- في عصر يتسم بعدم اليقين، تستطيع أوروبا إعادة رسم مستقبلها الصناعي من خلال تقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري وزيادة إنتاجها من الطاقة النظيفة.
- يتطلب التحول الأخضر الطموح والمرن والمستدام من شركات الطاقة إعادة التفكير ليس فقط في ما تنتجه، بل أيضاً في هويتها كمؤسسات.
- تقدم تجربتا أورستد وموفي دروساً مهمة حول كيفية تحويل الشركات القائمة على الوقود الأحفوري، والاستفادة من فرص الاقتصاد النظيف مع التعامل مع تحدياته.
في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي، والمخاوف المتعلقة بأمن الطاقة، والتداعيات المتزايدة لتغير المناخ، تمتلك أوروبا فرصة لإعادة ابتكار مستقبلها الصناعي من خلال تقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري وزيادة إنتاجها المحلي من الطاقة النظيفة.
لكن التحول الحقيقي يتطلب ما هو أكثر من مجرد خطوات محدودة نحو تنويع مصادر الطاقة. ففي أكثر صوره طموحاً، يعني ذلك إحداث تحولات عميقة داخل الشركات، تدفعها إلى إعادة التفكير ليس فقط في ما تنتجه، بل أيضاً في هويتها كمنظمة.
وتقدم تجربتا شركتي أورستد وموفي مثالين على كيفية تحقيق ذلك، إذ توفر خبراتهما رؤى قيّمة حول تحويل الشركات القائمة على الوقود الأحفوري إلى شركات تتمحور أعمالها حول الفرص التي يوفرها الاقتصاد النظيف، مع مواصلة التعامل مع التحديات المصاحبة لهذا التحول.
بناء هوية جديدة
يبدأ التحول واسع النطاق بالإيمان بمستقبل مختلف جذرياً، ويتطلب قادة مستعدين لاتخاذ قرارات واستثمارات طويلة الأجل قبل أن تصل الأسواق إلى مرحلة النضج الكامل. وبالنسبة إلى أورستد وموفي، لم يكن الأمر يقتصر على تكييف نماذج أعمالهما، بل شمل أيضاً إحداث تحول جذري في هويتهما بهدف إنشاء أسواق جديدة بالكامل لنظام الطاقة المستقبلي.
كانت أورستد، التي عُرفت باسم DONG Energy حتى عام 2017، في السابق واحدة من أكثر شركات المرافق اعتماداً على الفحم في أوروبا، لكنها خاضت مسيرة سريعة وواسعة النطاق لإزالة الكربون، لتصبح اليوم واحدة من الشركات العالمية الرائدة في مجال طاقة الرياح البحرية.
وتطور مزيج توليد الطاقة لديها من الاعتماد على الوقود الأحفوري بنسبة 85% في عام 2006 إلى الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة بنسبة تتجاوز 99% اليوم، وذلك بعد اتخاذ قرار حاسم بالخروج من أنشطة إنتاج النفط والغاز، وكذلك توليد الكهرباء باستخدام الفحم. وفي الوقت نفسه، واصلت أورستد زيادة أرباحها التشغيلية، بينما خفضت كثافة انبعاثاتها من النطاقين الأول والثاني بأكثر من 98% منذ عام 2006.
أما شركة الطاقة الإسبانية موفي، المعروفة سابقاً باسم Cepsa، فقد بدأت مؤخراً رحلة تحول مماثلة لتصبح منتجاً للهيدروجين الأخضر والوقود الحيوي من الجيل الثاني. وكانت الشركة قد باعت بالفعل أكثر من 70% من أعمالها الخاصة بإنتاج النفط، كما تعتزم استثمار ما يصل إلى 8 مليارات يورو، أي نحو 9 مليارات دولار، ضمن استراتيجيتها للتحول بحلول عام 2030.
في عام 2008، وضع الرئيس التنفيذي آنذاك أندرس إلدروب شركة أورستد على مسار جديد، انطلاقاً من قناعته بأن الطاقة المتجددة، وليس الوقود الأحفوري، ستكون المصدر الذي سيقود المرحلة المقبلة من النمو. واليوم، يواصل الرئيس التنفيذي راسموس إربو هذه الرحلة، مع إبقاء طاقة الرياح البحرية في صميم استراتيجية أورستد.
ويقول إربو: «من خلال استكمال تحولنا الأخضر من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة، أثبتت أورستد أن إزالة الكربون بسرعة وعلى نطاق واسع أمر ممكن. وفي وقت أصبحت فيه أمن الطاقة والقدرة التنافسية وإزالة الكربون من أبرز التحديات التي تواجه أوروبا، لم تكن الحاجة إلى تسريع نشر الطاقة المتجددة أكثر أهمية مما هي عليه اليوم».
وفي عام 2022، وضع الرئيس التنفيذي لشركة موفي، مارتن ويتسيلار، الشركة على مسار جديد من خلال استراتيجية «الحركة الإيجابية»، بعدما حدد شبه الجزيرة الأيبيرية بوصفها موقعاً مثالياً لإنشاء واحدة من أكثر المراكز الأوروبية قدرة على المنافسة في إنتاج الجزيئات الخضراء، التي يتم تصنيعها باستخدام الهيدروجين الأخضر أو مصادر الوقود الحيوي المتجدد.
وبالنسبة إلى الشركتين، لم يكن هذا التوجه الجديد ضرورة بيئية فحسب، بل كان أيضاً ضرورة استراتيجية ومالية.
ويشرح ويتسيلار قائلاً: «يقوم تحولنا على قناعة بسيطة: ستكون أعمالنا أكثر قيمة في المستقبل إذا قدمنا حلولاً متكاملة للتحديات الوجودية التي تواجه أوروبا على صعيد القدرة التنافسية وأمن الطاقة وإزالة الكربون».
التحول إلى محفزات لانتقال الطاقة في أوروبا
إلى جانب الطاقة الشمسية، تشكل طاقة الرياح إحدى الركائز الأساسية في مساعي أوروبا لتحقيق الاستقلال في مجال الطاقة، وخفض تكلفتها، وتعزيز استدامتها. وفي عام 2025، أصبحت طاقة الرياح ثاني أكبر مصدر للكهرباء في الاتحاد الأوروبي، إذ ولدت نحو 18% من إجمالي الكهرباء، بزيادة قدرها 30% مقارنة بعام 2014.
وبعد أن كانت طاقة الرياح البحرية تقنية محدودة الانتشار، أصبحت اليوم إحدى الركائز الأساسية لعملية التحول، إذ توفر كميات كبيرة من الطاقة النظيفة، إلى جانب المساهمة في خفض تكاليف النظام وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وتوضح تجربة أورستد كيف يمكن للاستثمار المبكر في تقنية ناشئة أن يبني قدرات تصبح ذات قيمة استراتيجية مع نضوج الأسواق. فبعد أن أنشأت الشركة أول مزرعة لطاقة الرياح البحرية في العالم، وهي مزرعة فينديبي في الدنمارك عام 1991، ستصل محفظتها قريباً إلى قدرة تبلغ 18.3 غيغاواط من طاقة الرياح البحرية، وهي كمية تكفي لتغطية استهلاك الكهرباء لنحو 31 مليون شخص.
لكن الكهرباء المتجددة وحدها لا يمكنها إزالة الكربون بشكل كامل من قطاعات النقل والصناعات المرتبطة بالمواد، والتي تحتاج إلى درجات حرارة مرتفعة وإلى أنواع وقود ذات كثافة عالية من الطاقة لاستخدامها كمواد أولية. وهنا تظهر الجزيئات الخضراء باعتبارها ركيزة أساسية أخرى في عملية التحول.
وفي أوروبا وحدها، يمكن للجزيئات الخضراء أن تخفض الاعتماد على الطاقة المستوردة إلى النصف بحلول عام 2040، وأن تستبدل ما يصل إلى 50% من الطلب الحالي على الوقود الأحفوري بحلول عام 2050، لتشكل نحو ثلث مزيج الطاقة في الاتحاد الأوروبي بحلول منتصف القرن.
وهذا هو أحد العوامل التي تقود تحول موفي، التي تعمل على تطوير أكبر مشروع للهيدروجين الأخضر في قطاع الطاقة الأوروبي، وهو «وادي الأندلس للهيدروجين الأخضر»، إلى جانب أكبر مجمع للوقود الحيوي من الجيل الثاني في جنوب أوروبا، بهدف إنتاج وقود الطيران المستدام والديزل المتجدد.
وتجسد هذه المشروعات مجتمعة استراتيجية موفي الرامية إلى تمكين قطاعات الصناعة الثقيلة والنقل والصناعات الكيميائية من التحول إلى نماذج أكثر استدامة. كما يوفر توافر الطاقة المتجددة بكميات كبيرة الأساس اللازم لجعل هذه المشروعات أكثر قدرة على المنافسة.
تحقيق الطموحات والتعامل مع حالة عدم اليقين
يتطلب تنفيذ تحولات واسعة النطاق أكثر من مجرد الطموح. ويعد رأس المال أحد أبرز التحديات، إذ يحتاج المستثمرون والمقرضون والموظفون وأصحاب المصلحة الآخرون إلى الثقة في القيمة طويلة الأجل لخطة التحول، حتى عندما تكون ظروف السوق صعبة.
وبالنسبة إلى موفي، كان دعم مساهميها الخاصين، مبادلة وكارلايل، عاملاً أساسياً في وضع الاستراتيجية. أما مرحلة التنفيذ، فقد تطلبت تكاملاً أكبر بين الفرق المختلفة ومثابرة مستمرة، في ظل تطور عوامل خارجية مثل إجراءات الترخيص، والوصول إلى شبكات الكهرباء، والتمويل، والتنظيم، بالتزامن مع التحولات الجيوسياسية.
وتنطوي الاستثمارات طويلة الأجل في الأسواق الناشئة على مخاطر، كما أن مسارات التحول نادراً ما تسير بشكل خطي. وباعتبارها شركة عامة، توضح تجربة أورستد أن عملية التحول تتطلب وصولاً مستداماً إلى رأس المال وإدارة دقيقة للجدوى الاقتصادية للمشروعات، خاصة مع تغير تكاليف سلاسل التوريد وأسعار الفائدة وظروف السوق.
ولا يمكن للشركات بناء الثقة اللازمة لجذب الاستثمارات على نطاق واسع إلا من خلال إدارة هذه العوامل بصورة صحيحة. كما تعتمد الثقة على وجود بيئة سياسات مستقرة وقابلة للتنبؤ.
وتوفر أطر مثل الصفقة الأوروبية الخضراء، ونظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات، وخطة REPowerEU، وميثاق الاستثمار المشترك في طاقة الرياح البحرية لبحار الشمال، أساساً قوياً للتخطيط والاستثمار وتوسيع سلاسل التوريد الجديدة، في حين يمكن لحالة عدم اليقين التنظيمي والاختناقات المرتبطة بإجراءات الترخيص أن تبطئ التقدم وتزيد التكاليف.
قوة الشراكات في تسريع التقدم
لتحقيق تحول نظيف، تحتاج الشركات إلى تجاوز حدود عملياتها الداخلية والعمل على بناء منظومات أوسع. ومن خلال مبادرات مثل تحالف الرؤساء التنفيذيين لقادة المناخ أو ائتلاف الشركات الرائدة، تعمل أورستد وموفي مع شركات أخرى لرفع مستوى الطموح الجماعي وتسريع وتيرة التقدم.
ويعد التعاون الوثيق مع الموردين والشركاء أمراً أساسياً لإزالة الكربون من سلاسل القيمة. وقد دخلت أورستد في شراكة مع شركة ديلينغر لضمان الحصول على فولاذ منخفض الانبعاثات لاستخدامه في الأساسات أحادية الركيزة الخاصة بمنشآت طاقة الرياح البحرية. كما تدرس الشركة حلول الشحن الكهربائي في البحر بهدف كهربة الخدمات اللوجستية للسفن، ضمن استراتيجية تهدف إلى دفع عملية إزالة الكربون إلى مراحل أكثر تقدماً.
ومن خلال مشاركتها في ائتلاف الشركات الرائدة، تقدم موفي مثالاً آخر على كيفية استخدام الشركات لقوتها الشرائية في خفض الانبعاثات وخلق أسواق لحلول جديدة في الوقت نفسه، وذلك من خلال عقدها الخاص بناقلات المواد الكيميائية فائقة الكفاءة التي يمكن تشغيلها باستخدام مولدات كهربائية وأنواع وقود منخفضة الكربون.
وتبرز تجربة الشركتين أن تحول الأعمال لا يمكن أن يكون جهداً فردياً، وأن التعاون يمثل عاملاً حاسماً في نجاحه، إذ يعتمد مستقبل التحول إلى حد كبير على قدرة الشركات والقطاعات المختلفة على العمل معاً.
