ترجمة: غدي الغامدي
الطريق إلى الأطفال بواسطة الإخصاب الاصطناعي
أعظم توقعات الهندسة الوراثية الحديثة هو ولادة أطفال بواسطة الإخصاب الاصطناعي.
وعلى نحو أدقّ، فإن العلماء سيتمكنون من تحديد الجينات التي تحدد خصائص الشخص، مثل معدل الذكاء، والطول، ولون الشعر، والعدوانية أو احترام الذات، واستخدام هذه المعرفة لتشكيل طفل يتمتع بظروف أفضل، هذا الجين، الذي لا يزال قيد الاستكشاف، قد لا يأتي من جسم الإنسان نفسه.
يبدو أن إجراء التجارب على أجسام البشر باستخدام تقنية التعديل الجيني أصبح أمرًا بعيدًا جدًّا الآن، ثمة طريقتان محتملتان للهندسة الوراثية؛ العلاج الجيني للخلايا الجسدية أو الهندسة الوراثية للخلايا الجرثومية، طريقة العلاج الجيني للخلايا الجسدية تكون بتوصيل جينات جديدة معدلة وراثيًّا بواسطة البكتيريا أو ناقلات أخرى، ومن ثم تغيير الحمض النووي للخلايا المستهدفة، الصعب في هذه الطريقة هو وجود مئات المليارات من الخلايا الجسدية في جسم الإنسان، وللحصول على فاعلية العلاج يجب تغيير ملايين الخلايا الجسدية، إذا لم يحدث شيء غير متوقع، فإن هذه الخلايا الجسدية المتغيرة سوف تموت في الوقت نفسه الذي يموت فيه الشخص، ولن يتم توريث هذا العلاج من جيل إلى جيل.
المختلف هو أن الهندسة الوراثية للخلايا الجرثومية تُستخدم على نحو روتيني في مجال الزراعة، وقد تم إجراؤها بنجاح على كثير من الحيوانات، من الناحية النظرية، ومن أجل تعديل جينات الخلايا الجرثومية، كل ما تحتاج إليه هو تغيير مجموعة من جزيئات الحمض النووي في البويضة المخصبة، ثم من خلال انشطار الخلايا وتمايزها، يمكن أن ينمو إنسان على نحو كامل، طريقة العلاج الجيني للخلايا الجسدية ستغير الحمض النووي للخلايا الجسدية فقط، لذلك يمكن أن يؤثر في الشخص الذي تم تعديله فحسب، كما أن نظام تغيير جينات الخلايا الجرثومية ستلعب دورًا وراثيًّا، والذي سيكون له تأثير إيجابي كبير بالنسبة إلى علاج الأمراض الوراثية، مثل مرض السكري.
لكن من ناحية الاستخدام البشري وقبل أن تستخدم هذه الطرائق لتغيير الجينات، ثمة كثير من المشكلات المعقدة التي ستواجهها في المستقبل، أولى هذه المشكلات شديدة التعقيد، هي التي تعني أنه إلى حدٍّ ما، يكاد يكون التعديل الوراثي لسلوك البشر الراقي مستحيلًا.
أما بالنسبة إلى العائق الثاني للهندسة الوراثية البشرية فهو يكمن في المخاوف الأخلاقية لإجراء التجارب على جسم الإنسان، سعت اللجنة الوطنية لمستشاري أخلاقيات البيولوجيا تحت ظل “التجارب على جسم الإنسان خطرة جدًّا” إلى فرض حظر قصير الأمد على “الاستنساخ البشريّ”، فقد كانت ثمة 270 تجربة فاشلة قبل أن ينجح استنساخ النعجة دوللي، حينها حدث كثير من حالات الفشل في أثناء مرحلة الزرع، فقد عانى ما يقارب ٣٠٪ من الحيوانات المستنسخة كثيرًا من الأعراض غير الطبيعية والخطِرة، إذا لم يكن ثمة ضمان كبير على نجاح ولادة الأطفال، أو أن العيوب الناتجة عن عملية الاستنساخ تتطلب مدة من الوقت حتى تظهر، فلن يكون الناس ملحين ومتحمسين لإنجاب أطفال اصطناعيين.
حين التفكير في المسارات السببية المعقدة بين الجينات والتعبير النهائي للأنماط، فإنه من الممكن أن يتضخم مستوى المخاطر الناجمة عن الاستنساخ، والعواقب التي لا يمكن التنبؤ بها ستثبتها هذه القاعدة بلا رحمة: بالنسبة إلى الجينات الحساسة لمرض معين قد يكون لها طبقة ثانية أو ثالثة من التأثيرات، ولا تدرك هذه التأثيرات حين التغيرات الجينية، وقد تتجسد خلال سنوات عدة أو حتى لأجيال.
نظرًا إلى أن الهندسة الوراثية لديها كثير من القيود، فهل هذا يعني أنه بغض النظر عن التغيرات التي لها معنى، والتي قد تؤثر فيها الهندسة الوراثية على طبيعة الإنسان في المستقبل، أننا لا نحتاج إلى استكشافها؟ من المبكر أن نتحدث عن هذا الاستنتاج، فقبل الوصول إليه يجب علينا التفكير بتأنٍّ في العوامل الآتية:
أولًا، التقدم السريع في تطور علوم الحياة الملحوظ، والذي يفوق توقعات البشرية.
في أواخر ثمانينات القرن العشرين، أجمع علماء علم الوراثة على أنه من المستحيل استنساخ الثدييات من خلايا الشخص البالغ، لكن ولادة النعجة دوللي عام ١٩٩٧م أنهت هذا الرأي، أما في منتصف تسعينيات القرن العشرين، تنبأ علماء علم الوراثة بأن مشروع الهندسة الوراثية البشرية سينتهي بحلول عام ٢٠١٠م وحتى عام ٢٠٢٠م، لكن أجهزة الفرز الآلية الجديدة أنهت المشروع في شهر ٧ من عام ٢٠٠٠م، الآن، ليس لدينا أي توقعات بما سيحمله لنا المستقبل من اختصارات جديدة، والتي ستخفض لنا وقت البحث لإنجاز المهام المعقدة.
لدى الجينات كثير من التعقيدات الشديدة في الوظائف والتأثيرات التفاعلية، والتي لا تدل على أنه قبل الفهم الكامل لهذه النماذج من التأثيرات، أن الهندسة الوراثية البشرية ستكون موضع حيرة، في أحيان كثيرة، فإن بعض الأدوية حين اختراعها أو تجربتها أو ترخيصها، لا تكون الشركة المصنعة لها متأكدة من فاعليتها على نحو كامل، من الممكن أن تحل الهندسة الوراثية المشكلات البسيطة، وبعد ذلك خطوة بخطوة يتطور الأمر وصولًا إلى ما هو أكثر تعقيدًا.
مشكلة “التجارب على جسم الإنسان” هي عقبة كبيرة أمام سرعة تطور الهندسة الوراثية، لكنه ليس أمرًا مستحيلًا، حين تجربة الأدوية، ستتحمل الحيوانات معظم المخاطر أولًا، يعتمد المستوى المقبول لإجراء التجارب على البشر، على الفوائد التي سيجلبها إلى المشروع، مثل داء هنتنغتون، لديه فرصة خمسين في المئة في تغيير حالة الإنسان إلى الخرف أو الموت، كما أن العصور القادمة سيكون لديها أيضًا الأليل الخطأ نفسه، هذا النوع من الأمراض يكون لديه معاملة مختلفة، فهو مختلف تمامًا عن زيادة قوة العضلات أو محيط الصدر، فقط لأنه قد تكون ثمة آثار جانبية غير متوقعة أو طويلة الأجل، فالناس لن يتوقفوا عن السعي وراء العلاج الجيني، ما دام لديه تأثير علاجي في المراحل المبكرة.
أما بالنسبة إلى النسل من عدمه في الهندسة الوراثية، وما إذا كان سينتشر انتشارًا واسعًا إلى درجة تغيير طبيعة الناس، فهذا سيكون سؤالًا مفتوحًا تمامًا، من الواضح جدًّا أنه لكي تكون لأي تقنية للهندسة الوراثية، تأثير ملحوظ على حشد كبير من الناس، يجب عليها أن تكون مفيدة جدًّا، وأيضًا آمنة وسعرها منخفضًا، فالأطفال الاصطناعيون سيكونون بالتأكيد مكلفين جدًّا في المراحل المبكرة، وفقط سيكون خيارًا للأغنياء، أما إذا كان سعر الأطفال الاصطناعيين ينخفض تدريجيًّا أم لا، حينها سيكون الأمر شائعًا بين الناس، فهذا يعتمد على سرعة تطور العلوم والتكنولوجيا، فمثلا، يمكن مقارنة منحنى السعر لانخفاض التشخيص قبل زراعة الجنين.
لا أحد يعلم ما إذا كانت الهندسة الوراثية ستصبح في يومٍ من الأيام رخيصة ومتوفرة في كل مكان مثل الموجات فوق الصوتية والإجهاض، إذ يعتمد هذا إلى درجة كبيرة على الفوائد التي يمكن أن يجلبها، في الوقت الحالي، القلق الأكثر انتشارًا في نظر علماء الأخلاقيات الحيوية هو أن هذه التكنولوجيا متاحة فقط للأغنياء، إذا كان بإمكان التكنولوجيا الحيوية المستقبلية استخدام وسيلة وراثية آمنة وفاعلة بما يكفي، وذلك لإنجاب أطفال يتمتعون بمعدل ذكاء عالٍ، فسيزداد هذا الخطر على نحو كبير، في هذه الحالة، ستدخل الدول المتقدمة والديمقراطية ذات الرفاهية مرة أخرى في لعبة تحسين النسل، وهذه المرة ليس من أجل منع ولادة أطفال ذوي معدل ذكاء منخفض، ولكن لاستخدام التقنيات الوراثية لمساعدة الأشخاص ذوي الإعاقة لتحسين معدل ذكائهم وذكاء الأجيال المقبلة، في هذا الوقت، ستطلب الدول الاحتفاظ بسعر هذه التقنيات منخفضًا وفي متناول الجميع، وفي الوقت نفسه، سيكون التأثير على المستوى البشري بأكمله ممكنًا.
حتى لو فشلت الهندسة الوراثية في تغيير الواقع، ثمة ثلاث مراحل قبل تطوير التكنولوجيا الحيوية، إن الفهم الأكثر إلمامًا بالسلسلة السببية الجينية، والتطور في علم الأدوية العصبية، وزيادة متوسط العمر المتوقع، ستولِّد آثارًا عميقة على السياسة في القرن الحادي والعشرين، هذه التطورات ستواجه نزاعات كبيرة، لأنها تتحدى قيمة المساواة التي يعتز بها الناس، والقدرة على اتخاذ القرارات الأخلاقية، هذه التطورات ستعطي المجتمع طرائق جديدة للتحكم في سلوك المواطنين، ستغيّر هذه التطورات المفاهيم التقليدية لطبيعة الناس وشخصيتهم الأخلاقية، كما أنها ستقلب الهياكل الاجتماعية الموجودة رأسًا على عقب، كما سيتغير معدل ذكاء الناس ونسبة الثراء والسياسات العملية على نحو أكبر، ستغيّر هذه التطورات من تشكيل طبيعة سياسات العالم بأكمله.
حتى إذا كانت الهندسة الوراثية المؤثرة على الجنس البشري بأكمله ستتطلب خمسة وعشرين أو خمسين أو حتى مئة عام، فإنها ستُعدّ التطور الأكثر تأثيرًا في التكنولوجيا الحيوية، وهذا لأن طبيعة البشر هي أساس العدالة والأخلاق والحياة الجميلة، ولأن هذه الأمور ستخرج بتغييرات جذرية، وذلك بسبب تطبيقها على التكنولوجيا على نحو واسع النطاق.
ثانيًا، لماذا علينا أن نقلق؟
في مواجهة طريق البشرية المستقبلي المحتمل، يجب علينا أن نسأل أنفسنا: لماذا علينا أن نقلق من التكنولوجيا الحيوية؟
علم تحسين النسل هو شبح معلّق في مجال علم الوراثة بأكمله، وهذا يعني التخصص في ولادة بشر بخصائص وراثية مفضلة، اختُرِع مصطلح تحسين النسل من قبل فرانسيس جالتون، ابن شقيق تشارلز داروين، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت تتمتع خطط تحسين النسل التي ترعاها الدولة في وقتٍ ما بدعمٍ على نطاق واسع، وهؤلاء الداعمون لم يقتصروا على المتطرفين اليمينيين والداروينيين الاجتماعيين، بل شملت أيضًا الاشتراكيين الفابيانيين بياتريس وسيدني ويب، وجورج برنارد شو، والشيوعيين جي بي إس هالدين، وجي دي برنال، وحتى المدافعة عن حقوق المرأة وداعمة تحديد النسل مارغريت سانجر.
أقرت الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الأخرى أيضًا قوانين بشأن تحسين النسل، والتي تسمح للدولة بتعقيم المتخلفين عقليًّا بالإجبار، وتشجيع الأشخاص ذوي الصفات الممتازة على إنجاب أكبر عدد ممكن من الأطفال، بحسب القاضي أوليفر وندل هولمز: “نحن نريد أناسًا أصحاء، جيدين، مستقرين عاطفيًّا، متعاطفين، وأذكياء، نحن لا نريد حمقى، أغبياء، فقراء، ومجرمين”.
بعد الكشف عن سياسة هتلر في تحسين النسل (إبادة مجموعات عرقية بأكملها وإجراء تجارب طبية على الأشخاص) تم حظر حركة تحسين النسل في الولايات المتحدة الأمريكية، منذ ذلك الحين، ترسخ في القارة الأوروبية مفهوم جديد ضد تحسين النسل، ولم يعد أي شكل من أشكال البحث الجيني مرحبًا به، معارضة تحسين النسل لم تكن عالمية: ففي الدول الإسكندنافية التقدمية والديمقراطية الاجتماعية، لم تلغ قرارات تحسين النسل حتى ستينيات القرن العشرين، وفي آسيا، باستثناء مدة حرب المحيط الهادئ حين أجرت اليابان تجارب طبية إجبارية على المدنيين (جيش 731 سيئ السمعة)، لم تكن لدى الدول الآسيوية الأخرى معارضة قوية لمفهوم تحسين النسل.
العيب الثاني في مفاهيم تحسين النسل السابقة هو أنها كانت إلزامية وبرعاية الدولة، جعل الحزب النازي هذه السياسة مخيفة جدًّا، إذ قتلوا الأبرياء على نحو عشوائي وأجروا التجارب على “الأشخاص الأقل شأنًا”، حتى في الولايات المتحدة، كان من المحتمل جدًّا أن يتم إحالة هؤلاء الأشخاص الذين يُعدون غير أكفاء أو أغبياء (يستخدم هذا المصطلح المناسب لوصف الأشخاص المصابين عقليًّا) إلى المحكمة للحكم فيهم وتعقيمهم قسرًا بموجب الأمر.
لقد أعادت الهندسة الوراثية علم تحسين النسل إلى طاولة المناقشات كما كانت في الأصل، ومن الواضح أن أي نهج مستقبلي لتحسين النسل سيكون مختلفًا جدًّا عن المسار التاريخي، على الأقل في الدول الغربية المتقدمة، ذلك لأن الخطأين المذكورين أعلاه لن يتم تطبيقهما بعد الآن، وسوف يكون مفهوم تحسين النسل في المستقبل أكثر ودية ولطفًا، وسوف يزيل تدريجيًّا التأثير المرعب المرتبط بهذا المفهوم سابقًا.
العقبة الأولى (أي تحسين النسل غير ممكن في مجال التكنولوجيا) سيظهر فقط في أوائل القرن العشرين تحت شروط العلوم والتكنولوجيا، مثلا، التعقيم الإجباري، تقدم تكنولوجيا البحث البيولوجي في الوقت الحالي يجعل الأطباء يكتشفون الجينات المتنحية التي تحملها الأم قبل رغبة الزوجين في الإنجاب، ومن الممكن في المستقبل التوسع أكثر في اكتشاف ارتفاع معدل تشوهات الجنين من الجينات المتنحية المزدوجة للوالدين، في الوقت الحالي أصبح من الممكن الحصول على هذا النوع من المعلومات من مجموعة معينة من الأشخاص، مثلا، من المرجح أن يحمل اليهود الأشكناز جينات داء تاي ساكس أكثر من الأشخاص العاديين، وبهذه الطريقة، سيقرر الطرفان اللذان يحملان هذا الجين إما تجنب الزواج أو تجنب الإنجاب، في المستقبل، ستقدّم عملية سلسلة الخلايا الجرثومية مثل هذه الاحتمالات، وكما هو موضح سابقًا، يمكن إزالة هذه الجينات المتنحية، وستكون الأجيال القادمة والتي تحمل جينات متنحية محددة محمية، لو كانت طرائق العلاج هذه سهلة الوصول وغير مكلفة، فسيصبح من الممكن للبشرية بأكملها القضاء على جين معين على نطاق واسع.
أما العقبة الثانية في تحسين النسل (أي أنه يروج له من قبل الدولة) لن يصبح اتجاهًا شائعًا في المستقبل، لأنه في الوقت الحالي ليس ثمة مجتمعات حديثة ترغب في العودة إلى المنافسة في تحسين النسل، في الواقع، بعد الحرب العالمية الثانية، خطت الدول الغربية جميعها خطوات كبيرة في مجال حماية الحقوق الفردية، والحق في اتخاذ قرارات مستقلة بشأن مسألة الإنجاب يحتل مرتبة عالية في مجال حقوق الإنسان، يُعتقد بأن مخاوف الدولة بشأن المسائل الجماعية المماثلة، مثل صحة الجينات الخاصة بمواطنيها، لديها وجهة نظر مشروعة، ولم تعد مقبولة اجتماعيًّا، بدلًا من ذلك، سيعد موقفًا نخبويًّا متعجرفًا.
أصبح ظهور العلامات الأولية لتحسين النسل الأكثر لطفًا ولينًا خيارًا شخصيًّا لكلا الطرفين في التكاثر، بدلا من أن تفرضها الدولة على مواطنيها، قال أحد المعلقين: “كان علم تحسين النسل في الماضي يتطلب الاختيار المستمر للجينات المناسبة للتكاثر والتخلص من الجينات غير المناسبة، من حيث المبدأ، سيسمح علم تحسين النسل الجديد بتحويل الجينات غير المناسبة جميعها إلى تحول جذري للجينات”.
في الوقت الحالي، أصبحت الأم قادرة على اتخاذ مثل هذا الاختيار، حين تكتشف من خلال فحص بزل السلى أن الطفل معرض إلى خطر الإصابة بمتلازمة داون، حينها يمكن أن تقرر تحفيز المخاض بغرض الإجهاض، في المستقبل، سوف تؤدي عمليات تحسين النسل الجديدة إلى مزيد من حالات الإجهاض والتخلي عن الأجنة، وهذا هو السبب في أن مؤيدي مناهضة الإجهاض يعارضون بشدة التكنولوجيا الحيوية، ولكن علم تحسين النسل في المستقبل لن يفرض إجراءات إلزامية على الوالدين، ولن تكون ثمة أي قيود على حقوقهم الإنجابية، على عكس ذلك، فإن خيار الإنجاب أصبح متاحًا إلى حدٍّ كبير، لأن مجموعة من المسائل الأخرى مثل العقم والتشوهات الخلقية لم تعد بحاجة إلى أن تكون مصدر قلق، من المرجح أن نتوقع أنه في المستقبل، سوف تكون تقنيات الولادة آمنة وفعالة بما يكفي، بحيث لن يتم التخلي عن الأجنة أو إتلافها.
حين يتعلق الأمر بمستقبل الهندسة الوراثية، أفضّل شخصيًّا التخلي عن مصطلح “تحسين النسل” المبالغ فيه، واستخدام مصطلح “الانتقاء والتكاثر” بدلًا عنه، في المستقبل، من المرجح أن نقوم بانتقاء وتعديل البشر كما نفعل مع الحيوانات، لكن بطريقة أكثر علمية وكفاءة، وسنقرر ما نريد أن ننقله إلى الجيل القادم من خلال الاختيار الجيني، ليست ثمة حاجة إلى دلالة “الدعم الوطني” للانتقاء والتكاثر، والتعبير الأكثر ملاءمة هو إمكانية “التجريد من الإنسانية” المستمرة للهندسة الوراثية.
لهذا، فإن أي رأي ضد الهندسة الوراثية البشرية لا يجب أن يفقد التركيز بسبب المبادرات الوطنية أو التوقعات التي تفرضها الحكومات، ومع ذلك، لا يزال معارضو فكرة انتقاء وتكاثر البشر الجديدة بحاجة إلى توضيح نوع الضرر الذي يسببه الاختيار الحر للوالدين، حين يتعلق الأمر بإعادة بناء جينات الأطفال.
يمكننا أن نفترض كذلك أنه على الرغم من أن الوالدين لن يؤذيا أطفالهما عمدًا، إلا أنهما سيحاولان تعظيم مؤشر سعادتهما، كتبت الكاتبة الليبرالية فرجينيا بوستريل على النحو الآتي: “يريد الناس تعزيز تطوير التكنولوجيا الوراثية لأنهم يريدون استخدامها لأغراضهم الخاصة، فهم يأملون أن تساعدهم وتساعد والأجيال القادمة على الحفاظ على طبيعتهم الإنسانية … وفي نظام ديناميكي حيث تكون فيه الخيارات والمسؤوليات الشخصية لا مركزية، لا يحتاج الناس باستثناء أنفسهم إلى الوثوق بأي سلطة”.
وفقًا للنظرية الاقتصادية، حين تقود الاختيارات الفردية إلى “تأثيرات خارجية سلبية” (وهذا يعني، حين يتحمل طرف ثالث تكلفة الضرر في حين أنه لم يكن لديه دور في المعاملة) فإن الضرر الاجتماعي سيشكل تأثيرًا متكاملًا، مثلا، قد تستفيد الشركة من إلقاء النفايات السامة في الأنهار المحلية، ولكنها ستؤثر على مصالح أفراد المجتمع المجاورين، وقد اكتشفت تأثيرات مماثلة في الذرة المعدلة وراثيًّا: فهي تنتج سمومًا تقتل دودة الذرة، وهي آفة أوروبية، ولكنها تقتل أيضًا فراشات الملك بالخطأ، التساؤل الذي يجب أخذه في الحسبان هنا هو ما إذا كان ثمة وضع تقود فيه الاختيارات الفردية في مجال التكنولوجيا الحيوية إلى تأثيرات خارجية سلبية، ما يؤدي إلى ضرر المجتمع ككل.
في التعديل الوراثي، من الواضح أن الأطفال الذين لا يطلبون الموافقة، ولكنهم مشاركون، هم أطراف ثالثة قد يتعرضون إلى الأذى، يفترض قانون الأسرة الحالي أن ثمة مصلحة مشتركة بين الوالدين والأطفال، ومن ثم يوفر للوالدين مساحة أكبر في تربية ذريتهم وتعليمهم، يؤكد الليبراليون أنه بما أن معظم الآباء يريدون ما هو الأفضل لأطفالهم، فهذا يعني أن الأطفال لديهم درجة معينة من الموافقة، لأنهم المستفيدون المباشرون من معدل ذكاء أعلى ومظهر أفضل وخصائص وراثية أكثر إرضاءً، مع ذلك، لا تزال ثمة كثير من الاحتمالات بأن اختيار تكنولوجيا الإنجاب قد يكون مفيدًا للوالدين، ولكنه قد يسبب ضررًا للأطفال.
ثالثًا، ما الفائدة الفضلى التي تصب في مصلحة الطفل؟
من السهل على الوالدين اتخاذ قرار خطأ تجاه هذه المسألة، لأنهم عادة ما يتشاورون ويعتمدون على نصيحة العلماء والأطباء بناءً على أجندتهم الخاصة، الدافع للسيطرة على الطبيعة البشرية، سواءٌ بوصفها رغبة بالطموح الخالص، أو تحديد ما يمكن أن يصبحه البشر بناءً على افتراضات أيديولوجية، فإن هذا النوع من الاندفاع شائع جدًّا.
يصور الصحفي جون كولابينتو قصة مفجعة في كتابه “كما صنعته الطبيعة”، إذ يعاني بطل الرواية ديفيد رايمر من مأساة مضاعفة، في حادث فظيع، أحرق قضيبه، ووضع لاحقًا تحت إشراف جون ماني، خبير معروف في علم الجنس في جامعة جونز هوبكنز، جون ماني في الطرف الآخر من النقاش حول أيهما أكثر أهمية بين الطبيعي أم الاصطناعي، يصر طوال حياته المهنية، على أن الهوية الجنسية ليست شيئًا يأتي على نحو طبيعي، بل هو شيء يتم بناؤه بعد الولادة، أتاح ديفيد رايمر لماني فرصة للتحقق من صحة نظريته، ديفيد رايمر هو أحد التوائم المتطابقين، لذلك يمكن مقارنته بأخيه التوأم المتطابق وراثيًّا، بعد حادثة الحرق، قام ماني بإخصاء ديفيد ورباه كفتاة، أطلق عليها اسم بريندا.
حياة بريندا جحيم خاص لأنها تُعلَّم على عكس ما يقوله والداها وماني، فهي في الواقع صبي وليست فتاة، في البداية أصرت على الوقوف للتبول واقفة ورفضت الجلوس، لاحقًا، كانت حياة بريندا فظيعة بعد انضمامها إلى فتيات الكشافة: “ما زلت أتذكر التفكير في صنع أكاليل الأقحوان وطريقة تفكير الفتيات، إذا كان هذا هو الشيء الأكثر إثارة في فتيات الكشافة، فأنا أفضل نسيانه” هذا ما يتذكره ديفيد، “ظللت أفكر في الأشياء المثيرة للاهتمام التي قام بها أخي في الكشافة”، خلال عيد الكريسماس وأعياد الميلاد، كانت بريندا تتلقى الدمى هدايا، لكنها رفضت اللعب بها، “ماذا يمكنك أن تلعب بالدمى؟” حين سؤال ديفيد كان صوته ممتلئًا بالإحباط، “النظر إلى دمية؟ إلباسها؟ ثم نزع ملابسها؟ تمشيط شعرها؟ هذا ممل! إذا كان ثمة سيارة صغيرة يمكنك قيادتها إلى مكان ما، فسيكون ذلك مرضيًا جدًّا، أنا أحتاج إلى سيارة”.
ينتج عن محاولة خلق هوية جنسية جديدة عذاب عاطفي شديد التأثير، وقت أن وصلت بريندا إلى سن البلوغ، أنهت علاقتها الإشرافية مع ماني، وأكملت عملية التحول الجنسي من خلال جراحة إعادة بناء القضيب، يقال إن ديفيد رايمر متزوج الآن ويعيش بسعادة.
لقد أصبحنا الآن نفهم جيدًا الاختلافات بين الجنسين، فهي تبدأ قبل الولادة، حين يتم غمر دماغ الإنسان الذكر (ودماغ الحيوانات الأخرى أيضًا) بالتستوستيرون في الرحم، فإنه يخضع إلى عملية “الذكورة”، ومع ذلك، فإن الجانب الجدير بالملاحظة في هذه القصة هو أنه على الرغم من مرور ما يقرب من خمسة عشر عامًا، حسم ماني في بحثه الأكاديمي أنه نجح في تغيير هوية بريندا الجنسية إلى فتاة، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا، اكتسب ماني سمعة كبيرة بسبب أبحاثه، تردد صدى نتائج بحثه الخادعة في كتاب النسوية كيت ميليت “السياسة الجنسية”، وتلقى الاهتمام من مجلة تايم، وحصل على تقدير من صحيفة نيويورك تايمز، وتم تضمينه في عدد لا يحصى من الكتب المدرسية، وفي اقتباس أحد الكتب المدرسية، فقد أثبت أنه: “يمكن بسهولة تربية الأطفال ليكونوا من الجنس الآخر”، وما إذا كانت ثمة اختلافات فطرية بين الجنسين في البشر “ليس واضحًا بعد، ويمكن السيطرة عليها من خلال التحكم الثقافي”.
يمكن استخدام مثال ديفيد رايمر بوصفه تذكيرًا مفيدًا بكيفية استخدام التكنولوجيا الحيوية في المستقبل، اتخذ والدا ديفيد هذا الاختيار بدافع الحب، فقد كانا يائسين من حرق ابنهما، لذلك وافقا على هذه المعالجة “المرعبة”، لسنوات عديدة، ألقيا اللوم على أنفسهما بشدة، كان جون ماني مدفوعًا بسلسلة من الأسباب مثل الغرور العلمي والطموح الأكاديمي والرغبة في خلق اتجاه أيديولوجي، ما دفعه إلى تجاهل الأدلة المعارضة، والتصرف على نحو يتعارض جدًّا مع المصالح الشخصية لمرضاه.
قد تؤدي المعايير الثقافية أيضًا إلى جعل الوالدين يتخذان اختيارات تضر بمصالح الأطفال، ثمة مثال ذكرناه بإيجاز في وقت سابق: في آسيا، يستخدم الناس الموجات فوق الصوتية لتحديد جنس الجنين واتخاذ القرار بشأن إجهاضه، في ثقافات كثير من البلدان الآسيوية، فإن إنجاب ابن يعني مزايا واضحة في السمعة الاجتماعية والدعم في مرحلة الشيخوخة، لكن من الواضح أن هذا يشكل ضررًا على الفتيات الصغيرات اللاتي متن قبل الولادة، كما أن النسبة غير المتوازنة بين الجنسين تجعل من الصعب على الرجال العثور على شريك متوافق، وتقلل من رأسمالهم للمساومة مع النساء في سوق الزواج، إذا كان من الممكن أن يجلب الرجال الذين تلقوا تعليمًا سيئًا مزيدًا من العنف والإرهاب الخطير إلى المجتمع، فإن المجتمع كله سوف يعاني.
قد تكون هذه العوامل الخارجية السلبية أكثر بروزًا في الخصائص الفردية مثل الذكاء، ويعد تعزيز الذكاء الهدف الأبرز لتحسين الجينات في المستقبل، حين يرتبط التكاثر ارتباطًا وثيقًا بمعدل الذكاء، قد يكون المجتمع ذو المعدل المتوسط الذكاء المرتفع أكثر ثراءً، ومع ذلك، فإن تحسين معدل الذكاء الذي يسعى إليه كثير من الآباء سيثبت أنه وهمي من نواحٍ كثيرة، لأن ميزة ارتفاع معدل الذكاء نسبية وليست مطلقة.
على سبيل المثال، يريد الناس إنجاب أطفال يتمتعون بذكاءٍ أعلى كي يتمكنوا من الالتحاق بجامعة هارفارد، ولكن المنافسة على الالتحاق بجامعة هارفارد هي منافسة صفرية، يعني أنه إذا أصبح طفلي أكثر ذكاءً من خلال العلاج الجيني ودخل هارفارد، فمن المحتمل أن يحل محل طفلك، وقراري بإنجاب “طفل اصطناعي” سيكون له عواقب عليك (أو بالأحرى على طفلك)، ولكن ليس من الواضح من هو الأكثر ثراءً على نحو عام، إن هذا النوع من “سباق التسلّح الجيني” من شأنه أن يخلق عبئًا على الناس الذين لا يريدون تعديل أطفالهم وراثيًّا؛ لأسباب دينية أو غيرها، وإذا كان من حولهم كلهم يفعلون ذلك، فسوف يكون من الصعب عليهم التزام القرار؛ لأنهم يخشون إعاقة مستقبل أطفالهم.
على الرغم من مخاوف الناس بشأن العواقب والتكاليف غير المتوقعة، فإن المخاوف العميقة التي يشعر بها الناس بشأن التكنولوجيا الحيوية ليست نفعية إطلاقًا، بالمعنى النهائي، من الأفضل القول إن ما يقلق الناس هو أن التكنولوجيا الحيوية ستجعل البشر يفقدون إنسانيتهم، هذه الخاصية الأساسية هي التي تدعمنا لنصبح نحن، وتقرر إلى أين سنذهب في المستقبل، الأسوأ من ذلك، هو أن التكنولوجيا الحيوية غيّرت الطبيعة البشرية، لكننا لا نملك أي إدراك عن قيمة الشيء الثمين الذي خسرناه، ربما سنقف على الجانب الآخر من هذا الحد الفاصل الكبير بين تاريخ البشرية وما بعد البشرية، لكننا لا ندرك أن هذا الحد الفاصل قد تشكل فعلًا، وهذا لأننا لم نعد نرى الجزء الأكثر أساسية في طبيعة البشر.
