القائمة الرئيسية

مونوغراف: الصحة والرعاية الصحية (6-6)

مونوغراف: الصحة والرعاية الصحية (6-6)
ملخص الكتاب

كيفية المحافظة على التوازن العقلي في ظل وجود مواقع التواصل الاجتماعي ؟

مقتطفات من كتاب ومقابلة مع ""مات هيغ""، مؤلف كتاب ""ملاحظات حول كوكب متوتر""

تمهيد
تعتبر الاضطرابات العقلية واحدة من أبرز التحديات الصحية في عصرنا حيث يعاني أكثر من 300 مليون شخص حول العالم من الاكتئاب، و 260 مليون آخرين من التوتر وتعد التكنولوجيا وضجيج الحياة اليومية من
بين الأسباب الرئيسية لانتشار هذه الحالات.
استلهم الكاتب البريطاني ""مات هيغ"" تجربته الشخصية مع الاكتئاب الذي أصابه في سن الرابعة والعشرين لكتابة أعمال متميزة حول الصحة العقلية. ففي كتابه ""أسباب للبقاء حياً"" (2015)، يروي محاولاته للتغلب على الاضطرابات العقلية، أما في كتابه الأخير "" ملاحظات حول كوكب متوتر""، فهو يتناول كيفية التعامل مع القلق الذي تسببه الضغوط الحديثة، وبالأخص الفزع الناتج عن التدفق المستمر لمواقع التواصل الاجتماعي.
يمزج هيغ في كتابه بين الحكايات الشخصية والنصائح العملية للحفاظ على التوازن العقلي. وقد أجرت مجلة الإيكونوميست مقابلة معه تناولت رؤيته لأزمة الصحة العقلية وكيفية مواجهتها.

هل اضطرابات القلق تتزايد أم أن العالم أصبح أكثر وعياً بها ؟

في حديثه مع الإيكونوميست، يشير هيغ إلى أن ازدياد الوعي بالصحة العقلية قد يفسر ارتفاع أرقام المصابين بالقلق في الإحصائيات. ويعزو ذلك إلى أن الناس أصبحوا أكثر ارتياحاً للحديث عن مشاكلهم العقلية الآن مقارنة بالماضي. ورغم ذلك، يلفت النظر إلى أن بعض الاضطرابات العقلية، مثل اضطرابات الأكل واضطرابات الشخصية وإيذاء النفس، شهدت تزايداً ملحوظاً في العقد الأخير، حتى في المجتمعات التي لا تزال تضع وصمة اجتماعية حول هذه القضايا. فعلى سبيل المثال، تضاعفت أعداد المرضى الذين يلجؤون إلى خدمات الصحة الوطنية في بريطانيا لعلاج اضطرابات الأكل خلال العقد الماضي.

الصحة العقلية في عصر التكنولوجيا
يرى هيغ أن جوانب متعددة من الحياة الحديثة تؤثر سلباً
على الصحة العقلية، ومن أبرزها:

  •  إدمان وسائل التواصل الاجتماعي: يمكن أن يؤدي التواجد المستمر على هذه المنصات إلى القلق والشعور بعدم تحقيق التوقعات أو المعايير المطلوبة، سواء كانت تلك التوقعات نابعة من الشخص نفسه أو من الآخرين، وقد ينشأ هذا الشعور نتيجة مقارنة النفس بالصور المثالية أو الإنجازات التي يعرضها الآخرون على هذه المنصات.
  • استخدام التكنولوجيا : الانغماس في الأجهزة الرقمية يزيد من التوتر والضغط النفسي.
  • الحياة الاستهلاكية : قد تساهم الأنشطة اليومية مثل التسوق في الشعور بالقلق بسبب الضغط الذي تمارسه الإعلانات وتوقعات المجتمع.

في ضوء هذه التحديات، يقدم هيغ إرشادات تساعد الأفراد على الحفاظ على صحتهم العقلية، ويشدد على أهمية النقاش المفتوح حول هذه القضايا لإيجاد حلول جماعية.

الإيكونوميست
ما هو دور التكنولوجيا في خلق مجتمع أكثر قلقاً؟

أوضح مات هيغ أن السنوات العشر الأخيرة شهدت تغيرات جذرية في أنماط حياتنا بفعل التكنولوجيا. فقد أصبحت حياتنا اليومية مرتبطة بشكل كبير بوسائل التكنولوجيا الحديثة، مما أثر على الطريقة التي نتواصل بها، وننام بها، ونعيش بها. هذا التحول السريع، رغم أنه يحمل فرصاً، فإنه يثير القلق وعدم الاستقرار.

وأشار هيغ إلى أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في غياب الوعي حول كيفية تأثيرها السلبي على حياتنا. فالتكنولوجيا باتت كمارد علاء الدين، خرج ولا يمكن إعادته. ومع ذلك، يرى أن الخطوة التالية يجب أن تتمثل في إدراك أوسع لتأثيراتها والعمل بوعي للحد من أضرارها. كما شبه اعتمادنا على التكنولوجيا بإفراطنا في تناول الأطعمة غير الصحية حيث لا أحد يمنعك من تناول الآيس كريم ولكن الإفراط فيه قد تكون له عواقب صحية.

الإيكونوميست:
وسائل التواصل الاجتماعي تفاقم القلق والاكتئاب، فلماذا لا يتوقف الناس عن استخدامها ؟

يشرح هيغ أن الجيل الشاب 16-24) عاماً)، رغم كونه الأكثر اتصالاً عبر التكنولوجيا، هو الأكثر شعوراً بالوحدة. ويعود ذلك إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تخلق نوعاً من الإدمان؛ فهي تفتحأبواباً للتواصل ولكنها لا تقدم شعوراً حقيقياً بالرضا أو الاكتفاء.

وأشار إلى الطابع السام الذي يميز كل منصة اجتماعية:

  • منصة إكس (تويتر): يُعرف بالتصيد والاستقطاب السياسي.
  • إنستغرام: يعزز المقارنات السلبية حول الشكل والثقة بالنفس.
  • سناب شات: يثير قلق المراهقين حول الصداقات وينطوي على التنمر الإلكتروني.

الإيكونوميست:

كيف يؤثر المجتمع المعاصر على الصحة العقلية بعيداً عن التكنولوجيا ؟

أشار هيغ إلى أن الإنسان المعاصر، رغم تحقيقه مكاسب رفاهية عالية مقارنةً بإنسان القرن الثامن عشر والتاسع عشر إلا أنه يشعر بالتوتر أكثر من أي وقت مضى. ويرجع ذلك
إلى عدة عوامل:

  • ثقافة الاستهلاك : تعتمد الإعلانات على إثارة مشاعر الخوف والشك وعدم اليقين لترويج منتجاتها، مثل استغلال قلق النساء من الشيخوخة للترويج لكريمات مقاومة التجاعيد.
  • ثقافة العمل : أصبح العمل محور حياتنا، مما أدى إلى
    تضييق مساحة الاستقلالية الذهنية. فالتوتر ينبع إما من الرغبة الشديدة في تحقيق النجاح أو من ضغط تحقيق الترقية. ونتيجة لذلك، تقلصت عطلات نهاية الأسبوع وأصبح التوازن بين العمل والحياة أكثر تعقيداً

في النهاية، يرى هيغ أن الحل يكمن في التوقف عن اللهاث وراء أهداف متغيرة باستمرار، والعمل على إيجاد توازن حقيقي بين ما نملكه فعلاً وما نطمح إليه جميعاً.

الإيكونوميست:

كيف يمكن حل أزمة الصحة العقلية؟ هل للحكومة دور أم أن الأمر متروك للمجتمع والفرد ؟

يرى مات هيغ أن حل أزمة الصحة العقلية يتطلب معالجة جذور المشكلة، خاصةً تلك التي تبدأ في مرحلة الطفولة والمراهقة. وأشار إلى أن نصف أمراض الصحة العقلية التي تستمر مدى الحياة تنشأ لدى الأشخاص بعمر 14 عاماً أو أقل لذلك، يجب أن يكون النظام التعليمي أكثر وعياً بهذا الأمر، مع التركيز على القضايا التي تؤثر على الشباب، مثل التنمر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ونوبات الهلع، والضغوط الناتجة عن الاختبارات المستمرة.

كما أكد على ضرورة التعامل مع الصحة العقلية بجدية في بيئة العمل. ورغم أن مبادرات مثل تقديم مسعف أولي للصحة العقلية قد تبدو شكلية، إلا أنها تعتبر خطوة إيجابية لتعزيز شرعية الحديث عن الصحة النفسية بين الموظفين وأرباب العمل. ولفت النظر إلى أن أزمة الصحة العقلية . جزء منها أزمة مرتبطة بتغييرات منطقية في طريقة حياتنا العملية، لا سيما مع تطور الحوسبة والذكاء الاصطناعي. إذ بدأت الآلات تحل محل البشر فى الكثير من الوظائف هي في مما أدى إلى أسئلة فلسفية عميقة حول القيمة الذاتية للبشر. لذلك، يرى هيغ أنه يجب التعامل مع الصحة العقلية باعتبارها أولوية تتجاوز مجرد مؤشرات الاقتصاد، أو معدلات التوظيف، أو درجات الامتحانات.

التحذيرات من قلب صناعة التكنولوجيا:

اعترافات مؤسسيها

هناك العديد من الأشخاص العاملين في صناعة التكنولوجيا الذين بدأوا في التحذير من النتائج التي تسببت فيها ابتكاراتهم.

على سبيل المثال، قال جاستن روزنشتاین Justin Rosenstein، الذي اخترع زر ""أعجبني "" على فيسبوك، إن التكنولوجيا جعلته مدمنا بشدة على هاتفه، حتى إنه اضطر إلى تفعيل خاصية التحكم الأبوي لمنع نفسه من تحميل التطبيقات والحد من استخدامه لمواقع التواصل الاجتماعي. ومن الجدير بالذكر أن زر ""الإعجاب"" على فيسبوك يساهم أيضاً في تمكين شركات البيانات من فهم هويتنا الشخصية؛ فما تعجب به عبر الإنترنت يكشف عن معلوماتنا الشخصية، بما في ذلك ميولنا السياسية، ويمكن جمعها واستخدامها بفعالية للتحفيز على سلوكيات معينة. وهذا ما ظهر بوضوح في فضيحة ""كامبريدج أناليتيكا"" عام 2018، التي كشفت عن اختراق بيانات حوالي 50 مليون مستخدم على فيسبوك بشكل غير قانوني من قبل شركة بريطانية كانت تساعد الشركات والجماعات السياسية في توجيه سلوك الجمهور"".

وفي حديثه إلى صحيفة الغارديان عام 2017، عبر روزنشتاین عن ندمه قائلاً: من الشائع أن يطور البشر أشياء بنوايا حسنة لكنها تؤول إلى نتائج سلبية غير متوقعة، الجميع الآن مشتت طوال الوقت بسبب وسائل التواصل الاجتماعي. كما عبر مؤسسان آخران لتويتر عن ندم مماثل. فقد صرح إيف ويليامز، الذي استقال من منصب الرئيس التنفيذي في عام 2010 لصحيفة نيويورك تايمز في 2017 بأنه غير راض عن الطريقة التي ساعد بها تويتر دونالد ترامب ليصبح رئيساً عام 2016، قائلاً: دور تويتر في ذلك كان سلبياً للغاية.

أما بيز ستون، أحد مؤسسي تويتر، فقد ندم على قرار آخر، إذ قال في مقابلة مع مجلة ""Inc"" إن التحول الخطير الذي أحدثه تويتر كان السماح للغرباء بالإشارة إلى الأشخاص في منشوراتهم، مما خلق بيئة خصبة للتنمر.

وفي خطوة جريئة، قام عدد من موظفي شركات التكنولوجيا السابقين بتأسيس ""مركز التكنولوجيا الإنسانية"" بهدف ""إعادة توجيه التكنولوجيا لخدمة المصلحة الإنسانية"" ومعالجة ""أزمة الاهتمام الرقمي"".

خاتمة
بعد انتظار طويل، أصبح اليوم هناك العديد من الحالات التي يجتمع فيها خبراء التكنولوجيا لمناقشة المخاوف التي أثيرت حول تأثيراتهم. على سبيل المثال، في مؤتمر ""الحقيقة حول التكنولوجيا"" الذي عُقد في واشنطن عام 2018، كان من بين المتحدثين تريستان ""هاريس"" - مشرف الأخلاقيات السابق في جوجل - والذي أصبح الآن مخبراً عن المخالفات التكنولوجية، بالإضافة إلى المستثمر السابق في فيسبوك روجر ماكنامي""، إلى جانب السياسيين وأعضاء جماعات الضغط مثل ""Common Sense Media""، الذين يعملون على مكافحة إدمان التكنولوجيا بين الشباب. وقد عبر المتحدثون عن مجموعة من المخاوف، مثل كيفية تأثير بريد جوجل ""Gmail"" على تركيز الشباب، أو كيف يستغل تطبيق سناب شات الصداقات في سن المراهقة لتحفيز سلوك الإدمان من خلال ميزات مثل ""سناب"" ستريك"" (Snapchat streaks) التي تظهر للمستخدمين عدد التفاعلات اليومية مع أصدقائهم. 

وفقا لصحيفة الغارديان، شبه ""هاريس"" عالم التكنولوجيا الغرب الأمريكي بالمتوحش من حيث أن أخلاقياتهم تشبه بناء كازينو في أي مكان""، بينما شبه ""ماكنامي"" هذه الصناعة بصناعات التبغ والأغذية في الماضي، حيث كانت السجائر تروج على أنها صحية، وكان مصنعو الوجبات السريعة ينكرون احتواءها على كميات كبيرة من الملح. الفرق هو أن السجائر على سبيل المثال، لم تكن تجمع أي بيانات عنا، بينما يمكن للإنترنت اليوم معرفة كل شيء عن حياتنا، مثل أصدقائنا، وتوجهاتنا الموسيقية، ومخاوفنا الصحية، وحياتنا العاطفية وآرائنا السياسية، مما يتيح لشركات الإنترنت الاستمرار في استخدام هذه المعلومات لتطوير منتجاتها بطريقة أكثر جذباً للإدمان. في الوقت الحالي، يحذر القائمون على صناعة التكنولوجيا من أن هناك قلة من اللوائح التي تحد من هذه الممارسات.

ومع تزايد الأبحاث التي تدعم هذه المخاوف، أظهرت الدراسات كيف تساهم التكنولوجيا في ما يسمى بـ ""الاهتمام الجزئي المستمر"" وكيف يمكن أن تصبح مسببة للإدمان ؟. على سبيل المثال، خلصت دراسة أجريت في 2017 من كلية ماكومبس لإدارة الأعمال في جامعة تكساس إلى أن مجرد وجود الهاتف الذكي بالقرب من الشخص يمكن أن يقلل من ""قدراته المعرفية"". 

حتى الآن، لم يعترف رسمياً بأن إدمان الهواتف الذكية"" أو إدمان مواقع التواصل الاجتماعي "" يشكل اضطراباً نفسياً، على الرغم من أن تصنيف منظمة الصحة العالمية لإدمان ألعاب الفيديو كاضطراب عقلي رسمي يشير إلى تزايد الوعي حول تأثير التكنولوجيا على الصحة العقلية. ومع ذلك، ما زال هذا الوعي بحاجة إلى المزيد من التطوير، ويبدو أنه لا يزال يتخلف عن السرعة الكبيرة التي يتحرك بها التغير التكنولوجي.
تحت الضغط المتزايد، أفادت صحيفة ""CNN"" في 2018 بأن شركة ""Unilever"" الشهيرة هددت بسحب إعلاناتها من فيسبوك وجوجل ما لم تتخذ الأخيرة خطوات جادة لمكافحة المشاكل المرتبطة بالخصوصية والمحتوى غير المرغوب فيه وحماية الأطفال. وأشارت الشركة إلى أن هذه القضايا تساهم في تقليص الثقة الاجتماعية، وتضر بالمستخدمين، وتؤثر على الديمقراطيات"". هناك وعي متزايد بأن القوة العظمى الشركات الإنترنت يجب أن تقترن بمسؤولية كبيرة. ومع ذلك، فإن مقدار المسؤولية التي سيتحملونها، في غياب ضغوط اجتماعية ومالية حقيقية لا تزال مسألة مثيرة للجدل. كما هو الحال مع صناعة الوجبات السريعة أو السجائر أو الأسلحة قد تكون الشركات التي تحقق الأرباح من شيء ما هي الأكثر تردداً في الاعتراف بالمشكلات المحتملة. لذا، عندما يكون الأشخاص داخل هذه الشركات، الذين يمتلكون أكبر قدر من المعرفة حول هذه القضايا، هم من يدقون ناقوس الخطر، يجب علينا أن نصغي إليهم بالفعل. 

توصية
"" إن عدم تفكيرنا بواقعية في الفترة التي سنقضيها على التشتت الرقمي ما هو إلا فخ تقليدي يقع فيه أغلب الأشخاص"".
نرشح لكم كتاب ""مصيدة التشتت كيف تركز في فوضى العالم الرقمي"" للمؤلفة فرانسيس بوث، حيث يأتي كجرس إنذار، مقدماً أساليب فعّالة للإقلاع عن إدمان الوسائل الرقمية وتحقيق أداء أفضل في المهام اليومية، وتحسين جودة العمل والعلاقات، والشعور بالهدوء بعيداً عن صوت الإشعارات وطنين الرسائل، وضجيج التكنولوجيا المستمر.


المصدر: مونوغراف الصحة والرعاية الصحية

الفصل السابق

كتب ذات صلة