القائمة الرئيسية

لغز المطر الأصفر

لغز المطر الأصفر
ملخص المقال

بعد حرب فيتنام، شهدت مناطق في جنوب شرق آسيا ظاهرة "المطر الأصفر" الغامضة، التي اتهمت الولايات المتحدة عام 1981 الاتحاد السوفيتي بتصنيعها واستخدامها كسلاح كيميائي قاتل (سموم فطرية) ضد جماعة الهمونغ العرقية، التي دعمت القوات الأمريكية. لكن عالم الأحياء مات ميسلسون شكك في هذه الادعاءات، وكشفت تحليلاته عام 1983 أن المطر الأصفر ليس سوى فضلات نحل آسيوية عملاقة تحتوي على حبوب لقاح مجوفة، وأن الأمراض المبلغ عنها كانت بسبب سوء الصرف الصحي ونقص الغذاء. وقد أكدت أبحاث لاحقة قام بها علماء كنديون وماليزيون في عام 1989، أن النحل يتخلص من كميات كبيرة من فضلاته في الأيام الحارة لتقليل كتلته والحفاظ على برودة يرقاته، ما يفسر الظاهرة. ورغم أن الحكومة الأمريكية لم تتراجع قط عن اتهاماتها، فقد ترسخ قبول تفسير ميسلسون علميًا، حيث لم يثبت وجود أي صلة بين المطر الأصفر وأسلحة بيولوجية سوفيتية. ومع ذلك، لا تزال جماعة الهمونغ تعاني من تبعات الحرب والتشريد، في حين أن الجدل حول المطر الأصفر لم يسلط الضوء على محنتهم إلا بشكل عابر.

بعد حرب فيتنام، هطلت من السماء مادة صفراء غامضة في مناطق من جنوب شرق آسيا. فهل كانت سلاحًا كيميائيًا أم أن وراءها تفسيرًا أكثر غرابة؟

في أواخر سبعينيات القرن العشرين، وبعد انتهاء حرب فيتنام، بدأ كثير من الفيتناميين واللاوسيين يلاحظون هطول سائل أصفر لزج على فترات متقطعة من سماء تبدو صافية ومشمسة. وأفاد شهود عيان بأن هذه المادة الغريبة كانت تتسبب في موت النباتات وإصابة الناس بالأمراض.

وبدا أن إحدى الجماعات العرقية تضررت من هذه المادة على نحو خاص، وهي جماعة الهمونغ، التي قاتلت إلى جانب فرنسا ضد الشيوعيين في جنوب شرق آسيا منذ خمسينيات القرن العشرين، في المناطق الجبلية قليلة التنمية في شمال فيتنام ولاوس. وفي وقت لاحق، جندت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جنودًا من الهمونغ وحشدتهم للقتال، الأمر الذي جعلهم هدفًا للعنف الطائفي بعد مغادرة القوات الأمريكية المنطقة. وهاجمت الأنظمة الشيوعية التي تعززت سلطتها حديثًا من تبقى من أبناء الهمونغ، ما أجبرهم على الفرار إلى مخيمات اللاجئين في تايلاند، أو مواجهة معسكرات العمل وإعادة التأهيل الفكري في بلدانهم الأصلية.

وبعد تحقيق مطول، خلص محللون أمريكيون في عام 1981 إلى أن هذه المادة، التي أُطلق عليها اسم «المطر الأصفر»، كانت سلاحًا كيميائيًا مصنوعًا من سموم فطرية، وأن الاتحاد السوفيتي هو من صنعه. وأعلن وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، ألكسندر هيغ الابن، أن الاتحاد السوفيتي زود الفيت كونغ وباثيت لاو بهذا السلاح، وأنهما استخدماه ضد الهمونغ وغيرهم من الجماعات العرقية، إذ أسقطاه على قراهم وعلى أفرادهم أثناء فرارهم إلى مخيمات اللاجئين.

ولم تكن شكوك الهمونغ بشأن السائل الغامض الذي يتساقط من السماء بلا أساس تمامًا، فحماة الهمونغ الأمريكيون كانوا قد رشوا ملايين الفيتناميين بالمبيد العشبي الكيميائي المعروف باسم «العامل البرتقالي» بين عامي 1961 و1971. لكن لو كان الاتحاد السوفيتي يخزن بالفعل أسلحة كيميائية وبيولوجية ويوزعها، لكان ذلك انتهاكًا لمجموعة من القوانين والمعاهدات الدولية التي يعود تاريخها إلى قرن من الزمن. وقد نفى السوفييت هذه الاتهامات بشدة، وسرعان ما وجدوا حليفًا غير متوقع هو مات ميسلسون، عالم الأحياء في جامعة هارفارد.

شكك ميسلسون في الادعاءات التي قدمها هيغ، وتمكن في عام 1983 من الحصول على عينات من المطر الأصفر من مسؤولين أمريكيين لتحليلها. واكتشف أن المادة تحتوي على كميات كبيرة من حبوب اللقاح المجوفة، وهي حبوب لقاح تنتمي إلى نباتات محلية في جنوب شرق آسيا. وكان هذا الاكتشاف وحده كافيًا لإثارة الشكوك حول ادعاءات هيغ، إذ إن استخدام حبوب اللقاح لنشر السموم يُعد وسيلة شديدة الفعالية المحدودة، أي إنها غير فعالة للغاية في تشتيت السموم ونشرها. كما أدرك فريق ميسلسون أن نحل العسل الآسيوي العملاق يتغذى عادة على حبوب اللقاح هذه، ويهضم البروتين الموجود داخل حبوبها، لكنه لا يهضم غلافها الخارجي، وهو ما يفسر ظهورها مجوفة. وإضافة إلى ذلك، وجد الفريق أن تركيز السموم الفطرية في عينات الأوراق التي غطاها المطر الأصفر لم يكن أعلى بدرجة ملحوظة من تركيزها في النباتات الموجودة في مناطق أخرى من جنوب شرق آسيا.

ولو كانت الاتهامات التي وجهها المسؤولون الأمريكيون صحيحة، لكان الاتحاد السوفيتي يستورد أطنانًا من حبوب اللقاح المهضومة جزئيًا من جنوب شرق آسيا، ثم يعيد إرسال حبوب اللقاح نفسها إلى المنطقة لاستخدامها سلاحًا كيميائيًا يصعب نشره. واقترح ميسلسون تفسيرًا أبسط، وهو أن المطر الأصفر لم يكن سلاحًا على الإطلاق، بل كان فضلات نحل غير ضارة. أما المشكلات الصحية التي أُبلغ عنها، فكان سببها سوء الصرف الصحي ونقص الغذاء بين السكان الذين تعرضوا للقصف والمداهمات على أيدي الجنود الشيوعيين. وافترض ميسلسون أن الربط بين المطر الأصفر والمرض كان مزيجًا من المبالغة والخيال.

وبعد مراجعة الدراسة الأصلية التي أجراها المحققون الأمريكيون، وجد فريق ميسلسون تناقضات وثغرات في إفادات الأشخاص الذين شهدوا هطول المطر الأصفر. فقد كانت المادة تتساقط أحيانًا من السماء دون وجود أي طائرة في الأفق. وكان من الممكن تفسير معظم المشكلات الصحية بالإصابة بالزحار ونقص العناصر الغذائية في مخيمات اللاجئين. كما اتضح أن المحققين الذين أجروا المقابلات في البداية طرحوا أسئلة موجهة، وأسهموا دون وعي منهم في التأثير على إفادات الشهود والتلاعب بها.

وقد قوبلت نتائج ميسلسون في البداية بالتشكك من جانب علماء آخرين والحكومة الأمريكية. إذ كان إنتاج كمية من الفضلات تكفي للظهور على هيئة مطر يتطلب آلاف النحل. فلماذا يوجد هذا العدد الكبير من النحل في مواقع محددة على نحو دقيق؟ ولماذا تتزامن عملية إخراجه للفضلات في الوقت نفسه؟

وفي عام 1989، تعاون عالم أحياء كندي مع عالم ماليزي من أجل حل اللغز. وكان أكثر التفاصيل كشفًا عن طبيعة المطر الأصفر هو توقيت هطوله المعتاد، إذ كان يظهر في الأيام الحارة والمشمسة. وقاس العالمان الكتلة الجسدية لمئات النحل قبل مغادرتها خلاياها وبعد عودتها، واكتشفا أن الحشرات تفقد 20 في المئة من وزنها أثناء رحلة العودة. وكان النحل يغادر خلاياه عادة في أسراب ضخمة، ثم يتخلص من فضلاته ويعود إلى رعاية يرقاته. وأكد العالمان أن هذه الظاهرة تحدث بمعدل أكبر في الأيام الدافئة.

ولكن لماذا كان النحل يفرز كميات أكبر من الفضلات عندما يكون الطقس حارًا؟ تكمن الإجابة في أن يرقات نحل العسل الآسيوي حساسة لدرجات الحرارة المرتفعة، وقد تصاب بتشوهات إذا ارتفعت حرارتها أكثر من اللازم. لذلك، كان على النحل البالغ أن يقلل كتلته الجسدية حتى يتمكن من الحفاظ على برودة اليرقات داخل الخلية، لأن زيادة كتلة جسم النحلة تعني إنتاج مزيد من الحرارة. وقد أسهم هذا الاكتشاف، إلى جانب الأبحاث اللاحقة، في ترسيخ قبول تفسير ميسلسون على نطاق واسع، على الرغم من أن الحكومة الأمريكية لم تتراجع قط عن اتهاماتها الأصلية الموجهة إلى الاتحاد السوفيتي.

ولا تزال استنتاجات الغربيين بشأن المطر الأصفر موضوعًا حساسًا ومؤلمًا لدى جماعة الهمونغ. ومع ذلك، وعلى الرغم من الجهود الأحدث التي بذلها الصحفيون والعلماء للتحقيق في القضية، لم يثبت قط وجود أي صلة بين المطر الأصفر ومخطط سوفيتي لاستخدام الأسلحة البيولوجية.

وبوجه عام، لا يزال أبناء الهمونغ يعانون تبعات الحرب. فلم يُعَد توطين سوى نسبة صغيرة من الذين أُجبروا على النزوح في الولايات المتحدة. وبعد مرور أكثر من أربعين عامًا، لا يزال أبناء الهمونغ الذين بقوا في لاوس وفيتنام أو عادوا إليهما يواجهون في كثير من الأحيان نبذ جيرانهم، أو الاحتجاز واتهامهم بالتجسس لصالح الولايات المتحدة من جانب حكومات بلدانهم. وانتهى المطاف بكثير من اللاجئين في تايلاند، حيث يتزايد ترحيلهم في الوقت الراهن. وفي عام 2009، أغلقت الحكومة التايلاندية برنامجها للاجئين القادمين من لاوس، وأعادت آلافًا من أبناء الهمونغ الذين يعيشون اليوم في حالة من التعليق وعدم اليقين؛ فهم يخشون العودة إلى وطنهم، لكنهم لا يُسمح لهم بالعيش في أي مكان آخر.

أما الجانب الإيجابي الضئيل في الجدل الدائر حول المطر الأصفر، فهو أن ظهور أي نظرية جديدة يعيد تسليط الضوء على المحنة التي يعيشها أبناء الهمونغ. ومع ذلك، وفي ظل المناخ السياسي الراهن في الولايات المتحدة، يبدو من غير المرجح أن تبادر الدولة التي تسببت في كثير من مشكلاتهم إلى التحرك لمساعدتهم الآن.

المصدر

مقالات ذات صلة