القائمة الرئيسية

عقدٌ من الكوارث في نيبال يكشف الحاجة الملحّة إلى تمويل مناخي عادل

عقدٌ من الكوارث في نيبال يكشف الحاجة الملحّة إلى تمويل مناخي عادل
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة التداعيات المدمرة للكوارث الطبيعية والمناخية التي شهدتها نيبال خلال العقد الماضي، رغم مساهمتها الضئيلة للغاية في الانبعاثات الكربونية العالمية، مسلطةً الضوء على الخسائر البشرية والاقتصادية الهائلة التي خلفتها الزلازل والفيضانات والانهيارات الجليدية المتكررة، والتي أعاقت تعافي البلاد وأثقلت كاهلها بالديون. وتكشف المقالة كيف يؤدي نقص التمويل وأنظمة الإنذار المبكر إلى تفاقم آثار هذه الكوارث، مقارنة بالدول الغنية الأكثر استعداداً لمواجهتها، مؤكدةً الحاجة الملحّة إلى تمويل مناخي عادل يقوم على المنح بدلاً من القروض، وتعزيز أنظمة المراقبة وإعادة الإعمار المستدام، فهل يستطيع المجتمع الدولي مساعدة نيبال على كسر حلقة الدمار والتعافي المتكرر، أم ستظل تدفع ثمن أزمة لم تتسبب فيها؟

  • لا تسهم نيبال سوى بنحو 0.05% من الانبعاثات العالمية التي تغذي الظواهر المناخية المتطرفة، ومع ذلك تكبدت خسائر بمليارات الدولارات بسبب الكوارث.
  • تمثل تجربة البلاد خلال السنوات الإحدى عشرة الماضية مثالاً واضحاً على أن بعض المجتمعات تدفع ثمن أزمة لم تسهم إلا بقدر ضئيل جداً في التسبب بها.
  • يمكن لتمويل المناخ الذي يعطي الأولوية للمنح بدلاً من القروض، ويدعم تحسين أنظمة الإنذار المبكر، أن يساعد نيبال على إعادة البناء بصورة أكثر قدرة على الصمود.

لا تنتج نيبال سوى 0.05% من انبعاثات الكربون في العالم، ويولد الفرد النيبالي في المتوسط 0.63 طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وهو جزء بسيط من المتوسط العالمي. بل إن إجمالي الانبعاثات التراكمية للبلاد منذ عام 1751 لا يمثل سوى 0.01% من مجمل ما أطلقته البشرية من انبعاثات على الإطلاق.

ومع ذلك، تكبدت نيبال خلال السنوات الإحدى عشرة الماضية خسائر ناجمة عن كوارث مرتبطة بالظواهر المناخية المتطرفة تعادل تقريباً ربع الناتج المحلي الإجمالي السنوي للبلاد.

هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن تبدأ بها أي مناقشة حول تمويل المناخ، لأن نيبال ليست حالة استثنائية أو هامشية. بل إنها واحدة من أوضح الأمثلة في العالم على من يدفع ثمن أزمة مناخية لم يكن له تقريباً أي دور في التسبب بها.

كيف أدى انهيار جليدي إلى انهيارات أرضية وفيضانات قاتلة

في 26 أغسطس 2026، انفصلت كتلة من الجليد والصخور تبلغ مساحتها نحو 0.2 كيلومتر مربع عن منحدر بالقرب من لانغتانغ ليرونغ، وسقطت لمسافة تزيد على كيلومتر واحد. وقد ذابت أجزاء منها عند الاصطدام، ما أدى إلى اندفاع جدار من المياه والحطام عبر واديي بهوتي كوشي وتريشولي.

وخلال 30 دقيقة فقط، ارتفع منسوب الأنهار في بعض المواقع بنحو تسعة أمتار. وبحلول الوقت الذي وصلت فيه المياه إلى المعبر الحدودي بين نيبال والصين في غيريونغ، كانت قد قطعت المسافة خلال دقائق.

وقُتل ما لا يقل عن 1,455 شخصاً، فيما ظل 5,285 شخصاً في عداد المفقودين، وجرى إنقاذ 13,795 شخصاً، وفقاً لمسؤولين أعلنوا انتهاء عمليات البحث والإنقاذ في 5 أكتوبر. كما عُثر على حطام وجثث على مسافة تصل إلى 240 كيلومتراً باتجاه مجرى النهر، وصولاً إلى داخل الأراضي الهندية.

قد يكون من السهل النظر إلى ما حدث باعتباره كارثة منفردة: انهياراً جليدياً وليس حتى فيضاناً «عادياً». لكن التعامل معه كحدث معزول يحجب جوهر المشكلة.

فقد صُممت البنية التحتية للإنذار من الفيضانات في نيبال لرصد فيضانات الرياح الموسمية والأنهار، وليس انهيارات الجليد على ارتفاعات شاهقة. ولا يمكن اعتبار ذلك مجرد سوء حظ. بل هو نتيجة مباشرة لما يحدث عندما تضطر دولة ذات حيز مالي محدود إلى اختيار أنواع المخاطر التي ستصمم أنظمة الإنذار المبكر لمواجهتها، لأنها لا تستطيع تحمل تكلفة الاستعداد لجميع أنواع المخاطر.

نيبال تواجه عقداً من الكوارث من دون تعافٍ كامل

عند النظر إلى الصورة الأوسع، يتضح أن فيضان بهوتي كوشي ليس حدثاً منفرداً. بل هو أحدث حلقة في سلسلة من الصعوبات الاقتصادية التي تعانيها نيبال منذ عام 2015، والتي بدأت بزلزال نيبال.

وفي عام 2017، أضافت فيضانات تيراي خسائر أخرى بقيمة 61 مليار روبية نيبالية، أي نحو 396.5 مليون جنيه إسترليني. ثم كلفت جائحة كوفيد-19 الاقتصاد ما يُقدّر بنحو 198 مليار روبية نيبالية، أي 1.3 مليار دولار، وأدت إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.37%.

وفي عام 2023، ضرب زلزال آخر منطقة جاجاركوت، ما أدى إلى مقتل 153 شخصاً وتدمير أكثر من 62 ألف منزل في أنحاء إقليم كارنالي. وقدرت الأضرار في المنطقة الأكثر تضرراً وحدها بأكثر من 500 مليون دولار. ثم جاءت احتجاجات جيل «زد» في عام 2025 لتضيف خسائر أخرى بلغت 98 مليار روبية نيبالية، أي نحو 586 مليون دولار.

ويضاف إلى ذلك فيضان هذا العام، الذي تشير التقديرات الأولية إلى أنه تسبب في أضرار تجاوزت 400 مليار روبية نيبالية، أي 2.6 مليار دولار. ويتوقع المسؤولون أن تأتي نتائج التقييم الشامل للاحتياجات بعد الكارثة أعلى بنحو 30%، ما قد يرفع تكاليف إعادة الإعمار الكاملة إلى ما بين أربعة وخمسة مليارات دولار.

ويأتي ذلك فوق خسائر تُقدر بنحو 415 مليار روبية نيبالية، أي 2.7 مليار دولار، تكبدتها الأسر الزراعية النيبالية خلال السنوات الخمس الماضية نتيجة تغير أنماط الطقس وحده.

ولا تكمن خطورة الوضع في أي رقم منفرد، بل في الدورة المتكررة التي تتبعها هذه الكوارث. فبعد زلزال عام 2015، نجح اقتصاد نيبال في استعادة نمو قوي، ثم جاءت جائحة كوفيد-19. وبعد أن بدأ التعافي مجدداً، اندلعت اضطرابات عام 2025.

وهذه المرة، خفّض بنك التنمية الآسيوي توقعاته لنمو الاقتصاد بعد الفيضانات إلى 4.1%، فيما تناقش الحكومة حالياً حجم الديون الإضافية التي يمكنها تحملها بأمان من أجل إعادة البناء. وقد صرح وزير خارجية نيبال بوضوح بأن البلاد «تفضل المنح والمساعدات على القروض»، لأن «القروض تتضخم مقارنة بناتجنا المحلي الإجمالي».

وببساطة، لم تحصل نيبال على فترة هدوء طويلة بما يكفي بين الصدمات المختلفة حتى تتمكن من إعادة البناء بالكامل قبل وقوع الكارثة التالية.

ودمر فيضان بهوتي كوشي ما يقرب من 8% من قدرة نيبال الوطنية على توليد الطاقة الكهرومائية، وهو قطاع يوفر أكثر من 90% من كهرباء البلاد ويعد أحد مصادرها الرئيسية القليلة لعائدات التصدير.

كما أثرت الكارثة على ممر التجارة في راسوا، الذي ينقل البضائع من الصين وإليها، وعلى المسارات السياحية المؤدية إلى جبل كايلاش، والتي تجذب المسافرين من مختلف أنحاء العالم. ولا يمكن استعادة أي من ذلك خلال موسم واحد.

فمحطات الطاقة الكهرومائية تحتاج إلى سنوات لإعادة بنائها، وكذلك الطرق والجسور الجبلية. وكل شهر تبقى فيه هذه المنشآت خارج الخدمة يعني شهراً من خسارة الإيرادات والوظائف والعائدات الضريبية. وهذه هي التكلفة التراكمية التي لا تحظى عادة بالتغطية الإعلامية التي يحظى بها عدد الضحايا.

ماذا ينبغي أن يعني ذلك لبقية العالم

نيبال ليست حالة منفردة. فالظواهر الفيزيائية نفسها المتمثلة في ترقق الأنهار الجليدية وذوبان التربة الصقيعية وعدم استقرار المنحدرات تحدث في جميع المناطق الجبلية المغطاة بالجليد حول العالم، من جبال الألب السويسرية إلى الغطاء الجليدي في غرينلاند وصولاً إلى الجزء الهندي من جبال الهيمالايا. والاختلاف الحقيقي بينها يكمن في من يستطيع تحمل تكلفة اكتشاف الخطر قبل وقوعه.

فعندما بدأ منحدر فوق قرية بلاتن السويسرية بالتحرك في مايو 2025، مكّنت ثلاثة عقود من المراقبة باستخدام الرادار ونظام تحديد المواقع العالمي وأجهزة الاستشعار الزلزالية السلطات من الحصول على تحذير كافٍ لإجلاء نحو 300 شخص قبل أيام من انهيار الجبل. وقد توفي شخص واحد.

وعندما وقع انهيار مماثل من الجليد والصخور في تشامولي في جبال الهيمالايا الهندية عام 2021، لم يكن هناك مثل هذا النظام. وأسفرت الكارثة عن مقتل 204 أشخاص، فيما خلصت دراسة استمرت خمس سنوات بوضوح إلى أن «حجم الخطر وحده لا يحدد نتائج الكارثة، بل الاستعداد هو ما يفعل ذلك».

وفي نيبال، عندما انهار النهر الجليدي في أغسطس الماضي، كان مستوى المراقبة المتوفر أقل حتى مما كان موجوداً في الهند. وهنا يكمن خط الانقسام الحقيقي.

فالدول الغنية التي تضم مناطق جليدية تستطيع تمويل محطات الرادار وشبكات الرصد الزلزالي وعقوداً من المراقبة المتواصلة، لكن نيبال لا تستطيع القيام بذلك بمفردها.

وتقدم حالة نيبال ربما أوضح حجة على الإطلاق لصالح تمويل المناخ: دولة لم تفعل تقريباً شيئاً للتسبب في هذا الخطر، لكنها تواصل تحمل تكلفة إعادة البناء بعده بمفردها. إنها ديون راكمتها انبعاثات الآخرين، لكن نيبال هي التي تدفع ثمنها.

وهناك ثلاثة إجراءات من شأنها تغيير هذا الواقع: تقديم المنح بدلاً من القروض التي تعمق أعباء الديون؛ إنشاء أنظمة مراقبة مصممة للتعامل مع المخاطر الفعلية وليس الاكتفاء بمقاييس الأنهار؛ واعتماد معايير لإعادة البناء تأخذ في الحسبان الكارثة المقبلة.

ستعيد نيبال بناء وادي بهوتي كوشي، تماماً كما أعادت البناء بعد كل كارثة سابقة.

لكن السؤال المفتوح هو ما إذا كانت ستتمكن هذه المرة من إعادة البناء وفق شروط تساعدها أخيراً على كسر هذه الحلقة، أم أن عملية إعادة الإعمار هذه أيضاً ستصبح ببساطة المشروع الذي ستأتي الصدمة التالية لتقطعه من جديد.

المصدر

مقالات ذات صلة