حول الرياضيين والسياسيين ونجوم موسيقى الروك للحصول على التوقيعات، لم نتخل بعد عن انجذابنا إلى الكتابة بخط اليد باعتبارها تمثيلًا للحضور: كتب هنا جورج واشنطن، أو بيونسيه، أو ديفيد أورتيز!
هناك قدر كبير من الماضي الذي نحن أفضل حالًا دونه، كما أن هناك الكثير مما يستحق الاحتفاء به في الأجهزة التي مهدت الطريق لزوال الكتابة بالحروف المتصلة، لكن هناك مخاطر في خسارة الكتابة بالحروف المتصلة، إذ سيفتقد الطلبة الإثارة والإلهام الذي شهدته أثناء تفاعلهم مع التجسيد المادي للأفكار والآراء التي عبر عنها شخص كان صامتًا لفترة طويلة، ويمكن للكتابة بخط اليد أن تجعل الماضي يبدو حيًّا في الحاضر.
في أوراق أوليفر ويندل هولمز جونيور، عثرت ذات مرة على ملحوظة تحمل اسمه المكتوب وعنوان والده، أكد هولمز على أهمية هذه الملحوظة الصغيرة من خلال إرفاقها بصفحة أكبر تحتوي على ملاحظة أطول -بخط يده أيضًا- والتي احتفظ بها كأثر للأجيال القادمة، وأوضح أنه كتب الكلمات في عام 1862م في ساحة معركة أنتيتام حيث أصيب، وقام بتثبيت الورقة على زيه العسكري خشية أن يصبح واحدًا من المجهولين الذين لا حصر لهم في الحرب الأهلية.
لكن في بعض الأحيان، تحكي المستندات المكتوبة بخط اليد قصصًا لم يقصدها أو يفهمها من كتبوها. احتفظ جيمس هنري هاموند بدفتر أستاذ فيه سجلات مكتوبة عن مواليد ووفيات المستعبدين في مزرعته في كارولينا الجنوبية، ولأنه أدرج أسماء آباء الأطفال حديثي الولادة وبعض التعليقات الإضافية في كثير من الأحيان؛ فقد كان من الممكن بالنسبة إعادة بناء الروابط الأسرية بين أجيال من الأشخاص الممنوعين من الاحتفاظ بتاريخهم المكتوب، في مرحلة ما، اشترى هاموند صبيًّا يبلغ من العمر 8 سنوات يُدعى سام جونز للعمل في المنزل، وغير اسمه إلى ""ويسلي""، بعد ما يقرب من ثلاثة عقود، سجل هاموند ولادة ابن ويسلي - طفل أطلق عليه ويسلي اسم ""سام جونز""، عندما سجل ولادة الطفل، لم يكن هاموند على الأرجح على دراية بأثر الذاكرة وحركة المقاومة التي قام بها سام/ويسلي، بعد مرور أكثر من قرن ونصف لا زلنا ننطق اسم سام جونز.
كلنا سنتأثر بخسارة الكتابة بالحروف المتصلة، ليس فقط الطلبة والباحثون، فعدم القدرة على قراءة خط اليد يحرم المجتمع من الوصول المباشر إلى ماضيه، سوف نعتمد على مجموعة صغيرة من المترجمين والخبراء المدربين لكتابة تقرير عن التاريخ، بما في ذلك الوثائق والأوراق الخاصة بعائلاتنا. كان انتشار معرفة القراءة والكتابة في أوائل الغرب الحديث مدفوعًا برغبة الناس في قراءة الكتاب المقدس، ليتمكنوا من الاعتماد على أنفسهم دون الحاجة إلى مساعدة شخص آخر. إن التخلي عن الكتابة بالحروف المتصلة يمثل توازيًا عكسيًّا غريبًا، حيث نفقد التواصل، وبالمحصلة تضعف قدراتنا.
في آخر يوم دراسي، جاءني أحد الطلبة ومعه نسخة من أحد كتبي وطلب مني التوقيع عليه، لقد كتبت إهداءً لم يتضمن اسمه واسمي فحسب، بل شكرًا على مساهماته العديدة في الندوة، ثم سألته بنبرة حزينة إذا كان يريد أن أقرأه له.
درو جيلبين فاوست كاتبة مساهمة في مجلة ذا أتلانتيك، وأستاذة أبحاث في جامعة آرثر كينغسلي بورتر والرئيسة السابقة في جامعة هارفارد، وهي مؤلفة سبعة كتب، بما في ذلك كتاب بعنوان ""Necessary Trouble: Growing Up at Midcentury"".
