القائمة الرئيسية

قائمة الترجمات

فوكوياما: لماذا نشعر بالقلق بشأن “تعديل الجينات”؟

فوكوياما: لماذا نشعر بالقلق بشأن “تعديل الجينات”؟

يناقش المقال مستقبل إنجاب الأطفال عبر الإخصاب الاصطناعي والهندسة الوراثية، مسلطًا الضوء على الوعود العلمية الكبيرة بإمكانية تعديل الجينات لعلاج الأمراض الوراثية أو تحسين صفات بشرية معينة، مقابل التعقيدات العلمية والمخاطر غير المتوقعة والتحديات الأخلاقية العميقة. يوضح الفرق بين العلاج الجيني للخلايا الجسدية والهندسة الوراثية للخلايا الجرثومية، ويبين أن الأخيرة تحمل إمكانات هائلة لكنها قد تُورّث آثارًا غير محسوبة عبر الأجيال. كما يتناول المقال شبح «تحسين النسل» تاريخيًا وحديثًا، محذرًا من عودته بشكل جديد أكثر ليونة قائم على الاختيار الفردي لا الإكراه، لكنه قد يؤدي إلى عدم مساواة اجتماعية و«سباق تسلح جيني» يضر بالمجتمع ككل. ويؤكد أن قرارات الآباء، رغم نواياهم الحسنة، قد لا تكون دائمًا في مصلحة الطفل، مستشهدًا بحالات واقعية تظهر مخاطر فرض تصورات أيديولوجية أو ثقافية على طبيعة الإنسان. وفي جوهره، يحذر المقال من أن الخطر الأكبر للتكنولوجيا الحيوية لا يكمن فقط في أضرارها العملية، بل في احتمال تغييرها العميق لطبيعة الإنسان وإنسانيته، بطريقة قد لا ندرك قيمتها إلا بعد فوات الأوان.

ضباب الحزن

ضباب الحزن

يشرح المقال أن الحزن تجربة إنسانية معقدة لا يمكن اختزالها في «خمس مراحل» ثابتة، بل هو عملية عميقة ومتغيرة تؤثر في الجسد والدماغ والوعي والهوية، كما يروي الكاتب تجربته الشخصية مع فقدان والده ليصف ارتباك الإدراك، وضباب الذاكرة، والإرهاق العاطفي والجسدي الذي يصاحب الفقد. يستعرض المقال أبحاثًا حديثة في علم النفس والأعصاب تُبيّن كيف يعيد الدماغ تنظيم نفسه تحت وطأة الحزن، وكيف تنشط دوائر عاطفية على حساب التفكير والتركيز، بوصف ذلك استجابة تطورية للبقاء لا علامة ضعف أو خلل. كما ينتقد شيوع نظرية المراحل الخمس للحزن، موضحًا أنها قد تكون مضللة أو ضارة، لأن تجارب الحزن فردية ومتباينة، وقد تتأرجح بين الألم الشديد والقدرة على مواصلة الحياة. ويناقش المقال الحزن المعقّد بوصفه حالة أقل شيوعًا لكنها حقيقية وتحتاج إلى دعم علاجي، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الحزن الطبيعي يحتاج إلى الصبر واللطف مع الذات. وفي النهاية، يخلص إلى أن الحزن، رغم قسوته، قد يقود لدى بعض الناس إلى إعادة تشكيل المعنى والنمو الداخلي، لكنه لا يختفي تمامًا، بل يتغير شكله مع الوقت، وتبقى الذكريات الجميلة قادرة تدريجيًا على مزاحمة الألم.

أصل الحضارة المصرية وخصائصها

أصل الحضارة المصرية وخصائصها

المقال يستعرض نشأة وتطور الحضارة المصرية القديمة، موضحًا أنها ليست مجرد تقدم في التفاعل مع الطبيعة، بل تشمل أيضًا بنية اجتماعية معقدة يقودها نخبة حاكمة تتحكم بالسياسة والاقتصاد وتفرض معايير ثقافية وقيمية باستخدام الكتابة والفن والرموز والموارد الرمزية. يوضح المقال كيف تطورت الحضارة المصرية عبر مراحل من التكيف البيئي والتفاعل مع شعوب غرب آسيا، مع التركيز على حضارة نقادة وهيراكونبوليس كمراكز أولية للسلطة والإنتاج الزراعي والحرفي والتجارة، وصولًا إلى توحيد مصر العليا والسفلى على يد الملك نعرمر (مينا) وتأسيس الدولة الملكية الأولى. ويبرز المقال دور السلطة الملكية والدين في تنظيم الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وارتباط الاحتفالات الدينية والسيطرة على فيضان النيل بشرعية الحكم، مع التأكيد على أن الحضارة المصرية تشكلت نتيجة تفاعل الإنسان مع البيئة والجغرافيا والتاريخ والثقافات المجاورة، وأن خصائصها الفريدة تميزها عن حضارات أخرى مثل بلاد الرافدين، رغم التشابه الظاهري في كونها حضارة نهرية.

النيتشوية الاجتماعية

النيتشوية الاجتماعية

المقال يستعرض كتاب فريدريك بورشر قضية نيتشه ويحلل إرث نيتشه في الفلسفة الاجتماعية من منظور نقدي، مركزًا على كيفية تبني أفكاره في المدارس الفلسفية الفرنسية والألمانية. يوضح المقال أن نيتشه لم يكن مجرد مفكر سياسي أو غير سياسي، بل أثر بعمق في مدرسة فرانكفورت ونظرية النقد الاجتماعي، حيث استُخدمت أفكاره لتشخيص الأمراض الاجتماعية ونقد المعايير، بينما قدمت المدرسة الفرنسية، من باشلار إلى فوكو وديلوز وكانغيلام، قراءة مختلفة تركز على البعد الحيوي والتاريخي للمعايير والسلطة، وإمكانات تشكيل الذات والقوى الفاعلة. المقال يؤكد أن إرث نيتشه ليس ثابتًا أو أحادي الاتجاه، بل يُعاد تفسيره باستمرار، مع التأكيد على أهمية المراقبة الفكرية للذات وفهم الفلسفة الاجتماعية كنشاط نقدي يوازن بين القوة والتحرر، بين التقليد والابتكار، بعيدًا عن اختزالها في مواقف ثورية أو رجعية ثابتة.

جون رولز، فيلسوف في أوساط علماء الاقتصاد 

جون رولز، فيلسوف في أوساط علماء الاقتصاد 

المقال يسلط الضوء على العلاقة بين جون رولز والاقتصاديين، مبينًا كيف أثرت انتقاداتهم على تطوير نظريته حول العدالة الاجتماعية، المعروفة بـ«العدالة كإنصاف». من خلال دراسة أرشيفاته ومحاضراته ومراسلاته، يتضح أن رولز استعار مفاهيم من الاقتصاد لكنه طوّرها عبر التفاعل مع الاقتصاديين، خصوصًا بعد نشر كتابه الأساسي نظرية العدالة (1971). هذه التفاعلات دفعته لتوضيح أفكاره، تعديل بعض مواقفه، وحتى التراجع عن طموحه الأصلي في منافسة النفعية، مؤكّدًا على أن العدالة الاجتماعية يجب أن تهدف إلى تحسين وضع أكثر الفئات حرمانًا. المقال يوضح كيف ساهم هذا النقاش بين الفلسفة والاقتصاد في تشكيل فهمنا لنظرية رولز ولصعوبة الدفاع عن مواقف حادة بشأن عدم المساواة.

إعادة ابتكار الإنعاش: التفاعل بين الطب والثقافة عبر العصور؛ القرنين الثامن عشر والحادي والعشرين

إعادة ابتكار الإنعاش: التفاعل بين الطب والثقافة عبر العصور؛ القرن...

المقال يستعرض دراسة يابانية حديثة أعادت النظر في ممارسة قديمة للإنعاش عن طريق النفخ الشرجي أو “التنفس المعوي”، والتي تعود أصولها إلى أوروبا في القرنين الخامس عشر والثامن عشر، ويبين كيف استُخدمت هذه الطريقة لمحاولة إنقاذ الأشخاص من الاختناق قبل تطور أجهزة التنفس الاصطناعي. الدراسة الجديدة استخدمت الأمعاء كمسار لإيصال الأكسجين إلى الدم عبر سائل غني بالأكسجين، ما يقلل الاعتماد على التنبيب الرغامي ويخفف المخاطر الطبية. الكاتب يربط بين هذا الاكتشاف والبعد التاريخي والثقافي للطب، مشيرًا إلى أن ممارسات الإنعاش عبر القرون لم تتطور فقط بناء على العلم، بل تأثرت بالقيم الثقافية والاجتماعية، مثل تصورات الموت والكرنفالات والتقاليد الشعبية، كما يبرز كيف أن الجائحة الحالية تسلط الضوء على العلاقة بين العلم والضغط الاجتماعي والثقافي، وتدعو لإعادة التفكير في الممارسات الطبية والبعد الأنثروبولوجي للطب وضرورة التركيز على أبعاد العناية المركزة للأطفال والمرضى الضعفاء.

كاتبات على الشاشة

كاتبات على الشاشة

المقال يستعرض كيف تناولت السينما حياة الكاتبات الشهيرات خلال العقود الأخيرة، مركزًا على تباين تمثيلهن بين ضحايا للقيود الاجتماعية والنفسية ونساء متمرّدات يسعين للتحرر من هيمنة الرجال. من جين أوستن إلى سيلفيا بلاث وماري شيلي، يبرز المقال كيف أن الأفلام تُقدّم الكتابة ليس فقط كفن، بل كوسيلة للبقاء والتعبير عن الذات والتحرر الشخصي والاجتماعي، مع التأكيد على قضايا الاستقلال المالي، "الغرفة الخاصة"، وحق النشر باسم المؤلفة. كما يُظهر المقال أن التمثيلات السينمائية غالبًا ما تجمع بين البعد الشخصي للمصير المأساوي للكاتبات، والتمرد الرمزي والفعلي الذي يمثلهن في مواجهة القيود الاجتماعية، مع الإشارة إلى التوتر بين خطاب ما بعد النسوية والوعي المتجدد بحقوق المرأة عبر الزمن.

إليزابيث أنسكومب فيلسوفة متطرفة

إليزابيث أنسكومب فيلسوفة متطرفة

المقال يقدم قراءة شاملة لفلسفة إليزابيث أنسكومب، الفيلسوفة البريطانية المعاصرة لفيتجنشتاين، مسلّطًا الضوء على أصالتها الفكرية وعمقها الفلسفي في مجالات الأخلاق، فلسفة العمل، الفلسفة الاجتماعية، والميتافيزيقا. يبرز المقال دورها في إعادة تصور الفعل الإنساني والنية، وتفكيك النفعية الحديثة، مع التركيز على المسؤولية الفردية والمعرفة العملية كأساس لفهم الفعل الأخلاقي. كما يوضح نهجها في تحليل القواعد الاجتماعية والمؤسساتية، وإظهار العلاقة بين الطابع الإلزامي للقواعد وحاجات الإنسان العملية. على صعيد الميتافيزيقا وفلسفة العقل، قدمت أنسكومب معالجة نحوية للسببية وطبيعة العقل، منتقدة التصورات التقليدية لدى هيوم وديكارت، ومُجددة فهمنا للفعل المتعمد والإدراك. يتميز أسلوبها بالتركيز على التحقيق المفاهيمي بدل بناء النظريات الكبرى، مع استخدام أمثلة عملية ولغوية لتوضيح الأفكار، ما يجعل فلسفتها صعبة الوصول لكنها غنية وملهمة، وذات تأثير مستمر على الفلسفة الأخلاقية والمعرفية المعاصرة. ترجمة: أمجاد العتيبيمراجعة: محمد علي الزهرانيالتفكير في جذور المشكلات: هذا ما شرعت إليزابيث أنسكومب Elizabeth Anscombe في فعله، عادَّةً أن المسائل الفلسفية، لا سيما في الفلسفة العملية، يجب أن تعالج في حد ذاتها، وليس من خلال تحليلاتها العلمية.غالبًا ما ترتبط جيرترود إليزابيث مارغريت أنسكومب Gertrude Elizabeth Margaret Anscombe، الفيلسوفة البريطانية المولودة عام 1919م والتي توفيت عام 2001م؛ أي منذ عشرين عامًا بالضبط، باسم لودفيغ فيتجنشتاين Ludwig Wittgenstein وتوجهاته (1889م-1951م). اتجهت إليزابيث بعد تخرجها في كلية سانت هيو في أكسفورد عام 1941م، إلى كامبريدج حيث التقت الفيلسوف الفييني، الذي كانت طالبة لديه، ثم صديقة، وأخيرًا واحدة من منفذي وصيته عند وفاته. قامت بالكثير من الدفاع عن فكر فيتجنشتاين والترويج له: ترجمات أنيقة -بما في ذلك البحوث الفلسفية التي كانت منذ زمن طويل مرجعًا باللغة الإنجليزية-، ومقالات، وكتاب الرسالة المنطقية-الفلسفيةle Tractatus logico-philosophicus (1921) [1]، الذي يشرح مشروع هذا العمل الصعب من خلال وضع علامة على ارتباطه بأعمال غوتلوب فريج Gottlob Frege (1848م-1925م)، وبرتراند راسل (1872م-1970م) Bertrand Russell، لكن أنسكومب نفسها كانت فيلسوفة أصلية، وعميقة، ومتطرفة؛ لأنها أرادت أن تفكر في كل المشكلات واحدة تلو الأخرى[2]، وجذورها، أي أن تبدأ من الصفر في كل مرة. متأثرةً بكلٍّ من فيتجنشتاين، القارئ الدؤوب لأرسطو Aristote، وتوماس الأكويني Thomas d’Aquin، والفلاسفة العظماء للتقليد مثل ديكارت Descartes، وهيوم Hume. جددت أنسكومب على نحو مثمر أجزاءً كبيرة من الفلسفة، من فلسفة العمل إلى الفلسفة الاجتماعية مرورًا بالميتافيزيقيا.شغلت منصب محاضرة في كلية سومرفيل، أكسفورد، منذ عام 1946م، ثم وُظِّفت في كامبريدج عام 1970م في المنصب الذي كانا يشغلانه فيتجنشتاين ثم جورج هنريك فون رايت Georg Henrik von Wright. كانت فيلسوفة نشطة للغاية، تفيض بالطاقة المادية والفكرية، وزادت من إلقاء الدروس، ونشر المقالات، والمشاركة في المؤتمرات الخارجية حتى تقاعدها عام 1986م وما بعده. تزوجت عام 1941م بالفيلسوف والمنطقي بيتر جتش Peter Geach، وعاشت في الوقت نفسه حياة عائلية مضطربة بين أطفالهما السبعة. خلقت شخصيتها المستقلة والقوية جدًّا، بل غريبة الأطوار، العديد من الطرائف؛ فكانت فظة وتنتقد بشدة مع زملائها الذين عدّتهم فارغين ومتغطرسين، في حين بدت صبورة ومتطلبة للغاية مع طلابها.اعتنقت الكاثوليكية في شبابها، وأظهرت طيلة حياتها الإخلاص الكبير للأخلاقيات اليهودية-المسيحية، إلى حين اتخاذ موقف علني وبطريقة واضحة في سن العشرين؛ جراء دخول إنجلترا في الحرب عام 1939[3]م، ولكن أيضًا من خلال معارضة تنظيم النسل، والمثلية الجنسية، أو حتى الجسدية في بعض الأحيان، والإجهاض خلال 1970م-1980م. ومع ذلك، لم يمنعها هذا الالتزام الديني من انتقاد التعليم الكاثوليكي عندما عدّته ملتويًا أو خاطئًا، ولا من التمييز بين مخاطبة جمهور من المؤمنين والكتابة في الفلسفة، باستخدام المنطق والحجج فقط؛ وحتى أقل من ذلك توطيد صداقة عاطفية مع فيلسوفة ملحدة مثل فيليبا فوت (1920م-2010م) Philippa Foot. لا يزال عمل أنسكومب مستخفيًا، وأحيانًا صعبًا ويصعب الوصول إليه، وهو يحظى حاليًّا باهتمام متجدد، كما يتضح من عدد المنشورات المخصصة له على مدى العقد الماضي في المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا[4].الفعل والمسؤوليةبالإضافة إلى ترجماتها لفيتجنشتاين، اشتهرت أنسكومب أولًا بإعادة تصور عام لفلسفة الفعل، أي التفكير في مفاهيم مثل التطوع، أو اللاإرادية، أو العزيمة، أو الدافع. إذا كان العمل الذي تقوم به في هذا المجال يتماشى مع جهد أرسطو الوصفي، فإن دوافعها ونطاقها أخلاقيان للغاية.عام 1956م، خططت جامعة أكسفورد منح دكتوراة فخرية للرئيس الأمريكي السابق هاري ترومان Harry Truman. ترافعت أنسكومب، التي كانت آنذاك تعمل في كلية سومرفيل، أمام جمعية التبرعات بوجوب رفض هذا الاقتراح؛ بسبب مسؤوليته في قصف ناغازاكي Nagasaki وهيروشيما Hiroshima، وكانت ردة فعلها مبنية على فكرتين: الأولى كانت مبررة في تسببه في فعل قتل المدنيين، ومن ثم اتهامه بتهمة القتل؛ لأنه اختار عمدًا أن يفعل ذلك بهدف إنهاء الحرب. كان النقاش محتدمًا: لم تفز أنسكومب بالقضية، واكتشفت باستغراب أن زملاءها لم يتفقوا معها على هذه الأدلة، إذ تساءلوا هل كان يمكن حقًّا القول إن ترومان قد قتل المدنيين. بعد كل شيء، ظنوا أنه وضع توقيعه فقط على أسفل وثيقة (تأمر بالتفجير). فهل يمكن فعلًا اتهامه بالقتل؟ لم تكن نيته قتل المدنيين، بل إنهاء الحرب واستعادة السلام. ألم يكن من المبرر أخلاقيًّا استخدام الأسلحة النووية إذا كانت وسيلة لتحقيق هذه الغاية؟في مواجهة ما يبدو لها أنه حالة من الارتباك الفكري الذي يغذي شكلًا من أشكال الفساد الأخلاقي[5]، تتوجه أنسكومب في أواخر عام 1950م إلى العمل الفلسفي اللازم للخروج من ذلك. وتظهر دراستها التي أجرتها عام 1958م عن “الفلسفة الأخلاقية الحديثة”[6]، وجود ارتباك كبير بشأن هذا الموضوع. ماذا يعني مصطلح “أخلاقي” عندما نتحدث على سبيل المثال عن “واجب أخلاقي”، أو شيء “مسموح به (أو محظور) أخلاقيًّا”؟ من وجهة نظرها، فشل الفلاسفة الحديثون منذ هيوم Hume وكانط Kant في توضيح معنى المصطلح. في الواقع، مثل هذه التعبيرات ليست سوى بقايا مفهوم قانوني للأخلاقيات، مبني على أساس الإله المشرَع، معلنًا الوصايا. بعيدًا عن هذا الإطار، فإنها تحتفظ فقط بقوتها في التنويم المغناطيسي ويصبح معناها زائلًا[7]. ولتعزيزه، كان الفلاسفة يميلون بعد ذلك إلى الاعتقاد بأن:“يعني الفعل الصحيح أخلاقيًّا”، ذلك الذي يُنتج أفضل النتائج الممكنة […] يتصرف الرجل جيدًا، من الناحية الذاتية، إذا تصرف على أفضل وجه في ظل ظروف خاصة، وفقًا لحكمه على العواقب المترتبة كافة على ذلك العمل المعين”.[8]تسمّي أنسكومب هذا المفهوم بالنفعية، الذي أصبح واسع الانتشار إلى حد تميز به جميع مؤلفي الفلسفة الأخلاقية منذ بداية القرن العشرين. والنتيجة المترتبة على ذلك، هي أن المبادئ التي توجه العمل يجب أن تكون مرنة، أو معتمدة/ أو مرفوضة وفقًا لطبيعة الأشياء التي يرغب المرء في تحقيقها، بحيث يمكن تبرير اختيار أي وسيلة ما دام أنه يسمح بتحقيق غاية جيدة. ومع ذلك، فإن هذا يتعارض كليًّا مع الفكرة الأخلاقية التقليدية القائلة إن هناك محظورات مطلقة، وأنواعًا من الإجراءات التي لا ينبغي اختيارها أبدًا تحت أي ظرف من الظروف، مثل قتل الأبرياء، أو الخيانة[9]، كما يبدو لها أن رفض هذه الفكرة بالتحديد خطير للغاية.يُعدّ هذا التحول النفعي نتيجةً للتغيير في طريقة تصور نية الفاعل، وهو ما نقلته أنسكومب عن هنري سيدجويك[10]؛ وهو أول من دعم ما نسميه “القصدية”، وهي كل النتائج المتوقعة لفعل، ومن ثم محو أي تمييز بين النتيجة المتوقعة وتلك المرجوة، وأي اعتبار للنية في تحديد طبيعة الفعل[11]. كما قدمت لوضع برنامج جديد: من الضروري لكي نكون قادرين على صنع فلسفة أخلاقية جيدة، أن يكون لدينا أولًا «فلسفة نفسية متينة» لتجديد فهمنا لمفاهيم مثل النية، أو الفضيلة[12]. يُمثل كتابها النية، المنشور عام 1957[13]، مثالًا على هذا النوع من التوضيح المفاهيمي الذي كانت تتوق إلى تحقيقه. إن الهدف من هذا الكتاب ليس بناء نظرية، ولكن طرح سؤال منطقي أو نحوي: تحت أي ظرف يوصف ما يفعله شخص ما لوصف الفعل المقصود؟يُقدَّم كل فعل تحت وصف معين “ينشر بيير اللوح”، و”يُصدر بيير ضوضاء”، و”يُقسم بيير خزانة الكتب” إلخ. هناك دائمًا إمكانية لتعدد الأوصاف الحقيقية للفعل نفسه، لكن الأوصاف التي يكون الفعل بموجبها متعمدًا، هي أوصاف يعرف الفاعل بموجبها ما يفعله[14].تزعم أنسكومب بأن هناك حاجة إلى التعرف إلى شكل من أشكال المعرفة الخاصة بالفاعل؛ المعرفة العملية. تتمثل الفكرة الأساسية في أن الشخص يعرف ما هو بصدد تحقيقه (ومن ثم ما يحدث في العالم)، دون الحاجة إلى مراقبة ما يحدث من حوله؛ ما دام أنه يعرف كيفية القيام بذلك، ولا يرتكب أي أخطاء في التنفيذ. وهكذا، فإذا كتبت على اللوحة “أنا أحمق” وعيناي مغلقتان، فأنا أعرف ما يظهر على اللوحة دون الحاجة إلى النظر إليها[15].يتضح هذا الشكل من المعرفة، الذي قد يبدو غامضًا، عندما يتعلق الأمر بالتفكير العملي، أو التداولي الذي من خلاله يتساءل الشخص عن كيفية الحصول على الشيء الذي يريده، أو ذاك الذي يسعى إلى تحقيقه في الظروف الحالية؛ لأن الاستدلال العملي، الذي يتميز فيه المنطق عن الاستدلال البرهاني، هو الذي من خلاله نحدد الأشياء التي يجب علينا القيام بها[16]. تتجلى المعرفة العملية في النظام الغائي المعقد للفعل (أفعل أ بهدف ب، ب بهدف ج…)، ولكن أيضًا، في أن الفاعل يستطيع أن يجيب عن ذلك بتوضيح أسباب تصرفه.يُعد الفعل تحت الوصف أ مقصودًا، ومن ثم يُنسب إلى الشخص ما دام أنه يعرف القيام به دون الحاجة إلى مراقبته. ولكن هذا المعيار لا يكفي لتحديد نطاق مسؤوليته. تؤكد أنسكومب بأننا قد نكون مسؤولين في بعض الحالات عما نجهل عمله أو ما قد فشلنا في عمله، بسبب الجهل، في حين ينبغي علينا أن نعرفه، أو كان بإمكاننا أن نعرفه. على سبيل المثال، يمكن تحميل القبطان مسؤولية غرق سفينته إذا كان قد أهمل النظر إلى السونار الكاشف عن وجود الشعاب المرجانية؛ أما جهله فيعد متعمّدًا[17]، بالإضافة إلى ذلك، يمكننا أن نعرف أن عملنا سوف ينتج (ربما) بعض التأثيرات، دون أن نتحمل المسؤولية عنها إذا حدثت: هذا هو المبدأ المعروف باسم «التأثير المزدوج»[18]، وما لم تكن هناك ظروف خاصة، لن يُتهم الطبيب، الذي يقرر إعطاء دواء يحتمل أن يكون قاتلًا لمريضه، بالقتل إذا توفي مريضه.اتبع القواعديدور تفكير أنسكومب في الفلسفة العملية -أي الأخلاقية والقانونية والسياسية- أيضًا إلى حد كبير حول هذه المسألة، التي نوقشت كثيرًا في النصف الثاني من القرن العشرين، والمعروفة باسم “اتباع القاعدة”. كيف ولماذا تتبع قاعدة؟ يمهد هذان السؤالان الطريق أمام تحليل أصلي لمفهومي “الممارسة الاجتماعية” و”المؤسساتية”. بدلًا من محاولة تحديد ما هو “اجتماعي” بشكل عام، يركز النهج الأنسكومبي على معرفة ما يعنيه أن يكون الشخص عاجزًا عن فعل شيء ما، وليس لأنه سيكون مستحيلًا جسديًّا، بل لأنه مستحيل أو ممنوع في مجتمعه.بعبارة أخرى، فإن أفضل طريقة للتعامل مع لغز وجود الاجتماعية، وفقًا لأنسكومب وأولئك الذين يتفقون معها في هذه النقطة، هي أن تسأل نفسك، على سبيل المثال، كيف يمكن تعليم شخص ما كيفية اتباع اتجاه إشارة الطريق، من ناحية؛ ومن ناحية أخرى، لماذا يجب عليه أن يحترم مثل هذه الإشارة، التوقف عند علامة “قف” أم لا؟ الذهاب في الاتجاه الخاطئ[19]. تتلخص الأصالة الثانية التي ابتكرتها أنسكومب فيما يتعلق بموضوع القواعد في صياغة نهج غير متوقع إلى حد ما، وهو نهج متعارف عليه اجتماعيًّا، وطبيعي على حد سواء. في الواقع، بما أن الإجابة عن السؤال الثاني لا يمكن أن تكون: “لأنه من القواعد اتباع القواعد” بسبب مشكلة الانحدار في اللانهاية -كيف ولماذا أتبع القاعدة التي تأمرني باتباع القواعد؟- تؤكد أنسكومب أنه لا يمكن للمرء أن يفهم لماذا من الجيد اتباع قاعدة معينة، إلا من خلال الاستعانة بوصف الطبيعة البشرية[20].في النص الصادر عام 1976م بعنوان “مسألة المثالية اللغوية”، أخذت أنسكومب الأمثلة الثلاثة للقواعد (في اللعبة) والحقوق، والوعود. تبدأ بالإشارة إلى أن كل مثال من هذه الأمثلة مرتبط باستخدام معين للمفاهيم النمطية (ممكن، ويجب، ومستطاع، وضروري):وفقًا لقواعد اللعبة، أو أي إجراء آخر، “يجب” عليك القيام ببعض الأشياء، ولا يمكنك فعل أشياء أخرى. عندما يكون لشخص الحق في فعل شيء ما، “فلا يمكنك” منعه من فعله. إذا كنت قد دخلت في عقد، لذلك وفقًا لهذا العقد، “يجب” عليك القيام بهذا و”لا يمكنك” القيام بذلك[21].إذا سألنا في الشطرنج: “لماذا يجب عليّ أن أنقل ملكي في هذه الحالة؟”، الإجابة الأولى التي تخطر على البال هي بالتأكيد: “لأنه من القاعدة أن نتحرك، أو لحماية ملكك عندما يكون تحت السيطرة”، لكن الطفل الذي يسأل السؤال قد لا يعرف ما “قاعدة اللعبة”. ومن ثم، فإن هذه الإجابة ليست مفيدة من الناحية التعليمية، يجب على المرء لفهم مثل هذه الإجابة، أن يعرف بالفعل ما “القاعدة” ومن ثم معرفة كيف ولماذا نتبعها، في حين هذا بالضبط ما نجهل فعله افتراضيًّا.مع ذلك، تسمح تحليلات أنسكومب، من خلال التركيز على استخدام الأفعال المساعدة، بالخروج من هذا المأزق[22]. عندما يُعلَّم الطفل كيف ولماذا يجب اتباع قاعدة اللعبة، لا يُستَخدم مفهوم “القاعدة” في البداية. إذا كان ملكه تحت السيطرة، فيمنع أولًا جسديًّا من نقل أي قطعة أخرى بالقول: “لا يمكنك تحريك أسقفك، يجب عليك نقل ملكك لأنه تحت السيطرة”، ثم سيكون كافيًا أن تقول: “لا يمكنك”، و”عليك أن”، دون أن تصاحب هذه الكلمات بإيماءات المنع. وبعبارة أُخرى، يعد الشروع في إظهار، أو الإلزام بعمل شيء، فعلًا يسبق بالضرورة التفسير اللفظي. تقارن أنسكومب لعبة الأطفال التالية:هناك لعبة نلعبها مع الأطفال حيث نضع أيدينا فوق أيدي بعضنا بعضًا بالتتابع. “يجب” على الشخص الذي يده في الجزء السفلي سحبها ثم وضعها في الأعلى. هذا هو أحد الاستخدامات البدهية لـ “يجب عليك”، ويصاحب ذلك جعل المتعلم يفعل ما “يجب عليه فعله”. وهكذا، يمكننا القول: إنه في البداية يجب عليه أن يفعل ذلك “حرفيًّا”، ما يعني أنه مجبور على ذلك[23].إذا انتقلنا من قاعدة لعبة الشطرنج إلى قانون الملكية، على سبيل المثال، فإن الحل هو نفسه. “لماذا يجب علينا ألا نزرع هذه القطعة من الأرض؟”، قد يسأل شخص غير مطلع على قانون الملكية، ولمن قد يكون من الممكن فعليًّا زراعة مثل هذه الأرض؟ سوف يتعلم من خلال منعه، ربما أولًا، من القيام بذلك شخصيًّا، قائلًا: “لا يمكنك زراعة هذا هنا، هذه الأرض ملك لــ/جان Jean”، وبعبارة أخرى: يسمح فقط لــ/ جان بالزراعة هنا (امتياز)، ما لم يسمح لك بذلك (إذن)، وإذا كنت تفعل ذلك دون إذن، فيجب عليك تعويضه (التزام).دعونا نوضح أن سؤال هذا الفرد لم يكن: كيف يُبرَّر الحق في الملكية؟ ومع ذلك، على عكس لعبة الشطرنج، فإن ممارسة الملكية الخاصة ليست (مجرد) لعبة، ومسألة السيطرة على قواعد الملكية هذه مشروعة تمامًا، ولا سيما أن المشاركة في لعبة الملكية الخاصة في مجتمعنا، على عكس لعبة الشطرنج مرة أخرى، ليست اختيارية: بل من الضروري أن يشارك كل فرد، ولو فقط لأن تكلفة رفض المشاركة مرتفعة للغاية.في هذه المرحلة، يصبح تفسير أنسكومب لنظرية المواضعة طبيعيًّا: إذا لم يكن اختياريًّا المشاركة في ممارسات بشرية معينة، تتألف من قواعد معينة -التي يمكن أن تختلف إلى حد كبير اعتمادًا على الأوقات والأماكن-، يرجع إلى حقيقة أن هذه الممارسات تستجيب لاحتياجات الإنسان، بمعنى أنه من دونها لن يُحصَل على بعض الخيرات[24]، ولا يمكن تجنب بعض الشرور. وهذا ليس ضرورة منطقية أو مادية، بل ضرورة عملية: فمدونة الطريق تستجيب للحاجة إلى الأمن، والملكية إلى الاستقرار، والوعد بالقدرة على فعل الأشياء للآخرين دون تدخل القوة أو التلاعب.ومن ثم، إذا لم تكن المشاركة في هذه الممارسات واتباع قواعدها اختياريًّا، فليس ذلك لأنها ستكون مصحوبة بواجب “أخلاقي” محدد من شأنه أن تكون له قوة خاصة: فهل “يجب” في “يجب عليك تحريك ملكك” لها المعنى نفسه الذي في “يجب عليك أن تحافظ على وعدك”؟ ولكن دور الوعد في حياة الإنسان ليس هو نفسه في لعبة الشطرنج[25]. علاوةً على ذلك، فإن مثل هذه الفلسفة الاجتماعية والأخلاقية ليست، خلافًا للمظاهر، مطابقة للأخلاق: إذا لم تعد هذه الممارسة أو تلك أداة للخير الذي تدعي أنها عليه، فيجب إصلاحها، على سبيل المثال الملكية الخاصة إذا لم تكن كذلك أداة للاستقرار وحماية الحرية الفردية. تجدر الإشارة أخيرًا بعدم استناد جميع القواعد الأخلاقية والقانونية، بالنسبة لأنسكومب، إلى ممارسات بشرية مثل الالتزام بالوعود أو حظر الأكاذيب، في المقام الأول: الحق في عدم التعرض للاغتيال (القتل)، أي القتل عمدًا عندما يكون المرء بريئًا، يستلزم على سبيل المثال حظرًا مطلقًا للقتل لا يعتمد على ممارسة اجتماعية سابقة. تسمح هذه الملاحظة الأخيرة عن حظر القتل، بطريقة سلبية، بفهم أفضل لما يمكن أن يكون عليه “حق من حقوق الإنسان”[26].الميتافيزيقيا بوصفها تحقيقًا نحويًّاتمكنت وريثة وصديقة فيتجنشتاين، أنسكومب، من استخدام النهج النحوي للسيد الفيينيّ استخدامًا خلاقًا، لتجديد معالجة الأسئلة الرئيسة للميتافيزيقيا والإبستمولوجيا. وتتناول في كتاباتها العديد من المواضيع: الجوهر، والوقت، والحصص المستقبلية، وحتى الذاكرة. ومع ذلك، لم يجذب انتباهها سوى ميدانين من المشكلات: السببية وطبيعة العقل.بالنسبة لها، كانت السببية واحدة من الموضوعات الأولى التي أثارت اهتمامها حتى قبل دراستها[27]. وتؤكد في كتابها “النية” أنه “موضوع فيه الكثير من الغموض”[28]، وهو ما لم يثنِها عن تكريس العديد من المقالات لاحقًا لهذا الموضوع، بما في ذلك محاضرتها الافتتاحية في جامعة كامبريدج[29].يعد هيوم الهدف الرئيس لتأملاتها؛ إذ لا تتردد عن وصفه بـ “السفسطائي العظيم والعميق”[30]. وفقًا للفيلسوف الاسكتلندي، نقول: إن (أ) هو سبب (ب)، عندما نلاحظ أن الأحداث أو الأشياء من النوع (أ) تُتبع بانتظام من الأحداث أو الأشياء من النوع (ب)، ما يجعلنا نتوقع حدوث (ب) في كل مرة يحدث (أ)، أو البحث عن (أ) عندما يحدث (ب). وهكذا، يقول هيوم: لا يمكن العثور على “الارتباط الضروري” بين السبب والنتيجة في أي مكان، إلا في طيات يتخذها خيالنا[31]. على الرغم من تعبيرها المتشكك، ساعد هذا التحليل على تعزيز فكرة أن السببية تسير جنبًا إلى جنب مع الضرورة. هذه هي بالضبط النقطة التي تشكك فيها أنسكومب بشدة: يمكن للمرء أن يعرف جيدًا أن (أ) هي سبب (ب) دون معرفة، أو حتى الحاجة إلى افتراض وجود انتظام أو قانون يوحد بين (أ) و(ب) هو أمر بدهي للغاية:السببية هي أن النتيجة تنبع من أسبابها. هذا هو لب السببية، وهو السمة المشتركة للسببية على اختلاف أنواعها.تنبع التأثيرات، وتنشأ، وتأتي من أسبابها. على سبيل المثال، سيتفق الجميع على أن القرابة الجسدية هي علاقة سببية. يُعد هنا الاشتقاق ماديًّا، عن طريق الانقسام.إن مفهومنا الشائع عن السبب أكثر غموضًا مما يفترضه الفلاسفة عادة: إن القول: إن (أ) هي سبب (ب)، هو القول: إن (ب) مستمد من (أ)، ولكن هذا لا يقول شيئًا حتى الآن عن نمط السببية (الكيفية)، ولا عن مسألة هل كان هذا النمط يفترض انتظامًا واحدًا أو أكثر. تختلف حقيقة أن (ب) مشتق من (أ) عن حقيقة أن هذا هو الحال بالضرورة. غالبًا ما تُتَجاهل هذه النقطة بسبب حجج هيوم، التي تستبعد فكرة أن شيئًا ما يمكن إدراكه على أنه مشتق من شيء آخر في حالة واحدة. وتشير أنسكومب، على العكس من ذلك، إلى أنه لا يوجد شيء مستحيل في هذا الشأن، على سبيل المثال، إدراك أن الجمر الذي يسقط من السيجارة يحرق السجادة. نتعلم أيضًا استخدام أفعال مثل «حرق»، أو «رطب»، أو «دفع»، في الوقت نفسه الذي يستخدم فيه البعض أسماء تشير إلى أنواع المادة أو المواد، التي تستخدم لوصف تأثيراتها الجانبية. تُعد فكرتنا العامة عن السببية نتاجًا مجردًا لاستخدام هذه المفاهيم الأكثر تحديدًا.في فلسفة العقل، يتميز موقف أنسكومب بمناهضة ديكارتية حازمة تهدف إلى تصحيح صورة بسيطة للغاية للعقل[32]. يظهر ديكارت Descartes عميقًا عندما يستخدم مصطلح “cogitare“، أو التفكير “كل ما يتم فينا بطريقة تجعلنا ندركه على الفور بأنفسنا؛ ولهذا السبب، فإنه ليس فقط السمع، والرغبة، والتخيل، بل والشعور أيضًا، هو الشيء نفسه هنا مثل التفكير. لهذا السبب”[33]، تقدم كل هذه الأفعال (التي يسميها فيتجنشتاين “الأفعال النفسية”[34]) من وجهة نظر منطقية، استخدامها في الشخص الأول المفرد وفي الشخص الثالث المفرد في المضارع الدلالي، إذا قلت: إن “X لديه صداع”، يمكنك أن تسألني “كيف تعرف؟”. ولكن إذا قلت: “لدي صداع”، لا يمكن طرح مثل هذا السؤال، ليس لأنه سيكون غير مناسب، ولكن لأنه لن ينقل أي تساؤل حقيقي (سيقول فيتجنشتاين: إنه مستبعد من قبل «القواعد»، أي أشكال الاستخدام الحسية لهذا الفعل).لكن ديكارت يخطئ عندما يفسر هذه الصفة باللجوء إلى فكرة الامتياز المعرفي للموضوع فيما يتعلق بأفكاره الخاصة، على نموذج إدراك العقل الداخلي أو التفتيشي. الخطأ الأكثر جوهرية، هو توحيد قواعد جميع الأفعال النفسية على نموذج “الشعور”؛ لأنه في هذه الحالة: “تحول مفهوم التفكير […] إلى مفهوم الوعي أو التجربة[35]“. وعلى النقيض من هذا الموقف، تزعم أنسكومب أننا يجب أن نقاوم إغراء تصور كل شيء عقلي على نموذج التجربة الحية. وعلى العكس من ذلك، فمن المناسب وصف الاختلافات في الأداء بين الأفعال النفسية من أجل فهم خصوصيتها، كلّ حالة على حدة.كما تطبق أنسكومب هذه الطريقة للتعامل مع مشكلة أفعال الإدراك مثل “يرى” أو “يسمع”[36]. المشكلة هي معرفة ما هدف الرؤية. الجواب الأول هو أن نقول: إن موضوع الرؤية هو الشيء نفسه الذي نراه. ولكن يحدث أن نظن أننا نرى شيئًا، على سبيل المثال، غزالًا في الغابة، في حين لا يوجد شيء من هذا القبيل أمامنا: فهل نحن لا نرى شيئًا في النهاية، حتى لو لم يكن غزالًا؟ وماذا عن حالات الهلوسة البحتة والبسيطة؟ يستند بعض الفلاسفة، مثل برتراند راسل Bertrand Russell، إلى هذه الحالات، ليؤكدوا أن الهدف المباشر للإدراك ليس الشيء نفسه، بل المعطيات الحسية الخاصة، أو البيانات الحسية التي يفترضون وجودها. ومع ذلك، بالنسبة لأنسكومب، فإن المشكلة ليست وجودية، بل نحوية. لنفترض أن رجلًا يقول: “رأيت غزالًا، فأطلقت النار عليه”، ولكن من ظنه غزالًا هو والده. يصح أن نقول: إنه رأى غزالًا: هكذا ظهرت له الأمور؛ “الغزال” هو وصف يعطي الهدف المقصود من رؤيته. ولكن من الصحيح أيضًا أن نقول: إن من رآه كان والده: “والده” هو إذن وصف يعطي الشيء المادي لرؤيته، أي الكائن أو الشيء الذي مثُل بالفعل أمام عينيه. يكون الفعل مثل “يرى” فعلًا مقصودًا: وهذا يعني أنه يجب دائمًا استكماله بتعبيرات تُعبر عما يُرى؛ ولكن الوصف الذي يقدم الهدف المقصود من الرؤية لا يتطلب وجود ما يصفه، ومن ثم يسمح لنا بنقل محتوى تجربة بصرية من خلال استخدام معين للغة.تظهر المعارضة لديكارت، على نطاق أوسع، لما تدين به الفلسفة المعاصرة لفكره، أيضًا في مقال بعنوان “الشخص الأول”[37]، وهو النص الذي أثار نقاشًا حيويًّا[38]. في أثناء تأملاته سأل ديكارت نفسه: “أنا الذي أفكر، من أنا؟”، وبدأ بالبحث عن مرجع كلمة “أنا” أو “الذات”. يدفع الجسد جانبًا، ليجد الشيء المفكر. السؤال النحوي الذي تريد أنسكومب طرحه، هو هل كان يجب عدّ الضمير “أنا” تعبيرًا مرجعيًّا. حسب ما تراه هي، فإن ذلك خطأ: فكلمة “أنا” لا تعمل مثل الاسم أو التعبير الذي يمكن استخدامه للإشارة إلى شيء يمكن أن يسمى “الذات”[39]؛ يستخدم المستمع للإشارة إلى أن الشخص المعني هو الشخص الذي يتحدث. من خلال هذا التوضيح، إنها مسألة مهاجمة “الجذر الرئيس للفكرة الفلسفية لـ “الموضوع”[40]، من أجل إظهار أن ثنائية الذات والجسد (أو بدائلها)، هي أسطورة مشتقة من خطأ نحوي.أسلوب فلسفي مبتكر ومُلِحّلا يمكن الوصول إلى عمل أنسكومب بسهولة. تقارن ابنتها ماري جتش Mary Geach كتابات أمها الكثيفة جدًّا بصنع خبز بانفورت: “فقط الفواكه والمكسرات من دون عجينة، مطاطية وقاسية”[41]. يطرح روجر تيتشمان Roger Teichmann ثلاثة أسباب بغض النظر عن الكتابة، على الأقل تفسر صعوبة الوصول إلى عمل أنسكومب[42]: لا تدعي بناء نظام؛ ولا تناقش معاصريها كثيرًا؛ وغالبًا ما تبدأ في الدقة الإعلامية مناقشتها لمشكلة فلسفية، دون شرح كل استنتاجاتها، ولا حتى الاستشهاد دائمًا بمصادرها على وجه التحديد.غير أنها تشجع القارئ من خلال اطّلاعه على مسار فكرها، من خلال تناقضات بشأن مشكلة فلسفية، على استخلاص استنتاجاتها الخاصة؛ لأنه من خلال تدريس الفلسفة، تكتب: “لا نأمل أن يصدقنا طلابنا، بل سيصلون لذلك إلى رؤية ما نقوله صحيحًا، لو كان كذلك[43]. لذلك؛ تركز أنسكومب على “نظام الاكتشاف في نصوصها”، حيث يواجه القارئ في الوقت نفسه الذي تعتبر فيه صعوبات البحث، كما هو الحال في كتاب القصد.من الممكن أيضًا تحديد طريقة بحث مفاهيمية خاصة بفلسفة أنسكومب. على سبيل المثال، فيما يتعلق بالإبقاء على العمل المتعمد، هذا لا ينطوي على “استكشاف الظروف التي يكون فيها العمل غير “المتعمد”، ولكن بدلًا من ذلك تحديث الشروط اللازمة، كما ذكرنا للتو، ليكون الإجراء مؤهلًا على أنه مقصود[44]. لا جدوى من وصف استخدامنا اللغوي المعتاد هنا:“إذا رأيت رجلًا يتبع الرصيف، ثم استدار إلى الطريق، ونظر في الاتجاهين، وعبر الشارع عندما يكون آمنًا، فلن أقول عادة إنه عبر الطريق عمدًا، ولكن سيكون من الخطأ أن نستنتج أن هذا ليس فعلًا نموذجيًّا من العمل المتعمد[45].وبالمثل، فإن الحوار التالي هو وسيلة جيدة للبدء في فهم لماذا “التعبير عن النية” بشأن المستقبل ليس تنبؤًا: “سوف أفشل في امتحاني! لكنك قمت بالمراجعة جيدًا – لا، أنت لا تفهم، أريد أن أظهر لوالدي أنني تعبت من الدراسة[46]. على الرغم من أنه من الضروري وجود لغة واضحة للتعبير عن النيات، فإن كلمتَي “نية” و”متعمدة” غير مطلوبتين.ومن ثم، فإن التحقيق المفاهيمي لا يعتد بما نقوله في معظم الأحيان بوصفه موضوعًا، بل يسمح لنفسه باختراع المواقف التي تسمح لنا بالكشف عن السمات المنطقية لمفاهيمنا، على سبيل المثال: “الفعل المتعمد” أو “التعبير عن النية”[47]. فيما يتعلق بمفهوم “المظهر”، حتى لو كان من غير الصحيح لغويًّا قول “رؤية مظهر” -على سبيل المثال مظهر الرجل-، هذا لا يعني أنه لا يمكن للمرء أن يرى مظاهر الرجال في مواقف معينة.يمكننا التمييز بين رؤية رجل فعليًّا، ورؤية المظاهر كما نقول: إننا نرى أو رأينا رجلًا. يمكننا وصف أو تحديد “ما رأيناه بعد ذلك”، دون أن نعلم أن ما رأيناه في الواقع كان مجرد انعكاس، أو أنه سترة معلقة على شماعة المعاطف[48].يمكن أن يعطي هذا الخيال الفلسفي لأنسكومب، على الرغم من الصعوبات، لقراءة نصوصها متعة خاصة. لذا، لدحض الفرضية القائلة إن العمل التطوعي سيسبقه بالضرورة “فعل إرادة”، هل تتخيل الوضع التالي: “بينما كنت جالسًا على حافة المسبح، جمعت شجاعتي […] لأقرر بشكل إيجابي أن أغوص برأسي أولًا في الماء – فجأة تدفعني”[49]، وعليه، فليس غياب “فعل الإرادة” مسبقًا من جانبه هو، ما يجعل غوصه غير طوعي.تتكون كتابة أنسكومب أيضًا من الصور المذهلة: لأن إيماننا بشهادات الآخرين هو جزء لا يقهر من معرفتنا بالواقع، فإنها تكتب ببلاغة أنهم مثل: “البقع الصغيرة وخطوط الدهون الموجودة في اللحوم الجيدة […]”[50]. وفي مكان آخر، لكي نفهم أن طاعة الأمر ليست: لا أفعل إلا ما أُمرت به، أو حتى أفعله لأنني أُمرت به، تتخيل المشهد السخيف حيث أُومر بصوت رهيب: “ارتجفْ من الخوف!” وذلك بسبب النغمة، أبدأ بالارتعاش في صوتي.لذلك، فإن التحدي الذي تواجهه فلسفة أنسكومب لا يتمثل في بناء النظريات، بل في فهم أفضل للمفاهيم التي نملكها[51]. كما تجدر الإشارة إلى أن هذا العمل المفاهيمي، الذي يجب أن يتكرر دائمًا، يسمح لأنسكومب بدحض الاعتراضات العقلانية المختلفة التي قد تُجرى على أسرار إيمانها الكاثوليكي، لأن قول: “قد يُدحَض، لكنني ما زلت أومن به”، ليس موقفًا تقيًّا على الإطلاق[52]. فيما يتعلق بالتحول الجوهري، على سبيل المثال، إذا كان شخص ما يميل إلى القول: “من المستحيل أن رجلًا طوله 1.80 متر ليس له جاذبية؛ قد يجيب أحدهم، متبعًا أنسكومب: ولكن كيف تعرف أن الطريقة البعدية هي الوسيلة الوحيدة لتكون في مكان ما؟»[53]. ومع ذلك، بما أن هذا العمل المتمثل في تنظيف ما تعده “النفايات” التي يلقيها العقل البشري أحيانًا في طريقنا كعقبات، لا علاقة له بالادعاء بإثبات أسرار الإيمان، فإن طريقة أنسكومب واستنتاجاتها يمكن أن تكون في خدمة أي مشروع فلسفي، مهتم بعدم الوقوع في أخطاء بشأن ما يمكن التفكير فيه، وما لا يمكن التفكير فيه[54].ولمزيدٍ من المعرفة: •المراجع المرجعية الكاملة لنصوص أنسكومب (آخر تحديث في يونيو 2012م): [https://core.ac.uk/download/pdf/83567387.pdf]•فاليري أوكوتورييه Valérie Aucouturier، إليزابيث أنسكومب. الروح في الممارسةL’Sprit en Pratique ، باريس، طبعات CNRS، 2013م.الدراسة الوحيدة الموجودة باللغة الفرنسية عن إليزابيث أنسكومب، التي تشرح بوضوح الروابط بين فلسفة العقل والفلسفة الأخلاقية وفلسفة العمل للفيلسوف البريطاني.•فاليري أوكتورييه ومارك بافلوبولوس Marc Pavlopoulos، التصرف والتفكير Agir et penser مقالات عن فلسفة إليزابيث أنسكومب، باريس، منشورات جامعة السوربون، 2015م.قرابة عشرة مقالات باللغة الفرنسية عن فلسفة العمل ومسؤولية أنسكومب. ويتضمن المقال الرئيس لريتشارد مورانRichard Moran ومارتن ج. ستون Martin J. Stone مترجمًا إلى الفرنسية حول مفهوم “التعبير عن النية” عند أنسكومب.•فاليري أوكوتورييه، “قراءات معاصرة لأنسكومب”، كليسيس، المجلد. 35، 2016م.مقالات باللغتين الفرنسية والإنجليزية، يمكن الوصول إليها مجانًا، وبعضها يعود على المفهوم الصعب لـ “المعرفة العملية” وامتداداتها الأخلاقية في العمل من أنسكومب.•فاليري أوكوتورييه، النية في العمل L’intention en action، باريس، فرين، 2018م.كتاب صغير مخصص لشرح والدفاع عن إحدى الأفكار المركزية للقصد، ضد المواقف المعارضة لدونالد ديفيدسونDonald Davidson أو جون سيرل John Searle: “القصد” ليست اسمًا لحالة ذهنية ينبغي أن نتساءل عن كيفية ارتباطها بالفعل، ولكنها أسلوب محدد لوصف ما يحدث عندما يكون ما يحدث فعل.•جون شفينكلر John Schwenkler، نية أنسكومب. دليل، مطبعة جامعة أكسفورد، 2019م، وراشيل وايزمانRachael Wiseman، دليل فلسفة روتليدج لنية أنسكومب، روتليدج، 2016م.وتبع ذلك تعليقان على كتاب أنسكومب “النية” الذي صدر عام 1957م. تعدّ طريقة راشيل وايزمان أكثر سهولة في الفهم، في حين أن طريقة جون شفينكلر تشرح التراث التوماسي للكتاب بطريقة مستنيرة للغاية، ولا تمحو صعوبات التفسير..•روجر تيشمان Roger Teichmann، فلسفة إليزابيث أنسكومب The Philosophy of Elizabeth Anscombe، مطبعة جامعة أكسفورد، 2008م.دراسة شاملة للغاية لجميع جوانب عمل أنسكومب، التي تأخذ في الحسبان فلسفتها في العمل وفلسفتها في اللغة والعقل.[1] ج.م. أنسكومب، مقدمة إلى كتاب رسالة فيتجنشتاين An Introduction to Wittgenstein’s Tractatus (1959)، في م. جيتش M. Geachول. جورملي L. Gormally (المحررين)، المنطق، الحقيقة والمعنى Logic, Truth and Meaning، إكستر، إمبرينت أكاديمي Imprint Academic، 2015.[2] لذلك فهي ليست “فيلسوفة متطرفة” بالمعنى الذي تبحث به عن نقطة انطلاق جذرية، الحقيقة الأولى التي يجب أن نبني عليها كل شيء. انظر، فيما يتعلق بفيلسوف آخر: فينسنت ديسكومبس Vincent Descombes، “مقدمة فكر المتطرف Introduction Une pensée radicale”، في القضايا الراهنة للفكر الجذري. in Actualité d’une pensée radicale. تكريم لكورنيليوس كاستورياديس Cornelius Castoriadis، دراسات الخطاب أوبسالا، 2018.[3] انظر: “فحص عدالة الحرب الحاليةThe Justice of the Present War Examined “، في الأخلاق والدين والسياسة. in Ethics, Religion and Politics مجموعة من الأوراق الفلسفية Collected Philosophical Papersمجلد 3، أكسفورد Oxford، بلاكويل Blackwell، 1981، ص. 72-81.[4] ومن الجدير بالذكر أيضًا، أن إليزابيث أنسكومب موجودة الآن في قائمة المؤلفين في البرنامج الفلسفي في المدارس الثانوية الفرنسية.[5] انظر: أنسكومب، “هل فلسفة أكسفورد الأخلاقية تفسد الشباب؟ Does Oxford Moral Philosophy Corrupt Youth?” (1957)، في م. جيتش ول.جورملي (المحررين)، الحياة البشرية والفعل والأخلاق Human Life, Action and Ethics::مقالات

الحب في الانتقام: حول مسلسل The Glory

الحب في الانتقام: حول مسلسل The Glory

المقال يستعرض النجاح العالمي للمسلسلات الكورية الجنوبية مثل "المجد" و"لعبة الحبار"، مسلّطًا الضوء على شغف هذه الأعمال بـ قصص الانتقام والتصعيد العاطفي المبالغ فيه، وهو ما يميزها عن المسلسلات الأمريكية التي تميل إلى الواقعية والتحليل الاجتماعي المعمق. يعتمد التحليل على نظرية رينيه جيرار حول المحاكاة والعنف القديم، موضحًا أن الدافع وراء الانتقام في هذه الأعمال ليس مجرد صراع طبقي أو اقتصادي، بل نتاج رغبة محاكية وعاطفية عميقة تجعل المشاهدين يتفاعلون مع الشخصيات وكأنهم جزء من الحكاية، بينما تؤكد الإنتاجات الكورية على التضاد بين الأغنياء والفقراء عبر تصوير مشاهد مبالغ فيها تقربها من الكاريكاتور. في النهاية، يظهر أن هذه المسلسلات تعمل كـ حاضنات للمحاكاة والانتقام، مستمرة في تمجيد العنف القصصي بشكل يختلف عن التحذيرات الأخلاقية للفكر الغربي، ما يجعلها ظاهرة ثقافية فريدة تتجاوز مجرد الترفيه إلى إطلاق العنان للعواطف الإنسانية.

ريتشارد رورتي ذو البراغماتية المتعددة

ريتشارد رورتي ذو البراغماتية المتعددة

المقال يسلط الضوء على فلسفة ريتشارد رورتي التي جعلت الحوار محورًا أساسيًا للفكر، ورفض التمييزات التقليدية بين الفلسفة التحليلية والقارية، وبين التنوير وما بعد الحداثة، وبين الفلسفة والأدب. يركز رورتي على فكرة أن لا صورة واحدة يمكن أن تمثل الإنسان أو الشخصية بدقة مطلقة، وأن الوصف هو عملية سياقية تربط الأشياء والأشخاص ببعضها بدلًا من كشف جوهر نهائي. من هذا المنظور، يقترح المقال النظر إلى شخصيته من خلال عدة سياقات وصور متبادلة تبرز تعددية وتعقيد فكره الفلسفي، بدل الاقتصار على صورة ثابتة أو نهائية.

ما هو التقادم؟

ما هو التقادم؟

المقال يستعرض تطور مفهوم التقادم المخطط منذ أصوله الصناعية والتسويقية وحتى الجدل القانوني والبيئي المعاصر، موضحًا أنه لم يكن مخفيًا بل رُوّج له علنًا كرمز للتقدم والابتكار، سواء في ميكنة الإنتاج أو في صناعة الموضة والمنتجات القابلة للتصرف. يربط المقال بين التقادم والتسويق النفسي والاجتماعي، ويستعرض كيفية استخدامه لزيادة الاستهلاك، بما في ذلك المنتجات ذات العمر القصير والموضة الدورية، مع نقد فلسفي واجتماعي يمتد من كارل ماركس وباباج إلى فيبلن وفيلم الوثائقي الفرنسي “جاهز للرمي”. كما يتناول الجدل القانوني في فرنسا حول تجريم التقادم المخطط، ومحاولات جمعيات مثل HOP فرض الشفافية على الشركات، ويربطه بالتحديات المعاصرة في التكنولوجيا وسوق العمل الرقمي، مسلطًا الضوء على العلاقة بين الاستهلاك المفرط والهدر وتأثيرها البيئي والاجتماعي، مع التشديد على أن هذه الممارسات لا تزال مدعومة بخطابات أيديولوجية تحول القرارات الاقتصادية والتقنية إلى قوانين طبيعية أو تاريخية.

أوروبا وصناعة الآخر

أوروبا وصناعة الآخر

يتناول المقال صراع الهوية الأوروبية في سياق الاتحاد الأوروبي، حيث يبرز مدى ارتباط السياسات والهويات الأوروبية بتحديد من يُعتبر جزءًا من “نحن” الأوروبي ومن يُستبعد باعتباره “الآخر”، خصوصًا في قضايا الهجرة واللجوء. منذ عام 2000، أصبح التأكيد على الهوية الأوروبية داخليًا، عبر تحديد القيم والتقاليد المشتركة، أداة سياسية وأخلاقية لتنظيم اندماج الأجانب، ما يعكس صراعًا بين الاندماج “الأخلاقي” القائم على القيم المشتركة، والاندماج “السياسي” المبني على الحقوق والقوانين. سياسات الهجرة والتجنيس في دول مثل فرنسا تُظهر هذا التوجه، إذ تُفرض على الأجانب معايير توافق هوياتي وأخلاقي لاعتبارهم جزءًا من المجتمع الأوروبي، ما يؤدي أحيانًا إلى استبعادهم وتعزيز التجانس الثقافي. يسلط المقال الضوء على المخاطر المرتبطة بمحاولات الحفاظ على “أوروبا القيم”، إذ يمكن أن تفضي إلى تهميش الآخرين وتقييد التعددية، بما يتعارض مع المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويثير تساؤلات حول حدود “نحن” الأوروبي في مواجهة التنوع الداخلي والخارجي.

فوكوياما: لماذا نشعر بالقلق بشأن “تعديل الجينات”؟

يناقش المقال مستقبل إنجاب الأطفال عبر الإخصاب الاصطناعي والهندسة الوراثية، مسلطًا الضوء على الوعود العلمية الكبيرة بإمكانية تعديل الجينات لعلاج الأمراض الوراثية أو تحسين صفات بشرية معينة، مقابل التعقيدات العلمية والمخاطر غير المتوقعة والتحديات الأخلاقية العميقة. يوضح الفرق بين العلاج الجيني للخلايا الجسدية والهندسة الوراثية للخلايا الجرثومية، ويبين أن الأخيرة تحمل إمكانات هائلة لكنها قد تُورّث آثارًا غير محسوبة عبر الأجيال. كما يتناول المقال شبح «تحسين النسل» تاريخيًا وحديثًا، محذرًا من عودته بشكل جديد أكثر ليونة قائم على الاختيار الفردي لا الإكراه، لكنه قد يؤدي إلى عدم مساواة اجتماعية و«سباق تسلح جيني» يضر بالمجتمع ككل. ويؤكد أن قرارات الآباء، رغم نواياهم الحسنة، قد لا تكون دائمًا في مصلحة الطفل، مستشهدًا بحالات واقعية تظهر مخاطر فرض تصورات أيديولوجية أو ثقافية على طبيعة الإنسان. وفي جوهره، يحذر المقال من أن الخطر الأكبر للتكنولوجيا الحيوية لا يكمن فقط في أضرارها العملية، بل في احتمال تغييرها العميق لطبيعة الإنسان وإنسانيته، بطريقة قد لا ندرك قيمتها إلا بعد فوات الأوان.

ضباب الحزن

يشرح المقال أن الحزن تجربة إنسانية معقدة لا يمكن اختزالها في «خمس مراحل» ثابتة، بل هو عملية عميقة ومتغيرة تؤثر في الجسد والدماغ والوعي والهوية، كما يروي الكاتب تجربته الشخصية مع فقدان والده ليصف ارتباك الإدراك، وضباب الذاكرة، والإرهاق العاطفي والجسدي الذي يصاحب الفقد. يستعرض المقال أبحاثًا حديثة في علم النفس والأعصاب تُبيّن كيف يعيد الدماغ تنظيم نفسه تحت وطأة الحزن، وكيف تنشط دوائر عاطفية على حساب التفكير والتركيز، بوصف ذلك استجابة تطورية للبقاء لا علامة ضعف أو خلل. كما ينتقد شيوع نظرية المراحل الخمس للحزن، موضحًا أنها قد تكون مضللة أو ضارة، لأن تجارب الحزن فردية ومتباينة، وقد تتأرجح بين الألم الشديد والقدرة على مواصلة الحياة. ويناقش المقال الحزن المعقّد بوصفه حالة أقل شيوعًا لكنها حقيقية وتحتاج إلى دعم علاجي، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الحزن الطبيعي يحتاج إلى الصبر واللطف مع الذات. وفي النهاية، يخلص إلى أن الحزن، رغم قسوته، قد يقود لدى بعض الناس إلى إعادة تشكيل المعنى والنمو الداخلي، لكنه لا يختفي تمامًا، بل يتغير شكله مع الوقت، وتبقى الذكريات الجميلة قادرة تدريجيًا على مزاحمة الألم.

أصل الحضارة المصرية وخصائصها

المقال يستعرض نشأة وتطور الحضارة المصرية القديمة، موضحًا أنها ليست مجرد تقدم في التفاعل مع الطبيعة، بل تشمل أيضًا بنية اجتماعية معقدة يقودها نخبة حاكمة تتحكم بالسياسة والاقتصاد وتفرض معايير ثقافية وقيمية باستخدام الكتابة والفن والرموز والموارد الرمزية. يوضح المقال كيف تطورت الحضارة المصرية عبر مراحل من التكيف البيئي والتفاعل مع شعوب غرب آسيا، مع التركيز على حضارة نقادة وهيراكونبوليس كمراكز أولية للسلطة والإنتاج الزراعي والحرفي والتجارة، وصولًا إلى توحيد مصر العليا والسفلى على يد الملك نعرمر (مينا) وتأسيس الدولة الملكية الأولى. ويبرز المقال دور السلطة الملكية والدين في تنظيم الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وارتباط الاحتفالات الدينية والسيطرة على فيضان النيل بشرعية الحكم، مع التأكيد على أن الحضارة المصرية تشكلت نتيجة تفاعل الإنسان مع البيئة والجغرافيا والتاريخ والثقافات المجاورة، وأن خصائصها الفريدة تميزها عن حضارات أخرى مثل بلاد الرافدين، رغم التشابه الظاهري في كونها حضارة نهرية.

النيتشوية الاجتماعية

المقال يستعرض كتاب فريدريك بورشر قضية نيتشه ويحلل إرث نيتشه في الفلسفة الاجتماعية من منظور نقدي، مركزًا على كيفية تبني أفكاره في المدارس الفلسفية الفرنسية والألمانية. يوضح المقال أن نيتشه لم يكن مجرد مفكر سياسي أو غير سياسي، بل أثر بعمق في مدرسة فرانكفورت ونظرية النقد الاجتماعي، حيث استُخدمت أفكاره لتشخيص الأمراض الاجتماعية ونقد المعايير، بينما قدمت المدرسة الفرنسية، من باشلار إلى فوكو وديلوز وكانغيلام، قراءة مختلفة تركز على البعد الحيوي والتاريخي للمعايير والسلطة، وإمكانات تشكيل الذات والقوى الفاعلة. المقال يؤكد أن إرث نيتشه ليس ثابتًا أو أحادي الاتجاه، بل يُعاد تفسيره باستمرار، مع التأكيد على أهمية المراقبة الفكرية للذات وفهم الفلسفة الاجتماعية كنشاط نقدي يوازن بين القوة والتحرر، بين التقليد والابتكار، بعيدًا عن اختزالها في مواقف ثورية أو رجعية ثابتة.

جون رولز، فيلسوف في أوساط علماء الاقتصاد 

المقال يسلط الضوء على العلاقة بين جون رولز والاقتصاديين، مبينًا كيف أثرت انتقاداتهم على تطوير نظريته حول العدالة الاجتماعية، المعروفة بـ«العدالة كإنصاف». من خلال دراسة أرشيفاته ومحاضراته ومراسلاته، يتضح أن رولز استعار مفاهيم من الاقتصاد لكنه طوّرها عبر التفاعل مع الاقتصاديين، خصوصًا بعد نشر كتابه الأساسي نظرية العدالة (1971). هذه التفاعلات دفعته لتوضيح أفكاره، تعديل بعض مواقفه، وحتى التراجع عن طموحه الأصلي في منافسة النفعية، مؤكّدًا على أن العدالة الاجتماعية يجب أن تهدف إلى تحسين وضع أكثر الفئات حرمانًا. المقال يوضح كيف ساهم هذا النقاش بين الفلسفة والاقتصاد في تشكيل فهمنا لنظرية رولز ولصعوبة الدفاع عن مواقف حادة بشأن عدم المساواة.

إعادة ابتكار الإنعاش: التفاعل بين الطب والثقافة عب...

المقال يستعرض دراسة يابانية حديثة أعادت النظر في ممارسة قديمة للإنعاش عن طريق النفخ الشرجي أو “التنفس المعوي”، والتي تعود أصولها إلى أوروبا في القرنين الخامس عشر والثامن عشر، ويبين كيف استُخدمت هذه الطريقة لمحاولة إنقاذ الأشخاص من الاختناق قبل تطور أجهزة التنفس الاصطناعي. الدراسة الجديدة استخدمت الأمعاء كمسار لإيصال الأكسجين إلى الدم عبر سائل غني بالأكسجين، ما يقلل الاعتماد على التنبيب الرغامي ويخفف المخاطر الطبية. الكاتب يربط بين هذا الاكتشاف والبعد التاريخي والثقافي للطب، مشيرًا إلى أن ممارسات الإنعاش عبر القرون لم تتطور فقط بناء على العلم، بل تأثرت بالقيم الثقافية والاجتماعية، مثل تصورات الموت والكرنفالات والتقاليد الشعبية، كما يبرز كيف أن الجائحة الحالية تسلط الضوء على العلاقة بين العلم والضغط الاجتماعي والثقافي، وتدعو لإعادة التفكير في الممارسات الطبية والبعد الأنثروبولوجي للطب وضرورة التركيز على أبعاد العناية المركزة للأطفال والمرضى الضعفاء.

كاتبات على الشاشة

المقال يستعرض كيف تناولت السينما حياة الكاتبات الشهيرات خلال العقود الأخيرة، مركزًا على تباين تمثيلهن بين ضحايا للقيود الاجتماعية والنفسية ونساء متمرّدات يسعين للتحرر من هيمنة الرجال. من جين أوستن إلى سيلفيا بلاث وماري شيلي، يبرز المقال كيف أن الأفلام تُقدّم الكتابة ليس فقط كفن، بل كوسيلة للبقاء والتعبير عن الذات والتحرر الشخصي والاجتماعي، مع التأكيد على قضايا الاستقلال المالي، "الغرفة الخاصة"، وحق النشر باسم المؤلفة. كما يُظهر المقال أن التمثيلات السينمائية غالبًا ما تجمع بين البعد الشخصي للمصير المأساوي للكاتبات، والتمرد الرمزي والفعلي الذي يمثلهن في مواجهة القيود الاجتماعية، مع الإشارة إلى التوتر بين خطاب ما بعد النسوية والوعي المتجدد بحقوق المرأة عبر الزمن.

إليزابيث أنسكومب فيلسوفة متطرفة

المقال يقدم قراءة شاملة لفلسفة إليزابيث أنسكومب، الفيلسوفة البريطانية المعاصرة لفيتجنشتاين، مسلّطًا الضوء على أصالتها الفكرية وعمقها الفلسفي في مجالات الأخلاق، فلسفة العمل، الفلسفة الاجتماعية، والميتافيزيقا. يبرز المقال دورها في إعادة تصور الفعل الإنساني والنية، وتفكيك النفعية الحديثة، مع التركيز على المسؤولية الفردية والمعرفة العملية كأساس لفهم الفعل الأخلاقي. كما يوضح نهجها في تحليل القواعد الاجتماعية والمؤسساتية، وإظهار العلاقة بين الطابع الإلزامي للقواعد وحاجات الإنسان العملية. على صعيد الميتافيزيقا وفلسفة العقل، قدمت أنسكومب معالجة نحوية للسببية وطبيعة العقل، منتقدة التصورات التقليدية لدى هيوم وديكارت، ومُجددة فهمنا للفعل المتعمد والإدراك. يتميز أسلوبها بالتركيز على التحقيق المفاهيمي بدل بناء النظريات الكبرى، مع استخدام أمثلة عملية ولغوية لتوضيح الأفكار، ما يجعل فلسفتها صعبة الوصول لكنها غنية وملهمة، وذات تأثير مستمر على الفلسفة الأخلاقية والمعرفية المعاصرة. ترجمة: أمجاد العتيبيمراجعة: محمد علي الزهرانيالتفكير في جذور المشكلات: هذا ما شرعت إليزابيث أنسكومب Elizabeth Anscombe في فعله، عادَّةً أن المسائل الفلسفية، لا سيما في الفلسفة العملية، يجب أن تعالج في حد ذاتها، وليس من خلال تحليلاتها العلمية.غالبًا ما ترتبط جيرترود إليزابيث مارغريت أنسكومب Gertrude Elizabeth Margaret Anscombe، الفيلسوفة البريطانية المولودة عام 1919م والتي توفيت عام 2001م؛ أي منذ عشرين عامًا بالضبط، باسم لودفيغ فيتجنشتاين Ludwig Wittgenstein وتوجهاته (1889م-1951م). اتجهت إليزابيث بعد تخرجها في كلية سانت هيو في أكسفورد عام 1941م، إلى كامبريدج حيث التقت الفيلسوف الفييني، الذي كانت طالبة لديه، ثم صديقة، وأخيرًا واحدة من منفذي وصيته عند وفاته. قامت بالكثير من الدفاع عن فكر فيتجنشتاين والترويج له: ترجمات أنيقة -بما في ذلك البحوث الفلسفية التي كانت منذ زمن طويل مرجعًا باللغة الإنجليزية-، ومقالات، وكتاب الرسالة المنطقية-الفلسفيةle Tractatus logico-philosophicus (1921) [1]، الذي يشرح مشروع هذا العمل الصعب من خلال وضع علامة على ارتباطه بأعمال غوتلوب فريج Gottlob Frege (1848م-1925م)، وبرتراند راسل (1872م-1970م) Bertrand Russell، لكن أنسكومب نفسها كانت فيلسوفة أصلية، وعميقة، ومتطرفة؛ لأنها أرادت أن تفكر في كل المشكلات واحدة تلو الأخرى[2]، وجذورها، أي أن تبدأ من الصفر في كل مرة. متأثرةً بكلٍّ من فيتجنشتاين، القارئ الدؤوب لأرسطو Aristote، وتوماس الأكويني Thomas d’Aquin، والفلاسفة العظماء للتقليد مثل ديكارت Descartes، وهيوم Hume. جددت أنسكومب على نحو مثمر أجزاءً كبيرة من الفلسفة، من فلسفة العمل إلى الفلسفة الاجتماعية مرورًا بالميتافيزيقيا.شغلت منصب محاضرة في كلية سومرفيل، أكسفورد، منذ عام 1946م، ثم وُظِّفت في كامبريدج عام 1970م في المنصب الذي كانا يشغلانه فيتجنشتاين ثم جورج هنريك فون رايت Georg Henrik von Wright. كانت فيلسوفة نشطة للغاية، تفيض بالطاقة المادية والفكرية، وزادت من إلقاء الدروس، ونشر المقالات، والمشاركة في المؤتمرات الخارجية حتى تقاعدها عام 1986م وما بعده. تزوجت عام 1941م بالفيلسوف والمنطقي بيتر جتش Peter Geach، وعاشت في الوقت نفسه حياة عائلية مضطربة بين أطفالهما السبعة. خلقت شخصيتها المستقلة والقوية جدًّا، بل غريبة الأطوار، العديد من الطرائف؛ فكانت فظة وتنتقد بشدة مع زملائها الذين عدّتهم فارغين ومتغطرسين، في حين بدت صبورة ومتطلبة للغاية مع طلابها.اعتنقت الكاثوليكية في شبابها، وأظهرت طيلة حياتها الإخلاص الكبير للأخلاقيات اليهودية-المسيحية، إلى حين اتخاذ موقف علني وبطريقة واضحة في سن العشرين؛ جراء دخول إنجلترا في الحرب عام 1939[3]م، ولكن أيضًا من خلال معارضة تنظيم النسل، والمثلية الجنسية، أو حتى الجسدية في بعض الأحيان، والإجهاض خلال 1970م-1980م. ومع ذلك، لم يمنعها هذا الالتزام الديني من انتقاد التعليم الكاثوليكي عندما عدّته ملتويًا أو خاطئًا، ولا من التمييز بين مخاطبة جمهور من المؤمنين والكتابة في الفلسفة، باستخدام المنطق والحجج فقط؛ وحتى أقل من ذلك توطيد صداقة عاطفية مع فيلسوفة ملحدة مثل فيليبا فوت (1920م-2010م) Philippa Foot. لا يزال عمل أنسكومب مستخفيًا، وأحيانًا صعبًا ويصعب الوصول إليه، وهو يحظى حاليًّا باهتمام متجدد، كما يتضح من عدد المنشورات المخصصة له على مدى العقد الماضي في المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا[4].الفعل والمسؤوليةبالإضافة إلى ترجماتها لفيتجنشتاين، اشتهرت أنسكومب أولًا بإعادة تصور عام لفلسفة الفعل، أي التفكير في مفاهيم مثل التطوع، أو اللاإرادية، أو العزيمة، أو الدافع. إذا كان العمل الذي تقوم به في هذا المجال يتماشى مع جهد أرسطو الوصفي، فإن دوافعها ونطاقها أخلاقيان للغاية.عام 1956م، خططت جامعة أكسفورد منح دكتوراة فخرية للرئيس الأمريكي السابق هاري ترومان Harry Truman. ترافعت أنسكومب، التي كانت آنذاك تعمل في كلية سومرفيل، أمام جمعية التبرعات بوجوب رفض هذا الاقتراح؛ بسبب مسؤوليته في قصف ناغازاكي Nagasaki وهيروشيما Hiroshima، وكانت ردة فعلها مبنية على فكرتين: الأولى كانت مبررة في تسببه في فعل قتل المدنيين، ومن ثم اتهامه بتهمة القتل؛ لأنه اختار عمدًا أن يفعل ذلك بهدف إنهاء الحرب. كان النقاش محتدمًا: لم تفز أنسكومب بالقضية، واكتشفت باستغراب أن زملاءها لم يتفقوا معها على هذه الأدلة، إذ تساءلوا هل كان يمكن حقًّا القول إن ترومان قد قتل المدنيين. بعد كل شيء، ظنوا أنه وضع توقيعه فقط على أسفل وثيقة (تأمر بالتفجير). فهل يمكن فعلًا اتهامه بالقتل؟ لم تكن نيته قتل المدنيين، بل إنهاء الحرب واستعادة السلام. ألم يكن من المبرر أخلاقيًّا استخدام الأسلحة النووية إذا كانت وسيلة لتحقيق هذه الغاية؟في مواجهة ما يبدو لها أنه حالة من الارتباك الفكري الذي يغذي شكلًا من أشكال الفساد الأخلاقي[5]، تتوجه أنسكومب في أواخر عام 1950م إلى العمل الفلسفي اللازم للخروج من ذلك. وتظهر دراستها التي أجرتها عام 1958م عن “الفلسفة الأخلاقية الحديثة”[6]، وجود ارتباك كبير بشأن هذا الموضوع. ماذا يعني مصطلح “أخلاقي” عندما نتحدث على سبيل المثال عن “واجب أخلاقي”، أو شيء “مسموح به (أو محظور) أخلاقيًّا”؟ من وجهة نظرها، فشل الفلاسفة الحديثون منذ هيوم Hume وكانط Kant في توضيح معنى المصطلح. في الواقع، مثل هذه التعبيرات ليست سوى بقايا مفهوم قانوني للأخلاقيات، مبني على أساس الإله المشرَع، معلنًا الوصايا. بعيدًا عن هذا الإطار، فإنها تحتفظ فقط بقوتها في التنويم المغناطيسي ويصبح معناها زائلًا[7]. ولتعزيزه، كان الفلاسفة يميلون بعد ذلك إلى الاعتقاد بأن:“يعني الفعل الصحيح أخلاقيًّا”، ذلك الذي يُنتج أفضل النتائج الممكنة […] يتصرف الرجل جيدًا، من الناحية الذاتية، إذا تصرف على أفضل وجه في ظل ظروف خاصة، وفقًا لحكمه على العواقب المترتبة كافة على ذلك العمل المعين”.[8]تسمّي أنسكومب هذا المفهوم بالنفعية، الذي أصبح واسع الانتشار إلى حد تميز به جميع مؤلفي الفلسفة الأخلاقية منذ بداية القرن العشرين. والنتيجة المترتبة على ذلك، هي أن المبادئ التي توجه العمل يجب أن تكون مرنة، أو معتمدة/ أو مرفوضة وفقًا لطبيعة الأشياء التي يرغب المرء في تحقيقها، بحيث يمكن تبرير اختيار أي وسيلة ما دام أنه يسمح بتحقيق غاية جيدة. ومع ذلك، فإن هذا يتعارض كليًّا مع الفكرة الأخلاقية التقليدية القائلة إن هناك محظورات مطلقة، وأنواعًا من الإجراءات التي لا ينبغي اختيارها أبدًا تحت أي ظرف من الظروف، مثل قتل الأبرياء، أو الخيانة[9]، كما يبدو لها أن رفض هذه الفكرة بالتحديد خطير للغاية.يُعدّ هذا التحول النفعي نتيجةً للتغيير في طريقة تصور نية الفاعل، وهو ما نقلته أنسكومب عن هنري سيدجويك[10]؛ وهو أول من دعم ما نسميه “القصدية”، وهي كل النتائج المتوقعة لفعل، ومن ثم محو أي تمييز بين النتيجة المتوقعة وتلك المرجوة، وأي اعتبار للنية في تحديد طبيعة الفعل[11]. كما قدمت لوضع برنامج جديد: من الضروري لكي نكون قادرين على صنع فلسفة أخلاقية جيدة، أن يكون لدينا أولًا «فلسفة نفسية متينة» لتجديد فهمنا لمفاهيم مثل النية، أو الفضيلة[12]. يُمثل كتابها النية، المنشور عام 1957[13]، مثالًا على هذا النوع من التوضيح المفاهيمي الذي كانت تتوق إلى تحقيقه. إن الهدف من هذا الكتاب ليس بناء نظرية، ولكن طرح سؤال منطقي أو نحوي: تحت أي ظرف يوصف ما يفعله شخص ما لوصف الفعل المقصود؟يُقدَّم كل فعل تحت وصف معين “ينشر بيير اللوح”، و”يُصدر بيير ضوضاء”، و”يُقسم بيير خزانة الكتب” إلخ. هناك دائمًا إمكانية لتعدد الأوصاف الحقيقية للفعل نفسه، لكن الأوصاف التي يكون الفعل بموجبها متعمدًا، هي أوصاف يعرف الفاعل بموجبها ما يفعله[14].تزعم أنسكومب بأن هناك حاجة إلى التعرف إلى شكل من أشكال المعرفة الخاصة بالفاعل؛ المعرفة العملية. تتمثل الفكرة الأساسية في أن الشخص يعرف ما هو بصدد تحقيقه (ومن ثم ما يحدث في العالم)، دون الحاجة إلى مراقبة ما يحدث من حوله؛ ما دام أنه يعرف كيفية القيام بذلك، ولا يرتكب أي أخطاء في التنفيذ. وهكذا، فإذا كتبت على اللوحة “أنا أحمق” وعيناي مغلقتان، فأنا أعرف ما يظهر على اللوحة دون الحاجة إلى النظر إليها[15].يتضح هذا الشكل من المعرفة، الذي قد يبدو غامضًا، عندما يتعلق الأمر بالتفكير العملي، أو التداولي الذي من خلاله يتساءل الشخص عن كيفية الحصول على الشيء الذي يريده، أو ذاك الذي يسعى إلى تحقيقه في الظروف الحالية؛ لأن الاستدلال العملي، الذي يتميز فيه المنطق عن الاستدلال البرهاني، هو الذي من خلاله نحدد الأشياء التي يجب علينا القيام بها[16]. تتجلى المعرفة العملية في النظام الغائي المعقد للفعل (أفعل أ بهدف ب، ب بهدف ج…)، ولكن أيضًا، في أن الفاعل يستطيع أن يجيب عن ذلك بتوضيح أسباب تصرفه.يُعد الفعل تحت الوصف أ مقصودًا، ومن ثم يُنسب إلى الشخص ما دام أنه يعرف القيام به دون الحاجة إلى مراقبته. ولكن هذا المعيار لا يكفي لتحديد نطاق مسؤوليته. تؤكد أنسكومب بأننا قد نكون مسؤولين في بعض الحالات عما نجهل عمله أو ما قد فشلنا في عمله، بسبب الجهل، في حين ينبغي علينا أن نعرفه، أو كان بإمكاننا أن نعرفه. على سبيل المثال، يمكن تحميل القبطان مسؤولية غرق سفينته إذا كان قد أهمل النظر إلى السونار الكاشف عن وجود الشعاب المرجانية؛ أما جهله فيعد متعمّدًا[17]، بالإضافة إلى ذلك، يمكننا أن نعرف أن عملنا سوف ينتج (ربما) بعض التأثيرات، دون أن نتحمل المسؤولية عنها إذا حدثت: هذا هو المبدأ المعروف باسم «التأثير المزدوج»[18]، وما لم تكن هناك ظروف خاصة، لن يُتهم الطبيب، الذي يقرر إعطاء دواء يحتمل أن يكون قاتلًا لمريضه، بالقتل إذا توفي مريضه.اتبع القواعديدور تفكير أنسكومب في الفلسفة العملية -أي الأخلاقية والقانونية والسياسية- أيضًا إلى حد كبير حول هذه المسألة، التي نوقشت كثيرًا في النصف الثاني من القرن العشرين، والمعروفة باسم “اتباع القاعدة”. كيف ولماذا تتبع قاعدة؟ يمهد هذان السؤالان الطريق أمام تحليل أصلي لمفهومي “الممارسة الاجتماعية” و”المؤسساتية”. بدلًا من محاولة تحديد ما هو “اجتماعي” بشكل عام، يركز النهج الأنسكومبي على معرفة ما يعنيه أن يكون الشخص عاجزًا عن فعل شيء ما، وليس لأنه سيكون مستحيلًا جسديًّا، بل لأنه مستحيل أو ممنوع في مجتمعه.بعبارة أخرى، فإن أفضل طريقة للتعامل مع لغز وجود الاجتماعية، وفقًا لأنسكومب وأولئك الذين يتفقون معها في هذه النقطة، هي أن تسأل نفسك، على سبيل المثال، كيف يمكن تعليم شخص ما كيفية اتباع اتجاه إشارة الطريق، من ناحية؛ ومن ناحية أخرى، لماذا يجب عليه أن يحترم مثل هذه الإشارة، التوقف عند علامة “قف” أم لا؟ الذهاب في الاتجاه الخاطئ[19]. تتلخص الأصالة الثانية التي ابتكرتها أنسكومب فيما يتعلق بموضوع القواعد في صياغة نهج غير متوقع إلى حد ما، وهو نهج متعارف عليه اجتماعيًّا، وطبيعي على حد سواء. في الواقع، بما أن الإجابة عن السؤال الثاني لا يمكن أن تكون: “لأنه من القواعد اتباع القواعد” بسبب مشكلة الانحدار في اللانهاية -كيف ولماذا أتبع القاعدة التي تأمرني باتباع القواعد؟- تؤكد أنسكومب أنه لا يمكن للمرء أن يفهم لماذا من الجيد اتباع قاعدة معينة، إلا من خلال الاستعانة بوصف الطبيعة البشرية[20].في النص الصادر عام 1976م بعنوان “مسألة المثالية اللغوية”، أخذت أنسكومب الأمثلة الثلاثة للقواعد (في اللعبة) والحقوق، والوعود. تبدأ بالإشارة إلى أن كل مثال من هذه الأمثلة مرتبط باستخدام معين للمفاهيم النمطية (ممكن، ويجب، ومستطاع، وضروري):وفقًا لقواعد اللعبة، أو أي إجراء آخر، “يجب” عليك القيام ببعض الأشياء، ولا يمكنك فعل أشياء أخرى. عندما يكون لشخص الحق في فعل شيء ما، “فلا يمكنك” منعه من فعله. إذا كنت قد دخلت في عقد، لذلك وفقًا لهذا العقد، “يجب” عليك القيام بهذا و”لا يمكنك” القيام بذلك[21].إذا سألنا في الشطرنج: “لماذا يجب عليّ أن أنقل ملكي في هذه الحالة؟”، الإجابة الأولى التي تخطر على البال هي بالتأكيد: “لأنه من القاعدة أن نتحرك، أو لحماية ملكك عندما يكون تحت السيطرة”، لكن الطفل الذي يسأل السؤال قد لا يعرف ما “قاعدة اللعبة”. ومن ثم، فإن هذه الإجابة ليست مفيدة من الناحية التعليمية، يجب على المرء لفهم مثل هذه الإجابة، أن يعرف بالفعل ما “القاعدة” ومن ثم معرفة كيف ولماذا نتبعها، في حين هذا بالضبط ما نجهل فعله افتراضيًّا.مع ذلك، تسمح تحليلات أنسكومب، من خلال التركيز على استخدام الأفعال المساعدة، بالخروج من هذا المأزق[22]. عندما يُعلَّم الطفل كيف ولماذا يجب اتباع قاعدة اللعبة، لا يُستَخدم مفهوم “القاعدة” في البداية. إذا كان ملكه تحت السيطرة، فيمنع أولًا جسديًّا من نقل أي قطعة أخرى بالقول: “لا يمكنك تحريك أسقفك، يجب عليك نقل ملكك لأنه تحت السيطرة”، ثم سيكون كافيًا أن تقول: “لا يمكنك”، و”عليك أن”، دون أن تصاحب هذه الكلمات بإيماءات المنع. وبعبارة أُخرى، يعد الشروع في إظهار، أو الإلزام بعمل شيء، فعلًا يسبق بالضرورة التفسير اللفظي. تقارن أنسكومب لعبة الأطفال التالية:هناك لعبة نلعبها مع الأطفال حيث نضع أيدينا فوق أيدي بعضنا بعضًا بالتتابع. “يجب” على الشخص الذي يده في الجزء السفلي سحبها ثم وضعها في الأعلى. هذا هو أحد الاستخدامات البدهية لـ “يجب عليك”، ويصاحب ذلك جعل المتعلم يفعل ما “يجب عليه فعله”. وهكذا، يمكننا القول: إنه في البداية يجب عليه أن يفعل ذلك “حرفيًّا”، ما يعني أنه مجبور على ذلك[23].إذا انتقلنا من قاعدة لعبة الشطرنج إلى قانون الملكية، على سبيل المثال، فإن الحل هو نفسه. “لماذا يجب علينا ألا نزرع هذه القطعة من الأرض؟”، قد يسأل شخص غير مطلع على قانون الملكية، ولمن قد يكون من الممكن فعليًّا زراعة مثل هذه الأرض؟ سوف يتعلم من خلال منعه، ربما أولًا، من القيام بذلك شخصيًّا، قائلًا: “لا يمكنك زراعة هذا هنا، هذه الأرض ملك لــ/جان Jean”، وبعبارة أخرى: يسمح فقط لــ/ جان بالزراعة هنا (امتياز)، ما لم يسمح لك بذلك (إذن)، وإذا كنت تفعل ذلك دون إذن، فيجب عليك تعويضه (التزام).دعونا نوضح أن سؤال هذا الفرد لم يكن: كيف يُبرَّر الحق في الملكية؟ ومع ذلك، على عكس لعبة الشطرنج، فإن ممارسة الملكية الخاصة ليست (مجرد) لعبة، ومسألة السيطرة على قواعد الملكية هذه مشروعة تمامًا، ولا سيما أن المشاركة في لعبة الملكية الخاصة في مجتمعنا، على عكس لعبة الشطرنج مرة أخرى، ليست اختيارية: بل من الضروري أن يشارك كل فرد، ولو فقط لأن تكلفة رفض المشاركة مرتفعة للغاية.في هذه المرحلة، يصبح تفسير أنسكومب لنظرية المواضعة طبيعيًّا: إذا لم يكن اختياريًّا المشاركة في ممارسات بشرية معينة، تتألف من قواعد معينة -التي يمكن أن تختلف إلى حد كبير اعتمادًا على الأوقات والأماكن-، يرجع إلى حقيقة أن هذه الممارسات تستجيب لاحتياجات الإنسان، بمعنى أنه من دونها لن يُحصَل على بعض الخيرات[24]، ولا يمكن تجنب بعض الشرور. وهذا ليس ضرورة منطقية أو مادية، بل ضرورة عملية: فمدونة الطريق تستجيب للحاجة إلى الأمن، والملكية إلى الاستقرار، والوعد بالقدرة على فعل الأشياء للآخرين دون تدخل القوة أو التلاعب.ومن ثم، إذا لم تكن المشاركة في هذه الممارسات واتباع قواعدها اختياريًّا، فليس ذلك لأنها ستكون مصحوبة بواجب “أخلاقي” محدد من شأنه أن تكون له قوة خاصة: فهل “يجب” في “يجب عليك تحريك ملكك” لها المعنى نفسه الذي في “يجب عليك أن تحافظ على وعدك”؟ ولكن دور الوعد في حياة الإنسان ليس هو نفسه في لعبة الشطرنج[25]. علاوةً على ذلك، فإن مثل هذه الفلسفة الاجتماعية والأخلاقية ليست، خلافًا للمظاهر، مطابقة للأخلاق: إذا لم تعد هذه الممارسة أو تلك أداة للخير الذي تدعي أنها عليه، فيجب إصلاحها، على سبيل المثال الملكية الخاصة إذا لم تكن كذلك أداة للاستقرار وحماية الحرية الفردية. تجدر الإشارة أخيرًا بعدم استناد جميع القواعد الأخلاقية والقانونية، بالنسبة لأنسكومب، إلى ممارسات بشرية مثل الالتزام بالوعود أو حظر الأكاذيب، في المقام الأول: الحق في عدم التعرض للاغتيال (القتل)، أي القتل عمدًا عندما يكون المرء بريئًا، يستلزم على سبيل المثال حظرًا مطلقًا للقتل لا يعتمد على ممارسة اجتماعية سابقة. تسمح هذه الملاحظة الأخيرة عن حظر القتل، بطريقة سلبية، بفهم أفضل لما يمكن أن يكون عليه “حق من حقوق الإنسان”[26].الميتافيزيقيا بوصفها تحقيقًا نحويًّاتمكنت وريثة وصديقة فيتجنشتاين، أنسكومب، من استخدام النهج النحوي للسيد الفيينيّ استخدامًا خلاقًا، لتجديد معالجة الأسئلة الرئيسة للميتافيزيقيا والإبستمولوجيا. وتتناول في كتاباتها العديد من المواضيع: الجوهر، والوقت، والحصص المستقبلية، وحتى الذاكرة. ومع ذلك، لم يجذب انتباهها سوى ميدانين من المشكلات: السببية وطبيعة العقل.بالنسبة لها، كانت السببية واحدة من الموضوعات الأولى التي أثارت اهتمامها حتى قبل دراستها[27]. وتؤكد في كتابها “النية” أنه “موضوع فيه الكثير من الغموض”[28]، وهو ما لم يثنِها عن تكريس العديد من المقالات لاحقًا لهذا الموضوع، بما في ذلك محاضرتها الافتتاحية في جامعة كامبريدج[29].يعد هيوم الهدف الرئيس لتأملاتها؛ إذ لا تتردد عن وصفه بـ “السفسطائي العظيم والعميق”[30]. وفقًا للفيلسوف الاسكتلندي، نقول: إن (أ) هو سبب (ب)، عندما نلاحظ أن الأحداث أو الأشياء من النوع (أ) تُتبع بانتظام من الأحداث أو الأشياء من النوع (ب)، ما يجعلنا نتوقع حدوث (ب) في كل مرة يحدث (أ)، أو البحث عن (أ) عندما يحدث (ب). وهكذا، يقول هيوم: لا يمكن العثور على “الارتباط الضروري” بين السبب والنتيجة في أي مكان، إلا في طيات يتخذها خيالنا[31]. على الرغم من تعبيرها المتشكك، ساعد هذا التحليل على تعزيز فكرة أن السببية تسير جنبًا إلى جنب مع الضرورة. هذه هي بالضبط النقطة التي تشكك فيها أنسكومب بشدة: يمكن للمرء أن يعرف جيدًا أن (أ) هي سبب (ب) دون معرفة، أو حتى الحاجة إلى افتراض وجود انتظام أو قانون يوحد بين (أ) و(ب) هو أمر بدهي للغاية:السببية هي أن النتيجة تنبع من أسبابها. هذا هو لب السببية، وهو السمة المشتركة للسببية على اختلاف أنواعها.تنبع التأثيرات، وتنشأ، وتأتي من أسبابها. على سبيل المثال، سيتفق الجميع على أن القرابة الجسدية هي علاقة سببية. يُعد هنا الاشتقاق ماديًّا، عن طريق الانقسام.إن مفهومنا الشائع عن السبب أكثر غموضًا مما يفترضه الفلاسفة عادة: إن القول: إن (أ) هي سبب (ب)، هو القول: إن (ب) مستمد من (أ)، ولكن هذا لا يقول شيئًا حتى الآن عن نمط السببية (الكيفية)، ولا عن مسألة هل كان هذا النمط يفترض انتظامًا واحدًا أو أكثر. تختلف حقيقة أن (ب) مشتق من (أ) عن حقيقة أن هذا هو الحال بالضرورة. غالبًا ما تُتَجاهل هذه النقطة بسبب حجج هيوم، التي تستبعد فكرة أن شيئًا ما يمكن إدراكه على أنه مشتق من شيء آخر في حالة واحدة. وتشير أنسكومب، على العكس من ذلك، إلى أنه لا يوجد شيء مستحيل في هذا الشأن، على سبيل المثال، إدراك أن الجمر الذي يسقط من السيجارة يحرق السجادة. نتعلم أيضًا استخدام أفعال مثل «حرق»، أو «رطب»، أو «دفع»، في الوقت نفسه الذي يستخدم فيه البعض أسماء تشير إلى أنواع المادة أو المواد، التي تستخدم لوصف تأثيراتها الجانبية. تُعد فكرتنا العامة عن السببية نتاجًا مجردًا لاستخدام هذه المفاهيم الأكثر تحديدًا.في فلسفة العقل، يتميز موقف أنسكومب بمناهضة ديكارتية حازمة تهدف إلى تصحيح صورة بسيطة للغاية للعقل[32]. يظهر ديكارت Descartes عميقًا عندما يستخدم مصطلح “cogitare“، أو التفكير “كل ما يتم فينا بطريقة تجعلنا ندركه على الفور بأنفسنا؛ ولهذا السبب، فإنه ليس فقط السمع، والرغبة، والتخيل، بل والشعور أيضًا، هو الشيء نفسه هنا مثل التفكير. لهذا السبب”[33]، تقدم كل هذه الأفعال (التي يسميها فيتجنشتاين “الأفعال النفسية”[34]) من وجهة نظر منطقية، استخدامها في الشخص الأول المفرد وفي الشخص الثالث المفرد في المضارع الدلالي، إذا قلت: إن “X لديه صداع”، يمكنك أن تسألني “كيف تعرف؟”. ولكن إذا قلت: “لدي صداع”، لا يمكن طرح مثل هذا السؤال، ليس لأنه سيكون غير مناسب، ولكن لأنه لن ينقل أي تساؤل حقيقي (سيقول فيتجنشتاين: إنه مستبعد من قبل «القواعد»، أي أشكال الاستخدام الحسية لهذا الفعل).لكن ديكارت يخطئ عندما يفسر هذه الصفة باللجوء إلى فكرة الامتياز المعرفي للموضوع فيما يتعلق بأفكاره الخاصة، على نموذج إدراك العقل الداخلي أو التفتيشي. الخطأ الأكثر جوهرية، هو توحيد قواعد جميع الأفعال النفسية على نموذج “الشعور”؛ لأنه في هذه الحالة: “تحول مفهوم التفكير […] إلى مفهوم الوعي أو التجربة[35]“. وعلى النقيض من هذا الموقف، تزعم أنسكومب أننا يجب أن نقاوم إغراء تصور كل شيء عقلي على نموذج التجربة الحية. وعلى العكس من ذلك، فمن المناسب وصف الاختلافات في الأداء بين الأفعال النفسية من أجل فهم خصوصيتها، كلّ حالة على حدة.كما تطبق أنسكومب هذه الطريقة للتعامل مع مشكلة أفعال الإدراك مثل “يرى” أو “يسمع”[36]. المشكلة هي معرفة ما هدف الرؤية. الجواب الأول هو أن نقول: إن موضوع الرؤية هو الشيء نفسه الذي نراه. ولكن يحدث أن نظن أننا نرى شيئًا، على سبيل المثال، غزالًا في الغابة، في حين لا يوجد شيء من هذا القبيل أمامنا: فهل نحن لا نرى شيئًا في النهاية، حتى لو لم يكن غزالًا؟ وماذا عن حالات الهلوسة البحتة والبسيطة؟ يستند بعض الفلاسفة، مثل برتراند راسل Bertrand Russell، إلى هذه الحالات، ليؤكدوا أن الهدف المباشر للإدراك ليس الشيء نفسه، بل المعطيات الحسية الخاصة، أو البيانات الحسية التي يفترضون وجودها. ومع ذلك، بالنسبة لأنسكومب، فإن المشكلة ليست وجودية، بل نحوية. لنفترض أن رجلًا يقول: “رأيت غزالًا، فأطلقت النار عليه”، ولكن من ظنه غزالًا هو والده. يصح أن نقول: إنه رأى غزالًا: هكذا ظهرت له الأمور؛ “الغزال” هو وصف يعطي الهدف المقصود من رؤيته. ولكن من الصحيح أيضًا أن نقول: إن من رآه كان والده: “والده” هو إذن وصف يعطي الشيء المادي لرؤيته، أي الكائن أو الشيء الذي مثُل بالفعل أمام عينيه. يكون الفعل مثل “يرى” فعلًا مقصودًا: وهذا يعني أنه يجب دائمًا استكماله بتعبيرات تُعبر عما يُرى؛ ولكن الوصف الذي يقدم الهدف المقصود من الرؤية لا يتطلب وجود ما يصفه، ومن ثم يسمح لنا بنقل محتوى تجربة بصرية من خلال استخدام معين للغة.تظهر المعارضة لديكارت، على نطاق أوسع، لما تدين به الفلسفة المعاصرة لفكره، أيضًا في مقال بعنوان “الشخص الأول”[37]، وهو النص الذي أثار نقاشًا حيويًّا[38]. في أثناء تأملاته سأل ديكارت نفسه: “أنا الذي أفكر، من أنا؟”، وبدأ بالبحث عن مرجع كلمة “أنا” أو “الذات”. يدفع الجسد جانبًا، ليجد الشيء المفكر. السؤال النحوي الذي تريد أنسكومب طرحه، هو هل كان يجب عدّ الضمير “أنا” تعبيرًا مرجعيًّا. حسب ما تراه هي، فإن ذلك خطأ: فكلمة “أنا” لا تعمل مثل الاسم أو التعبير الذي يمكن استخدامه للإشارة إلى شيء يمكن أن يسمى “الذات”[39]؛ يستخدم المستمع للإشارة إلى أن الشخص المعني هو الشخص الذي يتحدث. من خلال هذا التوضيح، إنها مسألة مهاجمة “الجذر الرئيس للفكرة الفلسفية لـ “الموضوع”[40]، من أجل إظهار أن ثنائية الذات والجسد (أو بدائلها)، هي أسطورة مشتقة من خطأ نحوي.أسلوب فلسفي مبتكر ومُلِحّلا يمكن الوصول إلى عمل أنسكومب بسهولة. تقارن ابنتها ماري جتش Mary Geach كتابات أمها الكثيفة جدًّا بصنع خبز بانفورت: “فقط الفواكه والمكسرات من دون عجينة، مطاطية وقاسية”[41]. يطرح روجر تيتشمان Roger Teichmann ثلاثة أسباب بغض النظر عن الكتابة، على الأقل تفسر صعوبة الوصول إلى عمل أنسكومب[42]: لا تدعي بناء نظام؛ ولا تناقش معاصريها كثيرًا؛ وغالبًا ما تبدأ في الدقة الإعلامية مناقشتها لمشكلة فلسفية، دون شرح كل استنتاجاتها، ولا حتى الاستشهاد دائمًا بمصادرها على وجه التحديد.غير أنها تشجع القارئ من خلال اطّلاعه على مسار فكرها، من خلال تناقضات بشأن مشكلة فلسفية، على استخلاص استنتاجاتها الخاصة؛ لأنه من خلال تدريس الفلسفة، تكتب: “لا نأمل أن يصدقنا طلابنا، بل سيصلون لذلك إلى رؤية ما نقوله صحيحًا، لو كان كذلك[43]. لذلك؛ تركز أنسكومب على “نظام الاكتشاف في نصوصها”، حيث يواجه القارئ في الوقت نفسه الذي تعتبر فيه صعوبات البحث، كما هو الحال في كتاب القصد.من الممكن أيضًا تحديد طريقة بحث مفاهيمية خاصة بفلسفة أنسكومب. على سبيل المثال، فيما يتعلق بالإبقاء على العمل المتعمد، هذا لا ينطوي على “استكشاف الظروف التي يكون فيها العمل غير “المتعمد”، ولكن بدلًا من ذلك تحديث الشروط اللازمة، كما ذكرنا للتو، ليكون الإجراء مؤهلًا على أنه مقصود[44]. لا جدوى من وصف استخدامنا اللغوي المعتاد هنا:“إذا رأيت رجلًا يتبع الرصيف، ثم استدار إلى الطريق، ونظر في الاتجاهين، وعبر الشارع عندما يكون آمنًا، فلن أقول عادة إنه عبر الطريق عمدًا، ولكن سيكون من الخطأ أن نستنتج أن هذا ليس فعلًا نموذجيًّا من العمل المتعمد[45].وبالمثل، فإن الحوار التالي هو وسيلة جيدة للبدء في فهم لماذا “التعبير عن النية” بشأن المستقبل ليس تنبؤًا: “سوف أفشل في امتحاني! لكنك قمت بالمراجعة جيدًا – لا، أنت لا تفهم، أريد أن أظهر لوالدي أنني تعبت من الدراسة[46]. على الرغم من أنه من الضروري وجود لغة واضحة للتعبير عن النيات، فإن كلمتَي “نية” و”متعمدة” غير مطلوبتين.ومن ثم، فإن التحقيق المفاهيمي لا يعتد بما نقوله في معظم الأحيان بوصفه موضوعًا، بل يسمح لنفسه باختراع المواقف التي تسمح لنا بالكشف عن السمات المنطقية لمفاهيمنا، على سبيل المثال: “الفعل المتعمد” أو “التعبير عن النية”[47]. فيما يتعلق بمفهوم “المظهر”، حتى لو كان من غير الصحيح لغويًّا قول “رؤية مظهر” -على سبيل المثال مظهر الرجل-، هذا لا يعني أنه لا يمكن للمرء أن يرى مظاهر الرجال في مواقف معينة.يمكننا التمييز بين رؤية رجل فعليًّا، ورؤية المظاهر كما نقول: إننا نرى أو رأينا رجلًا. يمكننا وصف أو تحديد “ما رأيناه بعد ذلك”، دون أن نعلم أن ما رأيناه في الواقع كان مجرد انعكاس، أو أنه سترة معلقة على شماعة المعاطف[48].يمكن أن يعطي هذا الخيال الفلسفي لأنسكومب، على الرغم من الصعوبات، لقراءة نصوصها متعة خاصة. لذا، لدحض الفرضية القائلة إن العمل التطوعي سيسبقه بالضرورة “فعل إرادة”، هل تتخيل الوضع التالي: “بينما كنت جالسًا على حافة المسبح، جمعت شجاعتي […] لأقرر بشكل إيجابي أن أغوص برأسي أولًا في الماء – فجأة تدفعني”[49]، وعليه، فليس غياب “فعل الإرادة” مسبقًا من جانبه هو، ما يجعل غوصه غير طوعي.تتكون كتابة أنسكومب أيضًا من الصور المذهلة: لأن إيماننا بشهادات الآخرين هو جزء لا يقهر من معرفتنا بالواقع، فإنها تكتب ببلاغة أنهم مثل: “البقع الصغيرة وخطوط الدهون الموجودة في اللحوم الجيدة […]”[50]. وفي مكان آخر، لكي نفهم أن طاعة الأمر ليست: لا أفعل إلا ما أُمرت به، أو حتى أفعله لأنني أُمرت به، تتخيل المشهد السخيف حيث أُومر بصوت رهيب: “ارتجفْ من الخوف!” وذلك بسبب النغمة، أبدأ بالارتعاش في صوتي.لذلك، فإن التحدي الذي تواجهه فلسفة أنسكومب لا يتمثل في بناء النظريات، بل في فهم أفضل للمفاهيم التي نملكها[51]. كما تجدر الإشارة إلى أن هذا العمل المفاهيمي، الذي يجب أن يتكرر دائمًا، يسمح لأنسكومب بدحض الاعتراضات العقلانية المختلفة التي قد تُجرى على أسرار إيمانها الكاثوليكي، لأن قول: “قد يُدحَض، لكنني ما زلت أومن به”، ليس موقفًا تقيًّا على الإطلاق[52]. فيما يتعلق بالتحول الجوهري، على سبيل المثال، إذا كان شخص ما يميل إلى القول: “من المستحيل أن رجلًا طوله 1.80 متر ليس له جاذبية؛ قد يجيب أحدهم، متبعًا أنسكومب: ولكن كيف تعرف أن الطريقة البعدية هي الوسيلة الوحيدة لتكون في مكان ما؟»[53]. ومع ذلك، بما أن هذا العمل المتمثل في تنظيف ما تعده “النفايات” التي يلقيها العقل البشري أحيانًا في طريقنا كعقبات، لا علاقة له بالادعاء بإثبات أسرار الإيمان، فإن طريقة أنسكومب واستنتاجاتها يمكن أن تكون في خدمة أي مشروع فلسفي، مهتم بعدم الوقوع في أخطاء بشأن ما يمكن التفكير فيه، وما لا يمكن التفكير فيه[54].ولمزيدٍ من المعرفة: •المراجع المرجعية الكاملة لنصوص أنسكومب (آخر تحديث في يونيو 2012م): [https://core.ac.uk/download/pdf/83567387.pdf]•فاليري أوكوتورييه Valérie Aucouturier، إليزابيث أنسكومب. الروح في الممارسةL’Sprit en Pratique ، باريس، طبعات CNRS، 2013م.الدراسة الوحيدة الموجودة باللغة الفرنسية عن إليزابيث أنسكومب، التي تشرح بوضوح الروابط بين فلسفة العقل والفلسفة الأخلاقية وفلسفة العمل للفيلسوف البريطاني.•فاليري أوكتورييه ومارك بافلوبولوس Marc Pavlopoulos، التصرف والتفكير Agir et penser مقالات عن فلسفة إليزابيث أنسكومب، باريس، منشورات جامعة السوربون، 2015م.قرابة عشرة مقالات باللغة الفرنسية عن فلسفة العمل ومسؤولية أنسكومب. ويتضمن المقال الرئيس لريتشارد مورانRichard Moran ومارتن ج. ستون Martin J. Stone مترجمًا إلى الفرنسية حول مفهوم “التعبير عن النية” عند أنسكومب.•فاليري أوكوتورييه، “قراءات معاصرة لأنسكومب”، كليسيس، المجلد. 35، 2016م.مقالات باللغتين الفرنسية والإنجليزية، يمكن الوصول إليها مجانًا، وبعضها يعود على المفهوم الصعب لـ “المعرفة العملية” وامتداداتها الأخلاقية في العمل من أنسكومب.•فاليري أوكوتورييه، النية في العمل L’intention en action، باريس، فرين، 2018م.كتاب صغير مخصص لشرح والدفاع عن إحدى الأفكار المركزية للقصد، ضد المواقف المعارضة لدونالد ديفيدسونDonald Davidson أو جون سيرل John Searle: “القصد” ليست اسمًا لحالة ذهنية ينبغي أن نتساءل عن كيفية ارتباطها بالفعل، ولكنها أسلوب محدد لوصف ما يحدث عندما يكون ما يحدث فعل.•جون شفينكلر John Schwenkler، نية أنسكومب. دليل، مطبعة جامعة أكسفورد، 2019م، وراشيل وايزمانRachael Wiseman، دليل فلسفة روتليدج لنية أنسكومب، روتليدج، 2016م.وتبع ذلك تعليقان على كتاب أنسكومب “النية” الذي صدر عام 1957م. تعدّ طريقة راشيل وايزمان أكثر سهولة في الفهم، في حين أن طريقة جون شفينكلر تشرح التراث التوماسي للكتاب بطريقة مستنيرة للغاية، ولا تمحو صعوبات التفسير..•روجر تيشمان Roger Teichmann، فلسفة إليزابيث أنسكومب The Philosophy of Elizabeth Anscombe، مطبعة جامعة أكسفورد، 2008م.دراسة شاملة للغاية لجميع جوانب عمل أنسكومب، التي تأخذ في الحسبان فلسفتها في العمل وفلسفتها في اللغة والعقل.[1] ج.م. أنسكومب، مقدمة إلى كتاب رسالة فيتجنشتاين An Introduction to Wittgenstein’s Tractatus (1959)، في م. جيتش M. Geachول. جورملي L. Gormally (المحررين)، المنطق، الحقيقة والمعنى Logic, Truth and Meaning، إكستر، إمبرينت أكاديمي Imprint Academic، 2015.[2] لذلك فهي ليست “فيلسوفة متطرفة” بالمعنى الذي تبحث به عن نقطة انطلاق جذرية، الحقيقة الأولى التي يجب أن نبني عليها كل شيء. انظر، فيما يتعلق بفيلسوف آخر: فينسنت ديسكومبس Vincent Descombes، “مقدمة فكر المتطرف Introduction Une pensée radicale”، في القضايا الراهنة للفكر الجذري. in Actualité d’une pensée radicale. تكريم لكورنيليوس كاستورياديس Cornelius Castoriadis، دراسات الخطاب أوبسالا، 2018.[3] انظر: “فحص عدالة الحرب الحاليةThe Justice of the Present War Examined “، في الأخلاق والدين والسياسة. in Ethics, Religion and Politics مجموعة من الأوراق الفلسفية Collected Philosophical Papersمجلد 3، أكسفورد Oxford، بلاكويل Blackwell، 1981، ص. 72-81.[4] ومن الجدير بالذكر أيضًا، أن إليزابيث أنسكومب موجودة الآن في قائمة المؤلفين في البرنامج الفلسفي في المدارس الثانوية الفرنسية.[5] انظر: أنسكومب، “هل فلسفة أكسفورد الأخلاقية تفسد الشباب؟ Does Oxford Moral Philosophy Corrupt Youth?” (1957)، في م. جيتش ول.جورملي (المحررين)، الحياة البشرية والفعل والأخلاق Human Life, Action and Ethics::مقالات

الحب في الانتقام: حول مسلسل The Glory

المقال يستعرض النجاح العالمي للمسلسلات الكورية الجنوبية مثل "المجد" و"لعبة الحبار"، مسلّطًا الضوء على شغف هذه الأعمال بـ قصص الانتقام والتصعيد العاطفي المبالغ فيه، وهو ما يميزها عن المسلسلات الأمريكية التي تميل إلى الواقعية والتحليل الاجتماعي المعمق. يعتمد التحليل على نظرية رينيه جيرار حول المحاكاة والعنف القديم، موضحًا أن الدافع وراء الانتقام في هذه الأعمال ليس مجرد صراع طبقي أو اقتصادي، بل نتاج رغبة محاكية وعاطفية عميقة تجعل المشاهدين يتفاعلون مع الشخصيات وكأنهم جزء من الحكاية، بينما تؤكد الإنتاجات الكورية على التضاد بين الأغنياء والفقراء عبر تصوير مشاهد مبالغ فيها تقربها من الكاريكاتور. في النهاية، يظهر أن هذه المسلسلات تعمل كـ حاضنات للمحاكاة والانتقام، مستمرة في تمجيد العنف القصصي بشكل يختلف عن التحذيرات الأخلاقية للفكر الغربي، ما يجعلها ظاهرة ثقافية فريدة تتجاوز مجرد الترفيه إلى إطلاق العنان للعواطف الإنسانية.

ريتشارد رورتي ذو البراغماتية المتعددة

المقال يسلط الضوء على فلسفة ريتشارد رورتي التي جعلت الحوار محورًا أساسيًا للفكر، ورفض التمييزات التقليدية بين الفلسفة التحليلية والقارية، وبين التنوير وما بعد الحداثة، وبين الفلسفة والأدب. يركز رورتي على فكرة أن لا صورة واحدة يمكن أن تمثل الإنسان أو الشخصية بدقة مطلقة، وأن الوصف هو عملية سياقية تربط الأشياء والأشخاص ببعضها بدلًا من كشف جوهر نهائي. من هذا المنظور، يقترح المقال النظر إلى شخصيته من خلال عدة سياقات وصور متبادلة تبرز تعددية وتعقيد فكره الفلسفي، بدل الاقتصار على صورة ثابتة أو نهائية.

ما هو التقادم؟

المقال يستعرض تطور مفهوم التقادم المخطط منذ أصوله الصناعية والتسويقية وحتى الجدل القانوني والبيئي المعاصر، موضحًا أنه لم يكن مخفيًا بل رُوّج له علنًا كرمز للتقدم والابتكار، سواء في ميكنة الإنتاج أو في صناعة الموضة والمنتجات القابلة للتصرف. يربط المقال بين التقادم والتسويق النفسي والاجتماعي، ويستعرض كيفية استخدامه لزيادة الاستهلاك، بما في ذلك المنتجات ذات العمر القصير والموضة الدورية، مع نقد فلسفي واجتماعي يمتد من كارل ماركس وباباج إلى فيبلن وفيلم الوثائقي الفرنسي “جاهز للرمي”. كما يتناول الجدل القانوني في فرنسا حول تجريم التقادم المخطط، ومحاولات جمعيات مثل HOP فرض الشفافية على الشركات، ويربطه بالتحديات المعاصرة في التكنولوجيا وسوق العمل الرقمي، مسلطًا الضوء على العلاقة بين الاستهلاك المفرط والهدر وتأثيرها البيئي والاجتماعي، مع التشديد على أن هذه الممارسات لا تزال مدعومة بخطابات أيديولوجية تحول القرارات الاقتصادية والتقنية إلى قوانين طبيعية أو تاريخية.

أوروبا وصناعة الآخر

يتناول المقال صراع الهوية الأوروبية في سياق الاتحاد الأوروبي، حيث يبرز مدى ارتباط السياسات والهويات الأوروبية بتحديد من يُعتبر جزءًا من “نحن” الأوروبي ومن يُستبعد باعتباره “الآخر”، خصوصًا في قضايا الهجرة واللجوء. منذ عام 2000، أصبح التأكيد على الهوية الأوروبية داخليًا، عبر تحديد القيم والتقاليد المشتركة، أداة سياسية وأخلاقية لتنظيم اندماج الأجانب، ما يعكس صراعًا بين الاندماج “الأخلاقي” القائم على القيم المشتركة، والاندماج “السياسي” المبني على الحقوق والقوانين. سياسات الهجرة والتجنيس في دول مثل فرنسا تُظهر هذا التوجه، إذ تُفرض على الأجانب معايير توافق هوياتي وأخلاقي لاعتبارهم جزءًا من المجتمع الأوروبي، ما يؤدي أحيانًا إلى استبعادهم وتعزيز التجانس الثقافي. يسلط المقال الضوء على المخاطر المرتبطة بمحاولات الحفاظ على “أوروبا القيم”، إذ يمكن أن تفضي إلى تهميش الآخرين وتقييد التعددية، بما يتعارض مع المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويثير تساؤلات حول حدود “نحن” الأوروبي في مواجهة التنوع الداخلي والخارجي.