القائمة الرئيسية

الإجهاض والأرحام الاصطناعيّة

الإجهاض والأرحام الاصطناعيّة
ملخص المقال

يناقش جي يونغ لي وأندريا بيدولي كيف ستُحدّد تكنولوجيا الرحم الاصطناعيّ شكل النقاش حول حقوق الإجهاض.

أكتوبر 13, 2023

الإجهاض هو الإنهاء المتعمّد للحمل، وينطوي هذا الفعل، حسبما يحدث حاليًّا، على موت الجنين. وبالتالي، فإن الجدل حول (حقّ من يتعرّضن لحمل غير مرغوب في إجهاض أنفسهنّ) عادة ما ينقسم إلى موقفَيْنِ؛ أحدهما مؤيّد لاختيار إنهاء الحمل (المدافعون عن حقّ الاختيار)، في مقابل الآخر المؤيّد لحياة الجنين (المدافعون عن حقّ الحياة). ويؤكّد المدافعون عن حقّ الاختيار أن الإجهاض مقبول في ظل ظروف مختلفة، ويستشهدون بفكرة أننا يجب أن نحترم حقوق الحوامل في اختيار ما يفعلنه بأجسادهنّ -احترام الاستقلال الجسدي- كسبب رئيسٍ لمنحهن حقّ الإجهاض. ومن ناحية أخرى، يدّعي المدافعون عن الحياة أن الإجهاض غير مقبول في معظم الظروف، وهم يحتجّون عادة بأن للجنين الحق في الحياة. وتشير الأحداث الأخيرة، مثل قرار المحكمة العليا في بولندا في أكتوبر 2020 بحظر معظم عمليّات الإجهاض وما نتج عن ذلك القرار من مظاهرات واحتجاجات ضخمة حول العالم، إلى أن الجدل حول الإجهاض لم يتمّ حله بعد.

تقنية الرحم الاصطناعيّ

في الوقت الحاضر، يتمّ تمويل معظم الأبحاث حول تقنية الرحم الاصطناعيّ لمعالجة المضاعفات الصحيّة التي تحدث نتيجة للولادة المبكرة. لكن تكنولوجيا الرحم الاصطناعيّ قد تجعل الحمل خارج الجسم البشريّ ممكنًا يومًا ما، وسيكون لهذا آثار جذريّة على الجدل حول الإجهاض.

يُطلق على فكرة الحمل داخل الأرحام الاصطناعيّة مصطلح ((ectogenesis أي «التوالد الخارجيّ»، وهو مركّب من الكلمتَيْنِ اليونانيّتَيْنِ (ecto) بمعنى «الخارج / الخارجي» و(genesis) أي «التكوين أو الخروج للحياة». وهناك طريقتان محتملتان للتوالد الخارجي، من شأنهما أن تؤدّيا إلى تحدِّيَيْنِ مختلفَيْنِ للجدل حول الإجهاض. إذ ينطوي التوالد الخارجيّ الجزئيّ على نقل الجنين من رحم بشريّ إلى رحم اصطناعيّ في مرحلة ما من الحمل. وفي المقابل ينطوي التوالد الخارجيّ الكامل على تخليق الجنين في أنابيب الاختبار ووضعه مباشرةً في رحم اصطناعي، وبالتالي يتمّ تجاوز الرحم البشري تمامًا. ولقد كانت الأبحاث في السنوات الأخيرة واعدة بما يكفي لأن نتوقّع التوالد الخارجيّ الجزئيّ في المستقبل القريب نسبيًّا. وعلى النقيض من ذلك، فإن التوالد الخارجيّ الكامل قد لا يكون ممكنًا إلا في المستقبل البعيد أو غير المنظور. لكن كلا النوعين من التوالد الخارجيّ يثيران قضايا مهمّة تستحقّ الحديث عنها اليوم.

لننظر أولًا بإيجاز في التأثير العامّ الذي يمكن أن يتركه التوالد الخارجيّ على الجدل الدائر حاليًا حول مسائل الإجهاض. فللوهلة الأولى، تبدو إمكانيّة الحمل خارج جسم الإنسان مسألة واعدة إلى حدّ ما بالنسبة للجدل الدائر حول الإجهاض، إذ إنه عندما يكون بإمكان النساء أن يتجنّبن تحمل متاعب حمل غير مرغوب فيه مع ضمان نموّ الأجنّة دون الحاجة إلى أن يتعارض نموّها مع حقوق المرأة الجسديّة، فإن التوالد الخارجيّ يبدو مقبولًا لكلا فصيلي النزاع، أي «المدافعون عن حق الاختيار» و«المدافعون عن الحياة». ومع ذلك، فإنه من الممكن أيضًا أن يؤدّي التوالد الخارجيّ إلى تعقُّد الجدل حول الإجهاض. وسوف تتناول الأقسام التالية هذه القضايا بالتفصيل.

التوالد الخارجيّ الجزئي وحقوق الإجهاض:

يدّعي البعض أن التوالد الخارجيّ الجزئيّ يمكن أن يُنهي الجدل حول الإجهاض، ويجادل مؤيّدو هذا الرأي بأنه بمجرّد أن يصبح الحمل الاصطناعيّ ممكنًا من الناحية التكنولوجيّة، تصبح الطريقة الوحيدة المقبولة أخلاقيًّا لتلبية طلبات الإجهاض هي استخراج الجنين من المرأة الحامل واستكمال فترة الحمل خارج الرحم بغض النظر عن تفضيل الأم المحتملة (أو تفضيلات الوالدَيْنِ المحتملَيْنِ). بَيْدَ أنه لا يوجد اتّفاق من الجميع على أن ذلك حلّ مُرضٍ أخلاقيًّا لمسألة الإجهاض، على أساس الاستقلال الجسديّ للأمّ المحتملة؛ فعلى سبيل المثال، مثلما قد ننظر إلى الإجهاض القسريّ على أنه أمر بغيض أخلاقيًّا في ضوء افتراض أنه لا ينبغي إجبار المرأة على أن تفعل بجسدها شيئًا لا تريده، فإن عمليّات الاستخراج القسريّ للأجنّة ستكون موضع اتّهام مماثل بالتدخل في الاستقلال الجسديّ للمرأة. لذلك فإنه على الرغم من أن إمكانيّة اللجوء إلى تقنية الرحم الاصطناعيّ ستكون إضافة مهمة إلى الخيارات المقدمة للنساء اللاتي يفكرن في الإجهاض، فقد يجادل البعض بأن هذا الإجراء -شأنه شأن أيّ إجراء طبيّ آخر- يجب ألا يُفرض عليهنّ.

حتى في حالة إجراء التوالد الخارجيّ الجزئيّ طواعيةً، ينشأ خلاف مثير للاهتمام حول ما إذا كان يجب تصنيف الجنين على أنه مولود بمجرّد أن يخرج من الرحم البشريّ، مثلما يحدث مع الأطفال المبتسرين حاليًّا، أم أنه سيكون مولود فقط عندما تكمل فترة الحمل (سواء أكانت في رحم بشريّ أم اصطناعيّ). وإذا تمّ اعتبار الجنين مولودًا في وقت عملية النقل، فسيكون من المستحيل تقريبًا طلب قتل الجنين بعد ذلك، بغضّ النظر عن وقت حدوث استخراج الجنين من الرحم البشري، حيث سيصبح هذا الجنين تلقائيًّا طفلًا مبتسرًا. وفي هذه الحالة، يبدو أن التوالد الخارجيّ الجزئيّ سينهي الحمل غير المرغوب فيه، لكنه لن يمنع خروج طفل غير مرغوب فيه إلى الحياة في أيّ مرحلة لاحقة لاستخراج الجنين من الرحم البشريّ.

قدّم بعض العلماء تصوّرات بديلة للهويّة البشريّة، والتي قد تكون ضروريّة في هذا السيناريو. على وجه الخصوص، اقترحت إليزابيث رومانيس أن ننظر إلى «الكائن موضوع عمليّة الحمل خارج الرحم (باعتباره) كيانًا بشريًّا فريدًا؛ أي: اعتباره ""حمل"" وليس جنينًا أو وليدًا مبتسرًا حديث الولادة» (راجع مقالها «تقنية الرحم الاصطناعيّ وأهميّة الولادة: لماذا لا يعتبر طفل الحمل وليدًا أو جنينًا» المنشور بمجلة الأخلاقيات الطبية/ Journal of Medical Ethics, 45(11), 2019). وبغضّ النظر عن الحالة الميتافيزيقية للجنين بعد استخراجه من الرحم البشري في التوالد الخارجيّ الجزئيّ، فإن حدود التعريف -ومن ثَمَّ تبرير الإجهاض أو جوازه- تظلّ محلّ خلاف.

حقوق التوالد الخارجيّ الكامل والإجهاض:

سيكون للتوالد الخارجيّ الكامل تداعيات جذريّة على النقاش حول الإجهاض، وذلك لأن التركيز سيتحوّل بالكليّة بعيدًا عن مسألة الحقّ في الاستقلال الجسديّ -الذي كان حتى الآن أساسًا للعديد من القوانين التي تبيح الإجهاض- إلى مسألة أكثر إثارة للجدل أخلاقيًّا وهي الحق في إنهاء حياة الجنين.

ويمثل التوالد الخارجيّ الكامل تحديًا أمام مؤيدي حق الإجهاض؛ إذ ينبغي عليهم تبرير جواز السماح أخلاقيًّا بإنهاء حياة الجنين إذا تمّ تفنيد الحجج التي يستشهد بها المدافعون عن حقّ الاختيار كالاستقلال الجسديّ مثلًا. وفي هذا السياق تقدّم الفيلسوفة جوديث جارفيس طومسون في مقالها الشهير «دفاع عن الإجهاض» (المنشور عام 1971) حججًا تدعم حقّ المرأة في اختيار الإجهاض عندما يتعلّق الأمر باستقلالها الجسديّ، ولكنّها تقدم أيضًا حججًا ضدّ «الحقّ في إنهاء حياة الطفل الذي لم يولد بعد». وهنا يشعر المرء بديهيًّا أن هذه المسألة ستكون موضوع نقاش مضاعَف في سياق التوالد الخارجيّ الكامل؛ حيث إن التوالد الخارجيّ الكامل لا يكون عرضيًّا أبدًا من حيث المبدأ، على النقيض من الحمل الطبيعيّ، بل ينطوي على نيّة متعمّدة من الأبوين المحتملين ولا يشكّل أيّ خطر صحيّ على الأم التي تتطلّع إلى الإنجاب بهذه الطريقة. وهكذا فإنه في حال تغيُّر رأي الأمّ المحتملة (أو غير الأبوين المحتملين) بشأن إنجاب طفل، ربما يكون أكثر الخيارات استساغة هو أن تتخلّى (أو يتخلّيا) عن أي مسؤوليّة قانونيّة عن الجنين أو أي حق فيه؛ وذلك حتى يتسنّى مواصلة استخدام الرحم الاصطناعيّ لاحتضان الجنين الذي يصبح حينئذٍ بلا أبوَيْنِ ولكي يتمّ عرض الطفل للتبنّي بعد خروجه من الرحم الاصطناعيّ.

وعلى الرغم من أن البعض يعتقد أن التوالد الخارجيّ الكامل من شأنه أن يجعل إنهاء حياة الجنين أمرًا غير مقبول أخلاقيًّا، فإن البعض الآخر قد يُجادل بأن حدود الاختيار الإنجابيّ للآباء المحتملين تشمل أيضًا الحق في إنهاء حياة الجنين حتى في هذه الحالة. ولذلك قد يكون من المطلوب إيجاد رؤية أكثر شمولًا ""للحقّ في الاختيار""؛ إذ ربما نكون بحاجة إلى توسيع نطاق حقوق الأشخاص على مستقبلهم الإنجابيّ بحيث تشمل حقّ كلّ فرد في أن يُقرّر ما إذا كان سيصبح أبًا/أمًّا أم لا. وهذا الحقّ من شأنه أن ينطوي أيضًا على الحقّ في أن تقرر ما إذا كنتَ ستصبح أبًا/أمًّا في وقت معيّن ومع شريك معيّن ولطفل محتمل معيّن. وقد يعتمد هذا الحقّ مثلًا على حقّ الفرد في التحكّم في مادته الجينيّة أو حقّ الفرد في الخصوصيّة.

وإذا افترضنا أنه يمكن تأسيس هذا الحقّ في السيطرة الشخصية على الوالدية، فإننا ربّما نواجه تحدّيات جديدة أخرى مثل ضرورة أن يكون لجميع الشركاء المشاركين في عملية إنجاب الطفل رأي في حقوق إنهاء حياة الجنين المعنيّ، فلن يُعدّ هذا القرار امتيازًا حصريًّا للمرأة الحامل، لأنه قد تمّت الاستعانة برحم اصطناعيّ لإتمام الحمل نفسه.

في ظاهر الأمر، يبدو هذا وكأنه انتصار للمساواة بين الجنسين في الحقوق الإنجابيّة: بالتأكيد سيكون للآباء الراغبين في الإنجاب، وليس الأبوين المحتملَيْنِ فقط، رأي متساوٍ في ما يحدث للجنين في الرحم الاصطناعي. ولكن حتى إذا كان ذلك ممكنًا، ستظلّ هناك أسئلة عسيرة، ومنها: لِقرار من ستكون الأولويّة في حالة الخلاف؟ ما النماذج الأخلاقيّة التي سنستخدمها للفصل بين الأبوين عندما تختلف تفضيلاتهما؟ إلى أيّ مرحلة من الحمل يكون للأبوين الحقّ في تقرير إنهاء حياة الجنين؟ نظرًا لأن إمكانيّاتنا وإجراءاتنا الإنجابيّة تتغيّر بمرور الوقت، يجب أن نكون مستعدّين للتعامل مع هذه الأنواع من الأسئلة.

الخاتمة

قد يبدو التوالد الخارجيّ الكامل الآن احتمالًا بعيد المنال أو من قبيل الخيال العلميّ، ولكن الإمكانات المتزايدة لتقنية الرحم الاصطناعيّ تجبرنا على النظر في جوانب أخلاقيّة جديدة للمناقشات المستقبليّة حول الإجهاض المستقبليّ. ومن الممكن أن يُمثل التوالد الخارجيّ إمكانيّة جديدة واعدة. بَيْدَ أن حتى مجرد وجوده كاحتمال يكشف لنا أنه سيلزم وجود سياسات معقولة تحكم مستقبل حقوق الإجهاض، وبالتالي تُحدّد النجاح الأخلاقيّ لهذه التكنولوجيا. لذلك يجب علينا أن نفكر بشكل صحيح في الآثار الأخلاقيّة والقانونيّة لهذه الأمور، بل وأن نقوم بذلك على نحو سليم قبل أن تصبح إمكانيّة التوالد الخارجي حقيقة واقعة.

© جي يونغ لي وأندريا بيدولي 2021

جي يونغ لي يُعِدّ أبحاث ما بعد الدكتوراه في جامعة كوبنهاجن ويعمل في مشروع «مستقبل العلاقات الأسريّة» الذي تموّله مؤسّسة ڤيلوكس. أمّا أندريا بيدولي فهي باحثة دكتوراه في الأخلاقيّات الحيويّة بجامعة كوبنهاجن، ويركّز مشروع الدكتوراه الخاصّ بها على الجندر والوالدية وفترة الحمل.

مقالات ذات صلة