الطفرة الرقمية في عالم الرعاية الصحية
تمهيد
على مر العقود، اتسم قطاع الرعاية الصحية ببيروقراطية متجذرة جعلته متخوفاً من التغيير لكن جائحة كوفيد - 19- فرضت واقعاً مختلفاً قلب المعادلة. فقد أوجدت هذه الأزمة، الأكبر في التاريخ الحديث، حالة من التحول الجذري في هذا القطاع. فقد ارتفع معدل النشاط الحيوي فيه بداية من المختبرات وحتى غرف العمليات، حيث استجاب العاملون في المجال الطبي بسرعة وفعالية، معتمدين في كثير من الأحيان على تقنيات مبتكرة ارتجلوا استخدامها.
وفتح هذا الإبداع المجال لعصر جديد من الابتكار يتوقع أن يخفض التكاليف، ويوسع من نطاق وصول الفقراء إلى خدمات الرعاية الصحية، ويحسن جودة العلاج. ومع ذلك، لضمان استمرار تبني هذه التقنيات ينبغي على الحكومات التصدي لمحاولات الجماعات الضاغطة القوية التي قد تعرقل موجة الابتكار بعد انحسار الوباء حفاظاً على مصالحها المالية.
الابتكار الطبي:
بين طفرات التمويل وتحديات الكفاءة والتكلفة
وقد شهدت فترة الجائحة تطوراً في إنتاج اللقاحات، لا سيما باستخدام تقنيات ""الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) إلى جانب ابتكارات لا حصر لها قام بها الاختصاصيون الصحيون الإنقاذ الأرواح. وتخلى القطاع عن تقنيات قديمة لصالح حلول حديثة، مثل مكالمات الفيديو، والنسخ الصوتي، وصيانة الأجهزة عن بعد بمساعدة الشركات المصنعة. وفي ظل بقاء المرضى في منازلهم، تبنى الأطباء المراقبة الرقمية لمرضى النوبات القلبية، مما أسهم في كسر الحواجز التقليدية داخل النظام الصحي، إلى جانب ذلك، شهد الابتكار الطبي طفرة في رأس المال الاستثماري، حيث بلغ التمويل 8 مليارات دولار عالمياً خلال الربع الأخير من العام (2020)، أي ضعف ما كان عليه في العام السابق.
ورغم هذا التقدم، لا يزال القطاع بحاجة إلى مزيد من الابتكار حيث يُشكل الإنفاق الصحي %5% من الناتج المحلي الإجمالي في الدول الفقيرة، و9% في الدول الغنية، و17% في الولايات المتحدة. ويضم القطاع الصحي أكثر من 200 مليون عامل ويحقق أرباحاً سنوية تتجاوز 300 مليار دولار، لكنه يميل إلى الحذر ورفض المخاطرة. ويعاني المرضى صعوبة في تحديد العلاجات الأكثر فعالية، ما يؤدي إلى ظهور مجموعات عمل إدارية مثل أنظمة الصحة الوطنية في أوروبا، وشركات التأمين في أمريكا. إضافة إلى ذلك، تُسهم القواعد المعقدة في تمكين الشركات من تحقيق أرباح مرتفعة.
هذه التحديات أدت إلى تباطؤ في نمو الإنتاجية مؤخراً، كما أن ارتفاع التكاليف جعل الكثيرين في العالم النامي عاجزين عن الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية. وتسببت الكفاءة المنخفضة بأزمة مالية في بعض الدول الغنية خلال العقدين المقبلين، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الرعاية الناتجة عن شيخوخة السكان.
ساعد الوباء في توسيع آفاق ما يمكن تحقيقه، حيث دفع الكثيرين إلى تجاوز مخاوفهم وحذرهم من أبرز هذه التحولات الاستشارة والمراقبة الطبية عن بعد، التي أظهرت قدرتها على خفض التكاليف وتوسيع نطاق الوصول إلى الرعاية الصحية. فعلى سبيل المثال، في باكستان، تمكنت شركة ""سيهات كاهاني Sehat Kahani"" من تمكين الطبيبات للعمل عن بعد لمعالجة الفقراء. كما شهدت الصيدليات الإلكترونية نمواً كبيراً، مما أدى إلى تعزيز المنافسة في القطاع. ودخلت شركة أمازون السوق الصحية، وهو تطور يُتوقع أن يُحدث اضطراباً كبيراً في صناعة الرعاية الصحية الأمريكية التي تهيمن عليها شركات الأدوية الكبرى.
ولا يقتصر التقدم على الخدمات فقط، بل يمتد إلى التكنولوجيا الطبية. فمن خلال الاعتماد على التشخيص المستند إلى الأشعة السينية. واستفاد الجيل الجديد من أجهزة مراقبة السكر في الدم من التطورات الحديثة في أجهزة الاستشعار ومع مرور الوقت، سيساهم الذكاء الاصطناعي في تحقيق قفزات نوعية في تطوير الأدوية.
خاتمة
تتميز الابتكارات الصحية بقدرتها على تعزيز الكفاءة مباشرةً، سواء من خلال خفض تكاليف الإيجارات للمكاتب أو تشجيع الأطباء على العمل في المناطق الريفية حيث تقل الخدمات الصحية. كما يمكن لهذه التحولات إطلاق موجة من المنافسة والتحسين المستمر. وتوفر البيانات المتزايدة سهولة تحديد العلاجات الأكثر فعالية، وتعزز التحول نحو الرعاية الوقائية بدلاً من العلاجية، مما يتيح للمرضى اتخاذ قرارات مدروسة تستند إلى معلومات دقيقة. وللحكومات والسلطات المحلية دور رئيسي في تعزيز هذه الاتجاهات. حيث يجب على الشركات الكبرى في مجال الرعاية الصحية مثل شركات التأمين وغيرها، تبني الخدمات الرقمية ودفع تكاليفها، وإنشاء نظام فعّال لتدفق بيانات الرعاية الصحية.
رؤية مغايرة
رغم الطفرات التكنولوجية التي شهدها قطاع الرعاية الصحية، تظل البيروقراطية عائقاً رئيسياً أمام تسريع الابتكار. تتسم الأنظمة الصحية في العديد من الدول سواء كانت غنية أو فقيرة، بتعقيد القواعد الإدارية وتركز السلطات، مما يجعل من الصعب اعتماد تقنيات جديدة بسرعة وفعالية.
على سبيل المثال، تتطلب الابتكارات الرقمية مثل المراقبة الصحية عن بعد أو التشخيص القائم على الذكاء الاصطناعي موافقات متعددة من الجهات التنظيمية وشركات التأمين، ما يؤدي إلى تأخير دمجها في النظام الصحي. كما أن تركيز القطاع على تقليل المخاطر يجعل من الصعب تجربة حلول جديدة قد تخفض التكاليف أو تحسن الكفاءة.
لذلك، يصبح من الضروري إعادة النظر في القوانين والإجراءات البيروقراطية لتكون أكثر مرونة وملاءمة للتغيرات السريعة في القطاع. وهذا يتطلب شراكات بين الحكومات والقطاع الخاص لتطوير سياسات تحفز الابتكار وتوازن بينه وبين الحماية التنظيمية الضرورية.
