القائمة الرئيسية

ضباب الحزن

ضباب الحزن
ملخص المقال

يشرح المقال أن الحزن تجربة إنسانية معقدة لا يمكن اختزالها في «خمس مراحل» ثابتة، بل هو عملية عميقة ومتغيرة تؤثر في الجسد والدماغ والوعي والهوية، كما يروي الكاتب تجربته الشخصية مع فقدان والده ليصف ارتباك الإدراك، وضباب الذاكرة، والإرهاق العاطفي والجسدي الذي يصاحب الفقد. يستعرض المقال أبحاثًا حديثة في علم النفس والأعصاب تُبيّن كيف يعيد الدماغ تنظيم نفسه تحت وطأة الحزن، وكيف تنشط دوائر عاطفية على حساب التفكير والتركيز، بوصف ذلك استجابة تطورية للبقاء لا علامة ضعف أو خلل. كما ينتقد شيوع نظرية المراحل الخمس للحزن، موضحًا أنها قد تكون مضللة أو ضارة، لأن تجارب الحزن فردية ومتباينة، وقد تتأرجح بين الألم الشديد والقدرة على مواصلة الحياة. ويناقش المقال الحزن المعقّد بوصفه حالة أقل شيوعًا لكنها حقيقية وتحتاج إلى دعم علاجي، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الحزن الطبيعي يحتاج إلى الصبر واللطف مع الذات. وفي النهاية، يخلص إلى أن الحزن، رغم قسوته، قد يقود لدى بعض الناس إلى إعادة تشكيل المعنى والنمو الداخلي، لكنه لا يختفي تمامًا، بل يتغير شكله مع الوقت، وتبقى الذكريات الجميلة قادرة تدريجيًا على مزاحمة الألم.

ترجمه إلى الصينية: وو وان وي

لا يمكن تفسير الحزن على خمس مراحل، فالحزن يؤثر في الجسم، والدماغ، والوعي الذاتي، والصبر هو المفتاح.

عندما اتصلت بي ممرضة مستشفى المحتضرين في صباح الثاني من أبريل، لتبلغني بأن والدي توفي في الساعة السابعة وثلاثين دقيقة صباحًا، بعد يومين فقط من نقله إلى هناك، ومنذ سبع ساعاتٍ من زيارتي له في المدينة، عندما علمت بهذا الخبر المفجع؛ شعرت بأن العالم بات غريبًا ومشوهًا فجأة. كنت أتعرف أشكال الأشياء، إلا أنني أجد صعوبة لتعرف ما أراه، لم أدرك كم كان عمودًا كبيرًا يستند إليه وجودي حتى انهار ذلك العمود فجأة. لقد كان موجودًا دائمًا منذ ولادتي، حتى عندما عاش على بعد ألفي ميل في ولاية ماريلاند بينما كنتُ في ولاية نيو مكسيكو، لكنه الآن لم يعد موجودًا. يدرك عقلي أن هذا حقيقي، لكن بقية خلايا جسمي تعتقد بأنه مستحيل.

بصفتي البكر، كان عليّ أن أظل هادئة ظاهريًّا، وأن أتنقل بهدوء لإكمال العدد الهائل والمفاجئ من المهام الشاقة، كإخطار أفراد الأسرة الآخرين، وإجراء الترتيبات المختلفة، وإبلاغ الدوائر الحكومية، والشركات، والمنظمات، والجامعة التي عمل فيها أمينًا للمكتبة لمدة ثلاثة وثلاثين عامًا. بينما كنت أغرق في دوامة من الأمواج العاتية من المشاعر: الحزن، والارتباك، والغضب، والصدمة، والخوف، والندم، والشعور بالذنب. في الساعات والأيام والأسابيع الأولى من وفاته، شعرت بأن التنفس صار شاقًّا، ولم أكن أستطع التركيز، وغالبًا ما أنسى كثيرًا من الأشياء، وكنت أشعر بالتعب مهما نمت. فهمت تدريجيًّا ما ذكرته جوان ديديون في كتابها “عام التفكير السحري”. بعد وفاة زوجها، كتبت: “أدركت في هذه اللحظة أنني لا أثق بنفسي للحفاظ على رباطة جأشي أمام العالم”.

النتيجة هي أن ضباب الحزن شائع كالحزن نفسه. تتذكر طبيبة الأعصاب ليسا شولمان، والتي توفي زوجها من السرطان قبل تسع سنوات: “كان هناك بعض الحزن الشديد، إلا أن المشكلة الرئيسية كانت الحيرة والارتباك فيما يجب فعله، شعرت كما لو أنني استيقظت ووجدت نفسي في عالم غريب تمامًا؛ لأن الإطار الأساسي لحياتي اليومية قد اختفى كليًّا”، وتتذكر أنها وجدت نفسها ضائعة في الزمن، فتجد نفسها في أماكن مألوفة، لكن ليس لديها أي فكرة كيف انتهى بها المطاف هناك، وتتابع: “لم تكن المشكلة مجرد شعور بعدم الراحة أو القلق فحسب، بل مرعبًا كذلك، لأنك وكما ذكرت ديديون من قبل، تشعر وكأنك قد تصاب بالجنون”.

إن نظرية المراحل الخمسة للحزن المشهورة في العالم الغربي لا تساعد كثيرًا. لقد ذكرت الطبيبة النفسية إليزابيث كوبلر روس في كتابها “الموت والاحتضار 1969م”، المراحل الخمس للحزن لأول مرة كوسيلة لوصف تجربة الناس في مواجهة الأمراض المميتة. لقد أصبح المرور بهذه المراحل الخمس بدءًا بالإنكار، ثم الغضب، فالمساومة، فالاكتئاب والقبول جزءًا من روح عصرنا. لاحقًا، وسَّعت روس هذه النظرية مع ديفيد كيسلر، الباحث في قضايا الفقد وفهم التجربة الإنسانية في المراحل الختامية من الحياة في كتابهما وشرحَا ردود فعل الأشخاص الذين يعانون من حزن فقدان الأحباء في كتابهم “عن الأسى والتأسي 2005م”. لكن، أدرك علماء النفس والأعصاب في السنوات الأخيرة أن الحزن أكثر تعقيدًا من ذلك، ويختلف من شخص لآخر، ودرجات الدمار الذي يخلفه عديدة ومتنوعة.

لا شك بأن الأشخاص الذين فقدوا أحبابهم يشعرون بالحزن، لكنهم قد يشعرون أيضًا بالغضب، وسرعة الانفعال، والإرهاق الشديد، وفقدان الشغف والاكتئاب، بل وقد ينزعجون من الضوضاء أكثر من المعتاد. كما ذكرت طبيبة الأعصاب ليسا شولمان في كلية الطب بولاية ميريلاند، فإنهم قد يشككون في هويتهم ومكانتهم في العالم، ونتيجةً لذلك، فإن نظرية المراحل الخمسة للحزن ليست مفيدة عند فقدان أحد الأقارب، حتى إنها قد تكون ضارة، فقد نعتقد بأننا نعاني من مشكلة أو أن الأشخاص من حولنا يعانون من مشكلة ما عندما نشعر بمشاعر مختلفة عما ذكرت النظرية.

كتبت الطبيبة شولمان في كتابها “قبل وبعد الفقد 2018م”: “المهم هو أننا نبتعد عن غرائزنا الطبيعية لتهدئة أنفسنا من خلال القيام بما نحن قادرون عليه، معتقدين أن هناك طرقًا صحيحة أو خاطئة للتصرف، إلا أن تجاربنا مع الفقد فردية وحميمية، ولا يمكن التعميم؛ لأننا جميعًا فريدون ونستجيب بشكل مختلف.”.

لقد أظهرت الأبحاث مدى اختلاف تجارب الأشخاص الذين فقدوا أحبابهم، إلا أن هناك أيضًا بعض الأنماط الشائقة. في دراسة مميزة نشرت عام 2015م في مجلة “دراسات التحليل النفسي”، عن اكتئاب الأشخاص الذين فقدوا أحد أحبابهم، أجرى الباحثون بالدراسة على 2512 شخصًا فقدوا أطفالًا أو أزواجًا، مرة قبل الفقد وثلاث مرات بعد ذلك، على مدى 18 عامًا، ووجدوا بأنه على الرغم من أن 7% من الأشخاص قد أبلغوا عن إصابتهم بالاكتئاب قبل وفاة أحد أحبابهم، فإن الاكتئاب خف مع مرور الوقت، كما أصيب 13% من الأشخاص بحزن مزمن، أي بدؤوا يشعرون بالاكتئاب بعد وفاة أحد أحبابهم.

أُلهمت الطبيبة شولمان من تجربتها الخاصة، فدرست مرض باركنسون للبحث عن الحزن من خلال علم الأعصاب كطريقة لفهم ما كان يحدث لها. ذكرت شولمان في كتابها الذي يحكي قصتها الخاصة عن الحزن وفقدان الأحباب إلى أن الحزن تجربة إنسانية عالمية، وأن أدمغتنا قد تطورت لإدارتها. وعلى مدار فقدان الأحباب الجماعي خلال آلاف السنين الماضية، طور الدماغ استراتيجيات معقدة لمساعدة الناس في التغلب على الحزن والشفاء في النهاية، كما قالت طبيبة علم النفس ناتاليا سكريتسكايا: “الحزن هو ردة فعل طبيعية، وبغض النظر عن مدى قلق الناس من ردود الفعل أو غرابتها، فإن لها أسبابًا وجيهة.”، لقد أدركت أن الحزن يؤثر علينا كثيرًا، فهو يعيد توصيل الوصلات العصبية في أدمغتنا: حيث يشغل الجهاز الحوفي مكانة مركزية ويتحكم في المشاعر والسلوكيات التي تضمن بقاءنا، بينما تتراجع القشرة الجبهية الحجاجية، المسؤولة عن التفكير وصنع القرارات إلى الجوانب.

قالت شولمان: “من منظور نظرية التطور، فإننا مبرمجون للاستجابة على التهديدات بقوة، فنحن غالبًا لا نعتبر فقدان الأحباء تهديدًا كبيرًا، إلا أنه كذلك من منظور الدماغ”. يضغط الدماغ على مركز التحكم لاتخاذ القرارات والخطط كممرضة صارمة تأمر بالراحة في السرير.

إن إدراك التهديد يعني إثارة غريزة البقاء لدينا (القتال أو الهروب) فيغرق جسمك بالتوتر والهرمونات. كشفت الأبحاث التي أجرتها طبيبة علم النفس ماري فرانسيس أوكونور وآخرون من جامعة أريزونا عن ارتفاع مفاجئ في مستويات هرمون التوتر (الكورتيزول) لدى الأشخاص الذين فقدوا أحبابهم.

عندما ينتقل الكورتيزول بسرعة، يعيد الدماغ تكوين نفسه -على الأقل مؤقتًا- ليساعدنا على تحمل الآلام المفاجئة. بعد بضعة أسابيع من فقدان أحد الأقارب، يضغط الدماغ على مركز التحكم لاتخاذ القرارات والخطط كممرضة صارمة تأمر بالراحة في السرير. ذكرت الطبيبة شولمان بأن الأجزاء المرتبطة بالعواطف والذاكرة تعمل لساعات إضافية، لتحرس بوابة المشاعر والذكريات وتسمح لأي منها بالعبور. تُظهِر فحوصات أدمغة الأشخاص الذين فقدوا أحد أقاربهم أن الحزن يحفز مناطق معينة من الدماغ، والتي يطلق عليها أحيانًا “الدماغ العاطفي”. ومن مناطق الجهاز الحوفي التي تتأثر بذلك؛ اللوزة الدماغية، والتي تتحكم في شدة العواطف وإدراك التهديدات، والقشرة الحزامية، والتي تشارك في التفاعلات بين العاطفة والذاكرة، والمهاد، وهو محطة إرسال الإشارات الحسية إلى مركز معالجة المعلومات في الدماغ، وهو القشرة المخية.

ذكرت شولمان في كتابها: “يعمل الدماغ كمصفاة للحفاظ على الوظائف والبقاء، فيحرس عتبة العواطف والذكريات التي يمكننا معالجتها أو لا يمكننا”، وأضافت أنه ليس هناك الكثير الذي يمكننا القيام به لتغيير هذه الاستجابة، حتى لو لم نكن نريد ذلك بالضرورة، لأن التكيف مع فقدان الأحبة أمر لا مفر منه، وتابعت: “في الأساس، نحن تحت رحمة هذه العملية بأكملها”.

لذلك لا يوجد ما يدعو للقلق عندما لا أستطيع التحدث بجمل مترابطة، أو عندما أفتح الثلاجة ولا أتذكر ما كنت أريد، طمأنتني سكوريسكايا بأن دماغي قد أغلق، وأن أفكاري تمنعني من تحمل ألم الفقد، ونتيجة موازنة تلك المقايضات إدراك ضبابي، أي ما بدأت بوصفه لأصدقائي بـ”دماغ الحزن”.

كما ذكرت في كتابها: “يحتل الحزن جزءًا كبيرًا من النطاق الترددي للدماغ، التصرفات الغريبة وعدم التماسك هي نتائج متوقعة لردة فعل الدماغ الوقائية بعد التعرض للصدمة العاطفية”. فكما يعرف الجسم كيفية معالجة الجروح، يعرف الدماغ أيضًا كيفية معالجة الحزن بعد فقدان الأحباء، إلا أن ذلك يستغرق وقتًا. قالت سكوريسكايا: “يحتاج ذلك إلى الرقة واللطف، فعليك أن تكون لطيفًا مع نفسك”.

تختلف مدة استمرارية الحزن من شخص لآخر، فقد يستمر حزن الفقد لأسابيع أو أشهر لبعض الأشخاص، وقد يغرق آخرون في ألم عميق حتى بعد عام من الفقد. أظهرت الدراسات الأخيرة أن الألم إذا كان شديدًا واستمر لفترة طويلة، فقد يكون هناك مشكلة. كما يعتقد العديد من الأطباء النفسيين أنه إذا استمر ألم الفقد لأكثر من عام، فقد تكون هناك حاجة علاجية لمساعدة الشخص الحزين على التعافي. أدرجت هذه الحالة المعروفة باسم اضطراب الحزن الطويل أو الحزن المعقد، في المجلد الأخير من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM5)، وهو دليل يستخدمه أطباء علم النفس والمحللين النفسيين لتشخيص المرضى.

إلا أن ذلك لا يعني بأنه لو ظل أحدهم حزينًا بعد مرور 366 يومًا على الفقد، فإن حزنه لا يحتمل فجأة. تقول الباحثة في مركز دراسة الحزن المعقد بجامعة كولومبيا في نيويورك، ناتاليا سكوريسكايا: “تحديد مدة عام واحد فيه شيء من العشوائية، فهو يمثل نوعًا من التوازن. من ناحية، علينا التأكد من أننا لا نعتبر ردود الفعل الطبيعية مرضًا، ومن ناحية أخرى، يجب علينا أيضًا أن نولي اهتمامًا للأشخاص الذين يعانون في ألمهم ويحتاجون إلى المساعدة، أي أولئك الذين يشعرون بآلام شديدة”. إن العديد من الأشخاص الذين يعانون من ألم فقدان الأحبة يتأرجحون بين الحزن المعقد وواجبات الحياة اليومية.

كشفت دراسة أجراها باحثون في هولندا والولايات المتحدة عام 2019م أن أولئك الذين فقدوا أحد أحبائهم أو أشخاصًا مقربين منهم فجأة، أكثر عرضة للوقوع في هاوية الحزن المعقد. على الرغم بأنه من السهل افتراض أن الحزن المعقد هو مجرد شكل من أشكال الاكتئاب الذي يمكن علاجه بالطريقة نفسها، فإنه ليس كذلك. وقد أشارت تلك الدراسة أيضًا إلى أن الحزن المعقد يختلف عن الاكتئاب، وعن الوقوع في الضغوطات والقلق (اضطراب ما بعد الصدمة)، وعلى الرغم من تداخل الأعراض، مثل انخفاض الوعي بالعزلة الذاتية والاجتماعية، كما كشفت دراسات أخرى انخفاضًا في القدرة المعرفية يصيب الأشخاص الذين يعانون من الحزن المعقد بشكل أكبر.

إن حالات الحزن المعقد نادرة وفقًا لدراسة أجريت عام 2017م في جامعة آرهوس في الدنمارك، والتي تشير إلى أنه حوالي 10% من الذين فقدوا أحد أحبابهم أصيبوا بذلك. العديد من الأشخاص الذين يعانون من ألم فقدان الأحبة يتأرجحون بين الحزن المستمر وواجبات الحياة اليومية.

تلك التقلبات بين الحزن والشعور بالتحسن إلى حد ما، هو ما اختبرته بنفسي. على سبيل المثال، كثيرًا ما أدخل حالات التدفق، أي فترات طويلة من التركيز على الكتابة دون تشتت في أثناء كتابتي لهذا المقال، تمامًا كما كنت قادرة على فعل ذلك قبل وفاة والدي، وأحيانًا، في مرحلة العمل نفسها، غالبًا ما كنت أشعر باليأس والإدراك المؤلم بأن والدي قد غادر هذا العالم إلى الأبد؛ وهي خسارة لا يمكن استيعابها، أو قد يتسلل إلى وعيي بطريقة محيرة، أو من خلال رسائل بريد إلكتروني من الأصدقاء أو العائلة، أو ذكريات غير متوقعة، أو حتى رسائل من مستشفيات رعاية الموتى، وبمجرد أن يخطر في بالي، لا يسعني سوى الانفجار بالبكاء دون توقف. كما لو أن عقلي البدائي يعرف بالضبط ما أحتاج إليه ويمدني به.

أدرك الباحثون حاليًّا أن الحزن متغير ولا يمكن التنبؤ به، وبغض النظر عن مدى سوء ذلك، فإنه في الواقع وسيلة لمساعدة الدماغ والعقل والجسم على التعامل مع ألم فقدان الأحباء، وفي النهاية يساعدك على التأقلم مع الواقع الجديد في فقدان الأحبة.

قالت طبيبة علم النفس جوديث موراي في جامعة كوينزلاند الأسترالية، إنه تدريجيًّا، في “عملية التعامل مع ألم فقدان الأحبة والتكيف مع عالم لا ترغب في قبوله”، يصبح الحزن تدريجيًّا جزءًا كبيرًا في حياة الحزينين دون أن يكون القوة المهيمنة، وتابعت: “إنها قوة هائلة لا تصدق، تدفعنا إلى التعافي من الحزن، فنحن ندرك أنك قادر على التغلب عليه، إلا أنه يصبح جزءًا لا يتجزأ من شخصياتنا الجديدة”.

عندما تستعيد القشرة الدماغية سيطرتها ويعود التفكير العميق، يستطيع العقل قضاء المزيد من الوقت في التفكير في الفقد والعلاقة وفهم معناها، وذلك كله يؤدي إلى نمو إيجابي. ذكرت شولمان في كتابها بأن الأشخاص الذين فقدوا أحبابهم يمكنهم التفكير بعمق في الحياة أكثر من السابق، كما يكونون واعين بنقاط ضعفهم وأهدافهم أكثر. كما استشهدت بدراسات أجريت عام 2004م، والتي كشفت بأن فقدان الأحبة يمكن أن يؤدي إلى نمو إيجابي في نواحٍ مختلفة: تغييرات في الأولويات، وحياة أكثر امتنانًا، وعلاقات أكثر قربًا، وحواس أكثر حدة، وقدرة أكبر على رؤية إمكانات جديدة، ونمو روحي، أما بالنسبة إلى حياتها الشخصية، فوجدت شولمان بأن تدوين اليوميات ساعدها في التعامل مع حزنها، فقد وجدت المعنى من خلال التفكر في الفقد.

مع ذلك، لا يمكن للجميع أن ينمو من هذا الفقد المرير، فبالنسبة لبعضهم، قد تكون العواقب هي الإضرار بصحتهم، أو حتى التعجيل بموتهم. في مقال نُشر عام 2019م في مجلة “الطب النفسي الجسدي”، لاحظ أوكونور أن العديد من الدراسات اكتشفت زيادة في معدل الوفيات بين الأشخاص الذين فقدوا أحبابهم. قد يكون والدي مثالًا حزينًا آخر لشخص مات مبكرًا بسبب الحزن المفرط، فقد توفيت زوجته قبل وفاته بأربعة أشهر، ثم تدهورت صحته تدريجيًّا، وعندما ذهب أخيرًا إلى المستشفى، كان تشخيص الطبيب أن مصدر حزنه هو ما جعله طريح الفراش؛ فقد أصيب بقرحة شديدة في المعدة. لست متأكدة من أن حزنه ووحدته هما اللذان أسهما في وفاته السريعة، إلا أن المحادثات التي دارت بيننا قبيل وفاته بعدة أشهر جعلتني أشك في ذلك بشدة.

حتى بالنسبة لأولئك الذين نجحوا في التغلب على تأثير الحزن وخرجوا من الأزمة بسلام، فإن الحزن لا يختفي أبدًا. كشفت دراسة أجريت عام 1995م أنه بين عامين وخمسة عشر عامًا بعد الفقد، أبلغ الأشخاص الذين فقدوا طفلًا أو زوجًا عن انخفاض في مستوى رضاهم العام عن حياتهم، إلا أن مهارات التأقلم لديهم زادت. من المريح معرفة الأسس العصبية لحزني ونموي بعد ذلك، على الرغم من أنني كنت أعرف أنني بعيدة البعد كله عن النمو بعد وفاة والدي. حاليًّا، إنني أهتم بالمشاعر التي تظهر دون إصدار أحكام، وأبحث عن الراحة في الأصدقاء الذين يدعمونني، أو أتنزه في غابة الصنوبر القريبة من المنزل.

تلقيت بريدًا إلكترونيًّا قبل عدة أيام من صديق والدي القديم، والذي يبلغ من العمر 79 عامًا، وقد كان صديقًا لوالدي لأكثر من سبعين عامًا. لقد مدتني هذه الرسالة بالأمل للمستقبل، ولم يعد ذلك الفقد الذي لا يمكن استعادته مؤلمًا كثيرًا، فقد أعادت مساراتي العصبية ترتيب نفسها، وتكيف “دماغي الحزين” مع الواقع الجديد وطرق التذكر الجديدة.

كتب في رسالته: “عندما نفقد صديقًا، يكون لدينا حزن مصحوب بذكريات جميلة، وفي النهاية تدفع الذكريات الجميلة الحزن إلى الخلف. أنتظر لقاء الأصدقاء القدامى، إنني أصبر رغم الحزن”.

 

مقالات ذات صلة