ترجمة: رضا زيدان
هناك اتّفاق علميّ عامّ على أن شيئًا سيّئًا يحدث في مناخ العالَم. ومع ذلك، يبدأ الخلاف في الظهور بقوّة عندما تدور المحادثة حتمًا حول سبب وكيفيّة حدوث هذا التغيّر، وما إذا كان بإمكاننا أو يتوجّب علينا حتى فعل أي شيء حيال ذلك. يؤكّد بعض الناس أن الدورات الطبيعيّة التي يمكن تتبّعها على مدى عشرات الآلاف من السنين تتسبّب في التغيّر، وخلصوا إلى أن العلم المخالف لذلك غير حاسم في أحسن الأحوال أو ليس إلا زيفًا صريحًا، ومن حرّفه، كما يُزعم بازدراء، هم الأيديولوجيّون من أجل الحصول على امتياز ما. ويؤكّد آخرون أن البشر مساهمون رئيسون بالفعل في تغيّر المناخ، بدءًا من القرن التاسع عشر وثورته الصناعيّة والتحوّل الحادّ للمجتمعات نحو الوقود الأحفوريّ لجعل اقتصادها نشطًا بقوة. ويرى هؤلاء العلماء أن الأدلّة تقودنا إلى الأسباب البشريّة للتغيّر المناخي، كما يتّضح من مقاييس مختلفة، مثل الارتفاع الحادّ في مستويات ثاني أكسيد الكربون بالتزامن مع ظهور التقنيات التي تعمل بالوقود الهيدروكربونيّ. يمكن للمرء أن يقول إن الأمر لا يتعلّق بتأييد العلم أو مناهضته بقدر ما يتعلق بـ""علم مَن"".
لقد أصبح المشهد أشدّ قتامة بسبب الوثوقيّة المتعثّرة والسياسات الحزبيّة، حيث يحاول كل جانب تشخيص النوايا ضيقة الأفق -حسب ما يُزعم- للطرف الآخر. ومع ذلك، فإن المفردات التي تؤجّج الغضب مثل ""مُنكِر"" و""مُهوِّل"" تُتقاذَف بلا حذر. ويقودنا هذا السجال في النهاية إلى أن العالم يواجه مأزق الاختيار بين نهجَيْنِ بديلَيْنِ مميّزَيْنِ لما يجب القيام به: عدم فعل أي شيء في وسعنا، أو فعل كل شيء في وسعنا.
تتمثّل الاستجابة الأولى في أن نضع ثقتنا في دورة الطبيعة الأمّ من خلال تغيّراتها الطبيعيّة للخلف وللأمام، وسوف تتحمّلنا الطبيعة بلا شكوى حسب ما تراه الأنسب لها. ويتمثّل النهج الثاني في تنفيذ تدابير تدخّليّة لإعادة توجيه مسار الفاعليّة البشريّة لمحاولة تخفيف، أو، وهو الأفضل، إبطال آثار تغيّر المناخ الأشدّ خطورة على النظام البيئيّ، وعلى مستويات سطح البحر، وعلى الظواهر الجويّة العنيفة المتزايدة.
نظرًا للتشكّك بشأن تفاصيل تغيّر المناخ ومجموعة التدخّلات المحتملة التي يجب إنجازها، قد نستعير، لمساعدتنا في تحديد ما يجب القيام به، نوع المنطلق الذي استخدمه الفيلسوف وعالم الرياضيّات الفرنسي بليز باسكال Blaise Pascal (1623-1662) في ""رهانه"" الشهير، الموصوف في كتابه ""الأفكار Pensées"". كان بليز باسكال متعدد المواهب: فهو فيلسوف وعالم رياضيّات وفيزيائيّ ومخترع وعالم لاهوت. وعلى الرغم من مرور أربعمائة عام على ""رهان باسكال""، إلا أنه لم يفقد بريق بساطته، وهو مفيد حتى في أزمات تغيّر المناخ في العصر الحديث. أيًّا ما كان السبب، فإنّ المخاطر المتعلّقة بالظواهر الجويّة العنيفة وآثارها على العديد من أبعاد حياة الناس على مستوى العالم هي نفسها، ويتقاسمها العالم. وفي هذا السياق، اسمحوا لي أن أستكشف بإيجاز كيف يمكن لرهان باسكال أن يخدم كلا الطرفين في النقاش المناخيّ.
كان رهان باسكال الأصليّ يدور حول المراهنة على مسألة وجود أو عدم وجود الإله والحياة الآخرة، وأيّ رهان -الإيمان أو عدم الإيمان- يكون أكثر منطقيّة من وجهة نظر تحقيق أكبر قدر من المكاسب. يبدأ رهان باسكال بافتراض أننا لا نستطيع إثبات أو دحض وجود الإله: فوجود أو عدم وجود الإله هو في جوهره غير قابل للتأكيد وغير قابل للمعرفة. ومن ثَمّ، بدلًا من ذلك، تحول باسكال إلى مسألة الإيمان، وليس الإثبات. جادل باسكال، على أساس نظريّة القرار المبكّر وتحليل المخاطر، بأنه من المنطقيّ أن تضع ثقتك في الإله وأن تتصرّف وفقًا لذلك. فإذا كان الإله موجودًا، ووثقت به، فسوف تكافأ بالخلود في الجنة؛ أما إذا لم تثق به فسوف تعاقب إلى الأبد. ولكن، إذا لم يكن الإله موجودًا، فلن يكون للاعتقاد الخاطئ عاقبة أكبر من عاقبة عدم الاعتقاد: فستموت، وسيكون هذا هو كل ما هنالك. ولذا، فإن الرهان الأحكم هو أن نثق في الإله، وأن نتصّرف بما يناسب ذلك.
دعونا الآن نتقدّم بالزمن سريعًا لما يقرب من أربعة قرون، ونطبّق صياغة الرهان على خياراتنا فيما يتعلق بتغيّر المناخ.
إن الفكرة الأساسيّة لهذه التجربة الفكريّة هي أن تغيّر المناخ موجود. وهناك اتفاق عامّ على هذه الحقيقة، حتى لو لم يكن هناك إجماع. ما يختلف عليه الناس عمومًا هو سبب التغيّر، ومداه، وعواقبه، وما يجب فعله حياله. ولكن باستخدام رهان باسكال، لم تعد هناك حاجة للتنازع حول الخلافات. فكما هو الحال مع رهان باسكال الأصليّ، فإن كونك على صواب في الاعتقاد بأن البشر يتسبّبون في تغيّر المناخ والاستجابة له على نحو إيجابيّ أمر مهمّ للغاية؛ وكونك مخطئًا بشأن ذلك والاستجابة له لن يكون مهمًّا نسبيًّا. وفي هذا الإطار، إذا قرّرنا التصرّف على افتراض أن تغيّر المناخ متجذّر في النشاط البشريّ، فإن عواقب تلك التدخّلات ستكون إيجابيّة سواء كنا على صواب أو خطأ بشأن أسبابه. فمثلًا، ستظل الزيادة في الطاقة المتجددة أمرًا جيدًا حتى لو يكن هناك تغيّر مناخيّ من صنع الإنسان. أما إذا راهنّا على عدم التصرّف وفقًا لافتراض أن النشاط البشريّ هو سبب تغيّر المناخ، وكنا مخطئين بشأن ذلك، فإن العواقب ستكون كارثية؛ إذ سيكون علينا التعايش مع التغيّر العنيف للمناخ وتأثيراته في جميع أنحاء العالم. بعبارة أخرى: إذا كنا مسؤولين، فإن نتائج التصرّف أو عدم التصرف بناء على هذا ستكون مهمة، سواء على نحو إيجابيّ أو سلبيّ على الترتيب، أما إذا لم نكن مسؤولين، فإن تكلفة الاعتقاد بأننا مسؤولون ستكون منخفضة نسبيًّا. ولذلك فإن التصرّف بناءً على الاعتقاد بأن النشاط البشري يساهم مساهمة كبيرة في تغير المناخ هو الرهان الأفضل بكثير.
مرّة أخرى، هذا الرهان لا يتعلّق بالإثبات. وإنما يتعلّق بالرهان الأفضل على ما يجب فعله حيال عدم وجود إثبات قاطع. ومن ثَمّ فإن إحدى مميّزات تطبيق رهان باسكال على تغيّر المناخ هي أنه يخفّف بمهارة على كلا الجانبين عبء الاضطرار إلى الاختيار بين الأسباب الطبيعيّة أو البشريّة للتغيّرات. لا يجب أن ينشغل أيّ من الطرفَيْنِ بشأن مَن لديه أساس عقلانيّ أكمل. ولا يحتاج أحد إلى إثبات أو دحض أيّ شيء، بالعلم أو بغيره، قبل أن يتصرّف. ولا حاجة إلى توجيه أصابع الاتّهام. أن نتصرّف كما لو أن البشرّ يتسبّبون في تغيّر المناخ هو الرهان العقلانيّ. ولذلك يجب أن نراهن على أن التغيّر المناخيّ الذي يسببه الإنسان حقيقيّ، وأن عواقبه وخيمة، وأن التدخّل المنهجيّ سيخفف منه.
""الشاغل المتنامي"" لـ Friedrich Farshaad Razmjouie، 2022.
كَتَب كيث تيدمان Keith Tidman بتوسّع عن الفلسفة الاجتماعيّة والسياسيّة والعلم، وهو مؤلّف كتاب عن تاريخ تحليل العمليّات البحريّة.
