القائمة الرئيسية

هاري غولد: جاسوس في المختبر

هاري غولد: جاسوس في المختبر
ملخص المقال

هاري غولد، كيميائي من فيلادلفيا، دفعته الظروف الاقتصادية الصعبة في فترة الكساد الكبير، إلى التجسس لصالح الاتحاد السوفيتي، معتقدًا أنه يخدم قضية عادلة. بدأ بسرقة أسرار صناعية، ثم بعد غزو ألمانيا النازية للاتحاد السوفيتي، تحول إلى التجسس الذري، ليصبح حلقة وصل رئيسية في شبكة التجسس السوفيتية. استلم غولد مخططات القنبلة الذرية الحساسة من الفيزيائي كلاوس فوكس ضمن مشروع مانهاتن، وفي إحدى مهامه، أُجبر على مقابلة ديفيد غرينغلاس، مما ورطه لاحقًا في قضية روزنبرغ الشهيرة. بعد 15 عامًا من التجسس المجهد والهرب المستمر، كُشفت هويته إثر اعتقال فوكس عام 1950، واعترف غولد بكل شيء بعدما عثر مكتب التحقيقات الفيدرالي على دليل دامغ، مما أدت شهادته إلى إدانة العديد من الجواسيس بمن فيهم آل روزنبرغ. قضى غولد 16 عامًا في السجن، حيث عاد لمزاولة شغفه بالكيمياء وأجرى أبحاثًا طبية قيمة، ليقضي بقية حياته بعد الإفراج عنه كعالم محترم، على الرغم من أنه اشتهر كجاسوس، إلا أن شغفه الحقيقي وانتمائه الأساسي كان للكيمياء.

كيف انتهى المطاف بكيميائي من فيلادلفيا إلى العمل جاسوسًا للاتحاد السوفيتي؟

حين توقفت سيارة بويك زرقاء متهالكة أمام كنيسة في سانتا فيه، ترجل منها رجل قصير وممتلئ الجسم لاستقبال شخص آخر. صعد الرجل إلى مقعد الراكب، وانطلقت السيارة تشق طريقها إلى أطراف المدينة، ثم أخذت تصعد نحو الجبال.

كانت ليلة دافئة من ليالي سبتمبر عام 1945. جلس الرجلان داخل السيارة يتحدثان كصديقين قديمين، بينما كانا يتأملان أضواء المدينة الممتدة تحتهما. وبعد فترة، ومع انحسار حرارة الصحراء، عادا إلى سانتا فيه. وقبيل افتراقهما، ناول السائق النحيل الذي يرتدي نظارة راكبه طردًا. تصافح الرجلان بحرارة، ورغم الوعود التي تبادلاها بالزيارة، كان كل منهما يعلم على الأرجح أنه لن يرى الآخر مجددًا.

بعد أن ابتعدت السيارة محدثة ضجيجًا متقطعًا، توجه الرجل الممتلئ الجسم بخطوات متثاقلة إلى محطة الحافلات. جلس على مقعد وهو يقبض على الطرد بإحكام، وحاول قراءة كتاب «آمال عظيمة» لتشارلز ديكنز، لكنه لم يستطع التركيز. ظل ينهض بين الحين والآخر ويتفحص الحشود بقلق، خشية أن يكون أحدهم يتعقبه. بدا متوترًا، بل مصابًا بجنون الارتياب، وكان لديه سبب وجيه لذلك: فقد كان جاسوسًا سوفيتيًا، وكان الطرد الذي يحمله يتضمن مخططات تصميم قنبلة ذرية.

بعد رحلة بالحافلة إلى ألباكركي، استقل طائرة إلى كانساس سيتي، ثم قطارًا إلى شيكاغو. كان القطار مكتظًا إلى درجة اضطر معها إلى الجلوس على حقيبته، لكنه ظل يقبض على الأوراق بإحكام ولم يتذمر. وبعد تأخيرات عدة، وصل أخيرًا إلى نيويورك، ولكن بعد فوات موعد لقائه مع جهة الاتصال السوفيتية. ولم يكن موعد اللقاء البديل مقررًا إلا بعد أسبوعين، ما يعني أسبوعين إضافيين من حمل الطرد معه، وأسبوعين آخرين من القلق والارتياب. طوال أربعة عشر يومًا، لم يُبعد الطرد عن ناظريه لحظة، حتى إنه اصطحبه معه أثناء التسوق لشراء البقالة. وفي الواقع، لم يكن هناك سوى مكان واحد شعر فيه بالأمان خلال تلك الفترة، وهو مختبر الكيمياء الذي يعمل فيه.

ما إن بدأ تجاربه حتى خف عنه قليلًا الضغط الناجم عن التجسس الذري. كان يستطيع أن ينسى العالم من حوله بين البواتق وأنابيب الاختبار، وأن يتخلى قليلًا عن حذره الدائم. وحين سلّم المخططات أخيرًا، عاد إلى الانغماس في عمله المختبري كي يطرد القضية من ذهنه. فبعض الناس يلجؤون إلى الشراب لنسيان متاعبهم، أما هاري غولد فكان يلجأ إلى الكيمياء.

يُعرف غولد اليوم في المقام الأول بوصفه جاسوسًا وواشيًا. فقد تسلّم وثائق سرية للغاية من كلاوس فوكس، عالم الفيزياء العامل في مشروع مانهاتن، ثم نقلها إلى العملاء السوفييت. وحين تمكن مكتب التحقيقات الفيدرالي أخيرًا من القبض على غولد، أسهمت شهادته في إدانة جوليوس وإثيل روزنبرغ والحكم عليهما بالإعدام على الكرسي الكهربائي. لكن لو سأل أحد غولد عن المهنة التي يعرّف بها نفسه، لكان جوابه بسيطًا: كان كيميائيًا.

 

كان اجتماع معاداة السامية والضائقة الاقتصادية هو ما دفع غولد في البداية إلى عالم التجسس. فقد نشأ في حي قاسٍ بجنوب فيلادلفيا، حيث عانت أسرته التمييز بسبب كون أفرادها من اليهود والمهاجرين. وكانت العصابات تقذف نوافذ المنازل بالطوب، وتعتدي بالضرب على الفتى القصير النحيل المحب للكتب في طريق عودته من المكتبة.

أما والده سامسون، الذي كان يعمل نجارًا في مصنع لأجهزة الفونوغراف، فقد عانى ظروفًا أسوأ. كان مديره يكره اليهود، وقد زمجر في وجهه ذات مرة قائلًا: «أيها الوغد ابن الوغد، سأجعلك تترك العمل». ثم أبقى جميع العمال على خط التجميع باستثناء سامسون، وأجبره على صنفرة جميع الخزائن الخشبية بنفسه. واضطر سامسون إلى العمل بوتيرة محمومة، وكان غولد يتذكر عودته إلى المنزل كل ليلة وأطراف أصابعه تنزف. ومع ذلك، كان غولد الشاب معجبًا بوالده، لأنه لم يتذمر قط ولم يستسلم.

بعض الناس يلجؤون إلى الشراب لنسيان متاعبهم، أما هاري غولد فكان يلجأ إلى الكيمياء.

لكن سامسون سُرّح من عمله عام 1931، الأمر الذي وضع غولد في موقف بالغ الصعوبة. فقد عمل خلال سنوات مراهقته في مصنع بن للسكر المحلي، وبدأ بغسل أوعية البصق والأواني الزجاجية، ثم ترقى تدريجيًا حتى أصبح مساعدًا في المختبر. أحب العمل إلى حد دفعه إلى الالتحاق بدروس تمهيدية للحصول على شهادة في الكيمياء. لكن عندما فقد والده وظيفته، اضطر غولد إلى ترك الدراسة ليصبح المعيل الوحيد للأسرة. ولسوء الحظ، استمر الكساد الكبير في التفاقم، وحين استغنى مصنع بن للسكر عن غولد في ديسمبر 1932، واجهت الأسرة احتمالًا حقيقيًا بفقدان منزلها.

وبعد عدة أشهر من اليأس، تمكن صديقه توم بلاك من إيجاد وظيفة له في مصنع للصابون بولاية نيوجيرسي، بأجر قدره 30 دولارًا أسبوعيًا، وهو راتب جيد في ذلك الوقت. شعر غولد بامتنان بالغ، لكن الأمر كان مشروطًا بشيء واحد. فقد كان بلاك شيوعيًا متحمسًا، وأصر على أن يرافقه غولد إلى الاجتماعات.

ورغم ميول غولد السياسية اليسارية، فإن الشيوعيين الذين التقاهم أثاروا اشمئزازه. فقد وصفهم بأنهم «بوهيميون بغيضون يثرثرون عن الحب الحر... وعاطلون كسالى لن يعملوا تحت أي نظام اقتصادي... ومتشدقون يستخدمون كلمات طويلة متعددة المقاطع». وبعد بضعة أشهر، عندما أعاد مصنع بن للسكر توظيف غولد، ترك نيوجيرسي وراءه ورفض حضور أي اجتماعات أخرى.

لكن بلاك لم يتوقف عن ملاحقة غولد، وظل يلح عليه للانضمام إلى الحزب الشيوعي. وأوضح له أن الاتحاد السوفيتي يحتاج إلى تطوير قاعدته الصناعية وتحسين مستويات معيشة شعبه، لكن الشركات الأمريكية كانت شحيحة في منح تراخيص استخدام التكنولوجيا. ثم طرح عليه سؤالًا: هل يستطيع غولد سرقة بعض الأسرار التجارية؟

تردد غولد. فقد كان مصنع بن للسكر قد أحسن معاملته، ولم تكن شركات كثيرة لتسمح لشخص بدأ بغسل أوعية البصق بأن يصبح كيميائيًا مساعدًا. كما كانت للشركة فروع في قطاعات صناعية متعددة، ما يعني أنه يستطيع العمل في أي مجال تقريبًا يستهويه. لكن مناشدة بلاك للمساعدة أثرت فيه. فقد استهوته فكرة إنقاذ الجماهير السوفيتية الجائعة والمعدمة، وهم أناس يشبهون أسرته. وكان العملاء السوفييت يستندون كثيرًا إلى المثالية العلمية لدى أشخاص مثل غولد، إذ كانوا يصورون نقل الأسرار التجارية على أنه مجرد تجميع للمعلومات وتبادل لها، وهو أمر بالغ الأهمية للتقدم العلمي.

لكن الدافع الذي أثر في غولد أكثر من غيره كان مقاومة معاداة السامية. فقد خلص إلى أن الاتحاد السوفيتي حظر التمييز ضد اليهود، وأنه الدولة الوحيدة على وجه الأرض التي يتمتع فيها اليهود بالمساواة الحقيقية. وبالطبع، لم يكن ذلك صحيحًا في الواقع، إذ لم يكن الاتحاد السوفيتي أقل عرضة لمعاداة السامية من غيره. لكن غولد كان يؤمن بخلاف ذلك. فقد ظل يتذكر أطراف أصابع والده النازفة والعصابات التي كانت تحطم النوافذ في جنوب فيلادلفيا، وكان يتوق إلى القيام بشيء «على نطاق أوسع وأكثر فاعلية بكثير من... لكم شخص معادٍ للسامية في وجهه». ورأى في دعم التجربة السوفيتية الكبرى فرصته للرد على ما تعرض له. وكما قال متذمرًا في وقت لاحق، فإن الشيوعيين «تلاعبوا بي بذكاء شديد».

وهكذا بدأ غولد التجسس. كان يفتش خزائن الملفات في العمل ويهرّب الوثائق إلى الخارج، في البداية على فترات متباعدة، ثم بوتيرة متزايدة مع مرور الأشهر. وبعد انتهاء الدوام، كان يقضي ساعات طويلة، وأحيانًا ليالي كاملة، في نسخ الوثائق سطرًا بسطر. وأخذ من فروع الشركة المختلفة أوراقًا تتعلق بالطلاءات والورنيشات والمذيبات والمنظفات والكحول. لم يكن ينوي قط أخذ هذا القدر من الوثائق، لكنه كان شديد الدقة في عمله، سواء أكان مشروعًا أم غير مشروع. وكلما طلب بلاك تقريرًا جديدًا، كان غولد يفكر في الشعب السوفيتي الفقير، ذلك الشعب الذي يحب العلم ويكره معاداة السامية، ثم يشحذ عزيمته لسرقة المزيد. وقد تذكر لاحقًا أنه «نهبهم بصورة شبه كاملة».

في البداية، كان غولد يسلّم النسخ إلى بلاك فحسب. لكنه بدأ في نهاية المطاف بنقلها بنفسه إلى نيويورك، وهي مهمة بدت مثيرة في أول الأمر، قبل أن تتحول إلى عبء يمقته. فكثيرًا ما كانت اللقاءات السرية تتطلب رحلة ليلية بالقطار، تليها ساعات من التجول في المدينة للتخلص من أي شخص قد يتعقبه. فمثلًا، ربما كان يشاهد نصف فيلم قبل أن يخرج خلسة من باب جانبي. ثم قد يضطر إلى انتظار العملاء السوفييت تحت الثلج أو المطر. وقد وصف هذه الرحلات إجمالًا بأنها «أعمال رتيبة وكئيبة ومملة»، كما كان يشعر بالضيق من اضطراره إلى خداع أسرته، قائلًا: «في كل مرة كنت أذهب فيها في مهمة... لا بد أنني كنت أكذب على خمسة أو ستة أشخاص على الأقل». ومع ذلك، كان غولد خاضعًا بطبيعته، فواصل القيام برحلاته واحدة تلو الأخرى.

ومع مرور كل عام، ازدادت الأمور فوضوية وإرهاقًا، حتى أوشك غولد على الانهيار، إذ كان يعمل غالبًا ما بين 18 و20 ساعة يوميًا. وإلى جانب عمله بدوام كامل، كان يحضر دروسًا مسائية في جامعة دريكسل، ولا يزال يسعى إلى الحصول على شهادة الكيمياء. وفي بعض الأسابيع، لم يكن ينام إلا قليلًا، فيما ارتفع وزنه حتى بلغ 185 رطلًا.

لكن غولد، مهما بلغ به الإنهاك، كان يجد دائمًا وقتًا للعمل في المختبر. وكان أحد مشروعاته البحثية المفضلة يتعلق بالانتشار الحراري، وهي طريقة تعتمد على فرض تدرج في درجات الحرارة لفصل مكونات خليط ما. وكان هدفه تحديدًا عزل ثاني أكسيد الكربون من غازات العادم الناتجة عن النفايات، بغرض إنتاج الثلج الجاف.

وصف غولد نفسه بأنه كيميائي منهجي، يحقق تقدمه بالمثابرة والتدرج، لا بعبقرية خاطفة تظهر في لحظة واحدة. وكان يقول إنه يرتكب «كل خطأ ممكن في الكتاب، إلى أن لا يبقى، عبر عملية استبعاد مملة، سوى الجواب الصحيح». وفي أحد الأيام، أسقط حاملًا يحتوي على 22 بوتقة، وشاهد حصيلة أسبوع كامل من العمل تتناثر على الأرض. وتذكر قائلًا: «لم أجلس وأبكِ، ولم أخرج لأثمل، على الرغم من شدة رغبتي في ذلك». بل عمل يومين وليلتين متواصلتين لإعادة التجربة من البداية.

كان غولد على وشك التخلي عن التجسس عندما فاجأه السوفييت عام 1938. فقد ظل يتوق إلى إكمال دراسته، وعرض عليه المسؤول عن توجيهه فجأة دفع الرسوم الدراسية في جامعة كزافييه بمدينة سينسيناتي. لم تكن هذه لفتة خالية من المصالح، إذ كان السوفييت يعملون على تطوير جاسوس في منشأة للطيران بالقرب من سينسيناتي، وكانوا يريدون وجود غولد في المنطقة لنقل الوثائق. لكن غولد لم يكترث لذلك، فقد استمتع بكل لحظة من حياته الجامعية، وقضى ساعات طويلة في المختبر، وشجع بحماس شديد فريقي كرة السلة وكرة القدم المعروفين باسم «الفرسان». وظل في جامعة كزافييه حتى عام 1940، ووصف لاحقًا الفترة التي قضاها هناك بأنها من أسعد سنوات حياته.

انتهت تلك الحياة المثالية عندما عاد إلى فيلادلفيا، حيث استأنف غولد التجسس بانتظام، على الرغم من آماله في التخلص من ارتباطه بالسوفييت. وليس واضحًا تمامًا سبب عودته إلى ذلك العمل. فربما كان يستمتع بالرفقة والشعور بوجود هدف في حياته، لأنه كان رجلًا وحيدًا بطبعه. وربما شعر أيضًا بأنه مدين للسوفييت لأنهم دفعوا جزءًا من نفقات تعليمه. وفوق ذلك، سرعان ما دفعته الأحداث العالمية إلى مواصلة جمع المعلومات. فبعد أن غزت ألمانيا النازية الاتحاد السوفيتي عام 1941، أصبح السوفييت في حاجة ماسة إلى المساعدة الدفاعية، بما في ذلك الخبرات التقنية. وكان غولد يكره الرايخ الثالث الذي ارتكب المجازر، فاستسلم لفكرة مواصلة التجسس لمساعدة الاتحاد السوفيتي على البقاء.

لكن الملل والشعور بالذنب ظلا على شدتهما السابقة. وفي خريف عام 1942، بينما كان غولد ينتظر قطارًا آخر متأخرًا في نيويورك خلال ساعات الليل، قرر أخيرًا قطع علاقته بالتجسس. وربما كان سيفعل ذلك فعلًا، لولا أن رجلًا مخمورًا في المحطة بدأ يضايقه. كان غولد في الحادية والثلاثين من عمره، أي في سن التجنيد، لكن الجيش رفض قبوله بسبب ارتفاع ضغط دمه، وسرعان ما فعلت البحرية الشيء نفسه. لذلك، عندما وصفه الرجل المخمور بأنه «جبان يتهرب من التجنيد» و«يهودي لعين»، اشتعل غضب غولد.

وقال غولد لاحقًا: «كنت سأحطمه، وبقوة، لكنني امتنعت عن ذلك لأنني لم أكن أستطيع تحمل التورط في شجار بنيويورك، حيث لم يكن لدي أي مبرر لوجودي أصلًا. لذلك اكتفيت بالابتعاد. لكنني حين ابتعدت، تلاشى معي قراري بترك التجسس. وبدا من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن... أعمل بأقصى ما يمكن من النشاط لتعزيز قوة الاتحاد السوفيتي، لأن مثل هذه الحوادث لا يمكن أن تقع هناك. لقد بدا لي أن محاربة معاداة السامية هنا [في الولايات المتحدة] أمر ميؤوس منه».

بعد أن حسم أمره، واصل غولد التجسس، وإن أدخل بعض التغييرات على عمله. فقد ابتعد عن التجسس الصناعي واتجه إلى مهام عسكرية أكثر. كما تولى أدوارًا جديدة، إذ أصبح يتسلم الوثائق، بل وحتى عينات من المتفجرات، من علماء يعملون في مختبرات الأبحاث الدفاعية، ويجري مقابلات مع هؤلاء المتصلين به لإعداد التقارير عنهم.

كان التعامل مع المصادر البشرية عملًا دقيقًا يتطلب معرفة تقنية ومهارة في فهم النفس البشرية. لكن غولد أجاد هذا العمل. فقد كان جاسوسًا يمكن وصفه، وفق التعبير الذي ربما استخدمه السوفييت، بأنه «رياضي منضبط»، أي شخصًا هادئًا يمكن الاعتماد عليه. لذلك، عندما نُقل أبرز العلماء العاملين في شبكة التجسس السوفيتية من إنجلترا إلى نيويورك في أواخر عام 1943، كان غولد الخيار الواضح لتولي التعامل معه.

 

في الخامس من فبراير عام 1944، وقبيل الساعة الرابعة عصرًا بقليل، بدأ رجلان يقتربان من قطعة أرض خالية بالقرب من ملعب للأطفال في الجانب الشرقي من مانهاتن. كان أحدهما نحيلًا وأنيق المظهر، يرتدي ملابس من قماش التويد ونظارة، ويحمل كتابًا أخضر وكرة تنس رغم برد الشتاء.

وعندما رأى رجل قصير ممتلئ الخدين الكرة والكتاب، اقترب منه متظاهرًا بالعفوية. كان يرتدي زوجًا من القفازات الجلدية المصنوعة من الشامواه، ويحمل زوجًا آخر في يده، ثم سأله عن الاتجاهات المؤدية إلى الحي الصيني.

أجابه الرجل النحيل: «يغلق الحي الصيني أبوابه عند الساعة الخامسة»، وبذلك أتم إشارة التعارف المتفق عليها. وانطلق كلاوس فوكس وهاري غولد في السير معًا.

عرّف غولد نفسه باسم «ريموند»، وبعد مسافة قصيرة استوقف سيارة أجرة. لكنه سرعان ما أمر السائق بالتوقف، ثم اصطحب فوكس بسرعة إلى مترو الأنفاق للتخلص من أي شخص قد يتعقبهما. وربما أراه هناك أيضًا إحدى حيله المفضلة للمراوغة، وهي القفز خارج عربة القطار قبل أن تُغلق الأبواب مباشرة.

وفي نهاية الطريق الملتوي الذي سلكاه، وصلا إلى مطعم لشرائح اللحم في الجادة الثالثة. كان غولد فخورًا بأساليبه في التمويه، لكن فوكس عدّها تصرفات طفولية. كما وبخه بسبب عادته في تحريك رأسه باستمرار والتلفت حوله أثناء السير بحثًا عن أي شخص يتعقبهما. وأوضح له أن هذا السلوك لا يؤدي إلا إلى لفت الانتباه.

وبعد أن وضع فوكس القواعد بوضوح، بدأ الحديث عن المهمة. فعلى الرغم من أنه وُلد في ألمانيا، فإنه أُجبر على مغادرة ألمانيا النازية بسبب نشاطه الشيوعي، وانتقل إلى إنجلترا للعمل في مجال الفيزياء النووية. وكان قد انتقل مؤخرًا إلى نيويورك للعمل في مشروع مانهاتن، وشرح لغولد أن المشروع يقترب تدريجيًا من إنتاج قنبلة ذات قوة غير مسبوقة.

كان جاسوسًا يمكن وصفه، وفق التعبير الذي ربما استخدمه السوفييت، بأنه «رياضي منضبط»، أي شخصًا هادئًا يمكن الاعتماد عليه.

بعد هذا اللقاء الأول، عُقدت لقاءات أخرى عدة خلال الأشهر التالية، في بروكلين وبرونكس وكوينز، وفي دور السينما والحانات والمتاحف. وكان فوكس يناول غولد بين الحين والآخر مظروفًا سميكًا، يحتوي على صفحات مليئة بالرسوم التخطيطية والاشتقاقات الرياضية المكتوبة بخط صغير ومنظم. وكانت جميعها تتعلق بأعمال سرية للغاية تخص القنبلة.

كان العالمان يتبادلان الأحاديث أحيانًا، وإن كان كل منهما يتذكر تلك المحادثات بطريقة مختلفة. فقد تذكر فوكس علاقة مهنية بحتة، اتسمت بالمحادثات المقتضبة والانضباط الصارم. أما غولد فتذكر صداقة ناشئة. وبين الأحاديث المتعلقة بالتجسس، كانا يتحدثان عن الشطرنج والموسيقى الكلاسيكية، كما تحدث فوكس عن أسرته، بما في ذلك أخته التي كانت تعيش في ماساتشوستس.

وفي المقابل، أخبر غولد فوكس عن طفليه التوأمين وزوجته ذات الشعر الأحمر، التي كانت تعمل عارضة أزياء لصالح أحد المتاجر الكبرى. لكن كل ذلك كان محض اختلاق، فقد كان خيالًا نسجه رجل وحيد.

حاول غولد أيضًا إبهار فوكس بمعرفته العلمية، لكن المحاولة لم تسر على ما يرام. ففي أحد اللقاءات، اعترف فوكس بأن فريقه يواجه صعوبة في فصل نظائر اليورانيوم، وهي الخطوة الأولى في بناء قلب القنبلة. فسارع غولد إلى اقتراح استخدام الانتشار الحراري، وهي العملية التي كان يجربها في عمله. لكن فوكس رفض الفكرة باعتبارها ساذجة وغير احترافية، وهو ما جرح مشاعر غولد. ولم يكن فوكس يعلم أن مشروع مانهاتن كان قد افتتح بالفعل للتو منشأة للانتشار الحراري، وأن القنبلة الذرية المعتمدة على اليورانيوم التي استُخدمت عام 1945 ما كانت لتوجد لولاها.

في يوليو 1944، كان من المقرر أن يعقد الرجلان لقاءهما الثامن بالقرب من متحف بروكلين، لكن فوكس لم يحضر. أثار ذلك قلق غولد، لأن فوكس كان شديد الالتزام بالمواعيد دائمًا، غير أنهما كانا قد اتفقا على موعد بديل بعد بضعة أيام بالقرب من سنترال بارك. لذلك غادر غولد المكان.

لكن فوكس غاب عن اللقاء التالي أيضًا. وأخذ غولد يتخيل احتمال تعرضه للسرقة أو الاعتداء، ثم عاد إلى فيلادلفيا وهو في حالة من الاضطراب الشديد. فقد اختفى فجأة جاسوس لا يُقدّر بثمن، ورجل كان غولد يعده صديقًا مقربًا.

لم يكن هناك ما يدعو إلى القلق. فقد كان فوكس بخير، بل كان في وضع أفضل من أي وقت مضى. فبفضل مزيج من الحظ والتراخي الأمني، تمكن هذا الجاسوس السوفيتي البارز للتو من الحصول على دعوة إلى أكثر المواقع سرية في مشروع مانهاتن، وهو مختبر الأسلحة في لوس ألاموس.

 

لم يكن غولد ولا السوفييت يعرفون مكان فوكس، لكن غولد تمكن أخيرًا، بعد أشهر من البحث، من العثور على صديقه عبر أخته التي كانت تعيش في ماساتشوستس. واتفق الجاسوسان على اللقاء في سانتا فيه يوم السبت الثاني من يونيو عام 1945.

وقبل الرحلة بقليل، التقى غولد بمسؤوله السوفيتي في أحد الحانات للاتفاق على التفاصيل. وأمره المسؤول باتباع مسار ملتف بالقطار والحافلة، مع التوقف في كاليفورنيا وكولورادو وتكساس، لتجنب احتمال مراقبته. لكن غولد قرر هذه المرة الدفاع عن موقفه. فقد كان قد اقترض بالفعل 500 دولار من مصنع بن للسكر لتمويل رحلته إلى نيو مكسيكو، ولم يكن يستطيع تحمل مزيد من الغياب عن العمل. وأصر على السفر مباشرة.

لكن إذا كان غولد قد انتصر في ذلك الخلاف، فإنه كان سيخسر خلافًا آخر في اليوم نفسه، وكان أكثر أهمية. فبعد الانتهاء من ترتيبات لقاء فوكس، أخبره المسؤول بأمر مفاجئ: كان للسوفييت جاسوس آخر داخل لوس ألاموس. وكان من المقرر أن يكون هذا الجاسوس في ألباكركي، على مسافة غير بعيدة من سانتا فيه، خلال زيارة غولد، ولذلك كان عليه أن يذهب إلى هناك في رحلة جانبية لاستلام أوراق إضافية.

في أي عمل عادي، ربما بدا هذا الطلب معقولًا. أما في عالم التجسس، فكان أمرًا مرفوضًا تمامًا، لأنه ينطوي على مخاطر أمنية جسيمة لجميع الأطراف. لذلك، وقد استعاد غولد شيئًا من ثقته بنفسه، دافع عن موقفه مرة أخرى. وتذكر لاحقًا قائلًا: «وقفت على قدميّ، وكدت أرفض الأمر رفضًا قاطعًا».

لكن مسؤوله وضع حدًا لاعتراضه هذه المرة، وقال له غاضبًا: «لقد كنت أقودكم أيها الحمقى في كل خطوة! أنتم لا تدركون مدى أهمية هذه المهمة في ألباكركي».

ومع استمرار التوبيخ، تراجع غولد وخضع للأوامر كعادته. وفي النهاية، أعطاه المسؤول عنوانًا في ألباكركي واسم عائلة هو غرينغلاس. ثم ناوله نصف غطاء علبة جيلو، كان قد قُطع على هيئة قطعة من أحجية. وقال له إن الرجل الذي يبحث عنه هو غرينغلاس، وإنه سيتمكن من التعرف إليه لأن لديه النصف الآخر من الغطاء.

 

وصلت حافلة غولد إلى سانتا فيه يوم السبت الثاني من يونيو، في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر. وكان أمامه تسعون دقيقة قبل موعد اللقاء، فحصل على خريطة من متحف محلي، ثم تجول بمحاذاة النهر القريب. واعتقد أن النهر يبدو مثيرًا للشفقة، إذ كان أصغر من معظم الجداول الموجودة بالقرب من منزله.

وصل فوكس متأخرًا بسيارته البويك التي كانت تصدر أصواتًا متقطعة. وانطلق الرجلان إلى طريق مهجور، ثم ترجلا وسارا معًا مسافة قصيرة. تحدث فوكس عن عمله على القنبلة الجديدة المعتمدة على البلوتونيوم، لكنه طمأن غولد، على نحو خاطئ، إلى أن الحرب ستنتهي قبل أن تصبح القنبلة جاهزة للاستخدام ضد اليابانيين. ثم سلّم غولد طردًا وافترق الاثنان. وبوجه عام، كان اللقاء ناجحًا.

لكن اللقاء الثاني كان مختلفًا. استقل غولد حافلة إلى ألباكركي، ووصل نحو الساعة الثامنة مساءً، ثم توجه مباشرة إلى العنوان المكتوب على الورقة الرقيقة الشفافة، وهو 209 شارع هاي. كان يشعر بالتوتر لأنه يحمل وثائق من فوكس، ويريد مغادرة المدينة في أسرع وقت ممكن. لكن ديفيد غرينغلاس لم يكن في المنزل.

واجه غولد صعوبة في العثور على مكان للمبيت في مدينة مكتظة خلال عطلة نهاية الأسبوع بالجنود والعاملين في المنشآت العسكرية القريبة. ومن المفارقات أن شرطيًا هو من وجّه الجاسوس الذري إلى نُزل خاص للإقامة. وبعد ليلة بائسة قضاها على سرير بسيط في ممر، عاد غولد إلى منزل غرينغلاس في صباح اليوم التالي وصعد الدرج الضيق بخطوات متثاقلة. طرق الباب الموجود في أعلى الدرج، وعندما فُتح، كاد يسقط إلى الخلف من شدة الصدمة. كان الرجل الذي فتح الباب يرتدي سروالًا عسكريًا. ولم يكن غولد يعلم إطلاقًا أن أفرادًا من الجيش الأمريكي قد أُقحموا في هذه العملية.

تماسك غولد وسأل الرجل إن كان غرينغلاس. فأجابه بالإيجاب.

قال غولد: «أتيت من طرف جوليوس».

فقال غرينغلاس: «آه»، ثم استدار ليحضر غطاء علبة جيلو من حقيبة زوجته. أخرج غولد النصف الذي يحمله، فتطابق النصفان. ثم سأله إن كانت لديه أي مواد جاهزة للتسليم. فأجاب غرينغلاس بأنه لم يجهز شيئًا بعد، وأنه لم يجد وقتًا للقيام بذلك، وطلب منه العودة بعد ظهر اليوم نفسه.

تذمر غولد، ثم ذهب لتناول الإفطار وانتظر. وعندما عاد، خرج هو وغرينغلاس في نزهة تحت شمس الصيف، وخلالها سلّمه غرينغلاس الوثائق. وتضمنت الحزمة رسومًا تخطيطية للعدسات المتفجرة عالية القوة، وهي أحد أهم العناصر في تصميم القنبلة المعتمدة على البلوتونيوم.

استقل غولد قطارًا في ذلك المساء، وقضى اليومين التاليين في رحلة طويلة بالقطار نحو الشرق، شاعرًا بالارتياح لأنه تمكن من المغادرة. لكن رحلته الجانبية إلى ألباكركي ستكلفه غاليًا. فقد اتضح أن ديفيد غرينغلاس لديه أخت تعيش في نيويورك تُدعى إثيل، وكانت متزوجة من رجل اسمه جوليوس روزنبرغ.

 

زار غولد سانتا فيه مرة أخرى في سبتمبر. كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت، لكن السوفييت كانوا يستعدون لخوض الحرب الباردة. وسلّم فوكس إلى غولد حزمة أخيرة قبل عودته إلى إنجلترا. وكانت تتضمن بيانات عن قنبلتي هيروشيما وناغازاكي، إلى جانب تفاصيل تقنية تتعلق بصناعة القنابل.

كانت تلك هي الرحلة التي أخفق فيها غولد في لقاء جهة اتصاله في نيويورك، واضطر إلى قضاء أسبوعين وهو يحمل الوثائق معه. وقد أنهكته تلك الفترة، ونظرًا إلى تكاليف الرحلات إلى نيو مكسيكو وما تسببه من ضغط إضافي، قرر مرة أخرى أنه لن يواصل التجسس.

لكن التجسس لم يكن قد انتهى منه بعد. ففي عام 1946، استغنى مصنع بن للسكر عن خدمات غولد مرة أخرى. فتقدم بطلب إلى جهاز الاستخبارات السوفيتي، المعروف باسم كي جي بي، للحصول على تمويل لإنشاء مختبر للانتشار الحراري. وعندما رفض الجهاز طلبه، عمل غولد لدى كيميائي آخر في نيويورك يُدعى آبي بروثمان، كان شيوعيًا وجاسوسًا سوفيتيًا مثله.

وكان ذلك خطأ فادحًا. فقد حذره المسؤولون عنه من أن مكتب التحقيقات الفيدرالي يراقب بروثمان، لكن غولد إما نسي هذه المعلومة أو تجاهلها. ولم يطل الأمر حتى وقع بروثمان في مشكلات مع المكتب، وورط غولد في قضية التجسس. واستُدعي الرجلان للإدلاء بشهادتيهما أمام هيئة محلفين كبرى في يوليو 1947.

كان بروثمان المنهك يهدد سرًا بالاعتراف بدوره في شبكة التجسس السوفيتية، لكنه تماسك عندما وقف أمام هيئة المحلفين وأنكر كل شيء. وبعد تسعة أيام، جاء دور غولد للإدلاء بشهادته. وفي الليلة السابقة، مر غولد على شقة بروثمان، وانطلق الاثنان في جولة بالسيارة. أراد غولد مناقشة شهادته، لكن في كل مرة كان يثير فيها الموضوع، يبدأ بروثمان بالصراخ عن الموت الوشيك للرأسمالية. وأمام هذا التصرف، توقف غولد لتناول بعض البطيخ مع بروثمان، ثم استسلم أخيرًا عند الساعة الرابعة صباحًا.

لم يكن هناك ما يدعو إلى القلق. فقد أثبت غولد أنه لا يقل مهارة عن بروثمان في الكذب تحت القسم، إذ قدم نفسه على أنه كيميائي مرتبك كثير النسيان. ورغم أن مكتب التحقيقات الفيدرالي لم يصدق أيًا من الرجلين، فإنه لم يتمكن من العثور على ثغرات في روايتيهما، فخرج الاثنان دون إدانة.

ومع ذلك، أصبح لدى المكتب بفضل بروثمان ملف عن غولد. وكان عملاء المكتب في إنجلترا على وشك الإيقاع بجاسوس يملك أدلة أكثر بكثير تدينه، وهو كلاوس فوكس نفسه.

 

كان بروثمان يدفع لغولد على نحو متقطع، إن كان يدفع له أصلًا. وقال غولد عن تجربته معه: «حين لا يكون هناك مال، أكون شريكًا. وحين يكون هناك مال، أصبح موظفًا». لذلك، استقال غولد في منتصف عام 1948، وحصل على وظيفة في قسم القلب بمستشفى فيلادلفيا العام.

لم يكن عمله مقتصرًا على إجراء أبحاث كيميائية جادة وقيّمة، إذ درس مستويات الشوارد الكهربائية في الدم وتأثير البوتاسيوم في وظائف العضلات، بل كان يسهم أيضًا في إنقاذ حياة الناس. وفي نهاية المطاف، رُقّي إلى منصب كبير كيميائيي الأبحاث. وهناك التقى أيضًا بحب حياته، عالمة الكيمياء الحيوية ماري لانينغ. وقال لاحقًا: «لم أكن في حياتي أكثر سعادة مما كنت عليه آنذاك».

وخلال العام التالي أو نحو ذلك، تقدم غولد لطلب الزواج من لانينغ مرتين، لكنها رفضت في كل مرة، لا لأنها لم تكن تحبه، بل لأنها شعرت بأنه يفتقر إلى الحماسة العاطفية. وكان هذا الفتور نابعًا من خوف غولد من انكشاف أمره بوصفه جاسوسًا، لكنه لم يستطع ببساطة أن يجبر نفسه على إخبارها بالحقيقة.

وفي إحدى المرات، ذكر سانتا فيه عن طريق الخطأ، فاضطر إلى تدارك الأمر والقول إن مصنع بن للسكر أرسله إلى هناك لتفقد مصنع كوكاكولا قريب. وكان ذلك تبريرًا واهيًا بوضوح. وفي نهاية المطاف، أنهيا علاقتهما، إذ خشي غولد أن يؤدي انكشاف أمره بعد زواجهما إلى تدمير حياتها.

وكان قلقه في محله. ففي سبتمبر 1949، بعد أربع سنوات من لقائه الأخير بفوكس، فتح غولد باب المنزل الذي كان يتشاركه مع والده وأخيه، فوجد عميلًا سوفيتيًا واقفًا أمامه. حاول إغلاق الباب في وجهه، لكن العميل بادر سريعًا إلى ذكر كلمات السر، فسمح له غولد بالدخول. وكان غولد يائسًا من التخلص من هذا الرجل، إذ لم تكن أسرته تعلم حتى ذلك الوقت أنه جاسوس. لذلك وافق على زيارة نيويورك بعد أسبوعين.

التقى الرجلان وسط هطول غزير للأمطار، لكن العميل اقترح، مما أثار رعب غولد، أن ينشق إلى أوروبا الشرقية. ورفض العميل توضيح سبب اقتراحه.

وبعد بضعة أشهر، اتضحت الصورة كاملة. ففي الثاني من فبراير عام 1950، أُلقي القبض على كلاوس فوكس في إنجلترا. وكانت الولايات المتحدة لا تزال تعيش صدمة إعلان تفجير الاتحاد السوفيتي قنبلة نووية في أغسطس السابق، ولذلك تصدر خبر القبض على جاسوس ذري عناوين الصحف في أنحاء العالم. واعترف فوكس بأن لديه جهة اتصال أمريكية تُعرف باسم «ريموند».

أصيب غولد بالذعر عندما قرأ الخبر، وقرر أنه إذا أُلقي القبض عليه فسوف ينتحر باستخدام الحبوب المنومة. لكن صديقه القديم توم بلاك، الذي دفعه في البداية إلى عالم التجسس، تمكن من ثنيه عن ذلك.

في هذه الأثناء، بدأ مكتب التحقيقات الفيدرالي ما وصفه أحد عملائه بأنه «مطاردة هائلة لا تهدأ». وكان المكتب يبحث عن ريموند. وحقق في أمر 1500 مشتبه به، بمشاركة 12 عميلًا يعملون بدوام كامل و60 آخرين يعملون بدوام جزئي. ولأن المحققين كانوا يعلمون أن ريموند لديه خلفية في الكيمياء، فقد طلبوا معلومات عن 75 ألف تصريح لمواد قابلة للاشتعال صدرت في مدينة نيويورك عام 1945.

بل إنهم أرسلوا عملاء إلى محطات الحافلات في أنحاء نيو مكسيكو، ليسألوا الموظفين إن كانوا يتذكرون رجلًا أبيض ضخم البنية يحمل مظروفًا في عام 1945.

وأخيرًا، عثر المكتب على خيط يقوده إلى غولد، عندما اقتحم عملاء، بصورة غير قانونية، مختبر آبي بروثمان في نيويورك، فعثروا على عدة أوراق كتبها غولد عن الانتشار الحراري. وقد أثار هذا الاكتشاف حماستهم، لأن فوكس كان قد عمل في مشروع مانهاتن على الانتشار الغازي. وفي الحقيقة، لا توجد علاقة بين العمليتين، لكن يبدو أن مكتب التحقيقات الفيدرالي لم يكن يدرك ذلك تمامًا. فأحيانًا يكون الحظ أفضل من الذكاء.

فتح المحققون ملف غولد القديم، واستخدموا هذه المعلومة وغيرها من القرائن لربطه بالشخص المعروف باسم ريموند.

في الخامس عشر من مايو، زار عميلان غولد في مختبره بفيلادلفيا. فوافق على مرافقتهما إلى وسط المدينة للإجابة عن أسئلتهما. ولم يعترف بشيء، لكنه كان مضطربًا إلى درجة اضطر معها إلى قضاء عدة ساعات في المختبر ليستعيد هدوءه.

وشعر غولد بأنه لا يملك خيارًا، فخضع لجلسات استجواب إضافية استمرت ساعات خلال عطلة نهاية الأسبوع. وعندما سأله المحققون إن كان قد زار نيو مكسيكو أثناء الحرب، أنكر أنه ذهب غرب نهر المسيسيبي قط. وحين عرضوا عليه صورة فوكس، اعترف بأنه يعرفه، لكنه قال إنه لم يره إلا في المجلات.

وبتهور، وافق أيضًا على «حسم المسألة» بالسماح لمكتب التحقيقات الفيدرالي بتفتيش منزله، بشرط أن يتم ذلك يوم الاثنين، عندما يكون أخوه ووالده غائبين. ولا بد أن المحققين لم يكونوا راضين عن هذا الترتيب، لأنه سيمنح غولد فرصة للتخلص من أي أدلة تدينه. لكنهم لم يكونوا يملكون مذكرة تفتيش، فوافقوا على التأجيل.

والأمر المذهل أن غولد لم يتخلص من أي شيء. فقد توجه إلى المختبر بدلًا من ذلك. كانت لديه تجارب جارية تتعلق بطرق الكشف عن البوتاسيوم، ولم يستطع تحمل فكرة تركها دون إكمالها. ثم أمضى مساء الأحد الأخير مع أخيه ووالده، على حد تعبيره، «لينقذ بضع ساعات ثمينة أخرى من الحياة الطبيعية».

لم يبدأ التخلص من الأدلة إلا عند الساعة الخامسة صباحًا يوم الاثنين. وبينما كان يفتش غرفته، عثر غولد على رسالة من عميل سوفيتي، وقسيمة تذكرة طائرة، ومسودة تقرير. فسارع إلى التخلص من بعض الأشياء بإلقائها في المرحاض، ودفن أشياء أخرى في سلة المهملات الموجودة في قبو المنزل.

وما إن انتهى حتى طرق عميلان من مكتب التحقيقات الفيدرالي الباب، قرابة الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة صباحًا. وكان غولد يرتدي ملابس النوم، فقاد الرجلين إلى غرفته، حيث شرعا في تفتيشها بعنف، يقلبان الأدراج وينزعان الكتب من الرفوف. وظل غولد، الذي بقي «رياضيًا منضبطًا» حتى في تلك اللحظة، يراقبهما ويتبادل الحديث معهما.

وبعد الساعة العاشرة صباحًا بقليل، أنزل أحد العميلين كتابًا مفضلًا لدى غولد، وهو نسخة كثيرة الاستخدام من كتاب «مبادئ الهندسة الكيميائية». لكن هذا الكتاب، من بين جميع الكتب التي امتلكها، كان هو ما سيفضح أمره. فعندما فتحه العميل، سقطت منه خريطة شوارع بلون بني فاتح، تحمل عنوان «نيو مكسيكو، أرض السحر». وكان غولد قد حصل على الخريطة من المتحف قبل لقائه بفوكس.

التقط العميل الخريطة وقال: «إذًا، أنت لم تذهب غرب نهر المسيسيبي قط».

انهار غولد تقريبًا، وسقط على كرسي. طلب دقيقة للتفكير، ثم طلب سيجارة، مع أنه كان يكره التدخين عادةً. وحتى في تلك اللحظة، ربما كان لا يزال قادرًا على الإفلات. فلم يكن لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي دليل قاطع، وكان من المستبعد أن يتحول فوكس إلى مخبر ضد رفاقه.

لكن بعد خمسة عشر عامًا من التجسس، كان غولد قد بلغ حد الإنهاك. فقد سئم الكذب والهروب والعبء الذي يحمله. ولم يعد يفكر إلا في كيفية إخبار أخيه ووالده بالحقيقة.

وأخيرًا، التفت إلى المحققين وقال: «أنا الرجل الذي سلّمه كلاوس فوكس المعلومات».

بعد خمسة عشر عامًا من التجسس، كان غولد قد بلغ حد الإنهاك. فقد سئم الكذب والهروب والعبء الذي يحمله.

عند القبض عليه، أقسم غولد أنه لن يشي بأي شخص آخر. وقال في نفسه: «سأقبل عقوبتي وألتزم الصمت». ثم زاره أخوه في السجن، وسأله: «كيف أمكنك أن تكون بهذا الغباء؟». وفي تلك اللحظة، تذكر غولد لاحقًا، «انهار نصف الحاجز الذهني الهائل الذي كنت قد بنيته لمنع نفسي من الوشاية».

وكانت زيارة والده أشد إيلامًا. فقد ظل والده فخورًا به طوال حياته، باعتباره الابن الذكي والكيميائي الذي أنقذ الأسرة خلال سنوات الكساد الكبير. لكنه جاء هذه المرة باكيًا، وقد بدا عليه الضعف والحيرة. وسأله: «هذا لن يؤثر في وظيفتك بقسم القلب، أليس كذلك؟».

حطّم السؤال قلب غولد. وقال: «انهار جزء آخر من ذلك الجبل».

 

أقر غولد بالذنب، وكشف كل ما يعرفه دون أن يطلب حتى صفقة لتخفيف العقوبة. وكتب وثيقة من 123 صفحة يشرح فيها عمله في التجسس، ثم خضع لساعات لا تنتهي من الاستجواب. وشبّه أحد المحققين استجواب غولد بـ«عصر ليمونة، إذ كانت هناك دائمًا قطرة أو قطرتان متبقيتان».

وبعد أن أفرغ ما كان يثقل كاهله أخيرًا، تحسنت صحته وانخفض ضغط دمه، وفقد بسرعة عشرات الأرطال من وزنه.

فتح مكتب التحقيقات الفيدرالي 49 قضية تجسس منفصلة استنادًا إلى شهادة غولد. لكن التاريخ لا يزال يتذكر واحدة منها أكثر من غيرها، وهي قضية روزنبرغ.

لم يستطع غولد تذكر اسم ديفيد غرينغلاس، شقيق إثيل روزنبرغ، لكنه تذكر أن اسم زوجة غرينغلاس ربما كان روث، كما تذكر وصف الشارع الذي كانت تعيش فيه الأسرة في ألباكركي. وتزامنت إجازة غرينغلاس من الخدمة العسكرية أيضًا مع الفترة التي حددها غولد لموعد لقائهما.

وعندما أُلقي القبض على غرينغلاس، اعترف بكل شيء، وادعى أن إثيل وزوجها جوليوس هما من دفعاه إلى التجسس.

وفي نهاية المطاف، كان غرينغلاس السبب المباشر في الحكم على آل روزنبرغ بالإعدام على الكرسي الكهربائي، وتعرض لانتقادات لاذعة بسبب انقلابه على أخته. لكن سمعة غولد تلقت ضربة هي الأخرى من جميع الأطراف السياسية. فقد وصفه الشيوعيون بأنه «كذاب مرضي» و«ضعيف الشخصية» وحيد، اختلق روايات مذهلة ليجعل نفسه يبدو أكثر أهمية مما هو عليه. أما مناهضو الشيوعية، فنددوا به باعتباره أداة طيعة خانت وطنها.

ولأن غولد لم يعقد صفقة لتخفيف العقوبة، طالب الادعاء في محاكمته بسجنه 25 عامًا، لكن القاضي حكم عليه بالسجن 30 عامًا. وعندما وصل إلى سجن لويسبرغ في وسط بنسلفانيا، أظهر السجناء الآخرون ازدراءهم له بوضوح. ففي لويسبرغ، كان اللصوص والمغتصبون والقتلة المأجورون يحظون بالاحترام. لكن عندما اقترب غولد، الواشي، ذات يوم للمشاركة في مباراة كرة سلة عفوية، غادر جميع اللاعبين الملعب.

ومرة أخرى، كانت الكيمياء ملاذ غولد. فقد كان في سجن لويسبرغ برنامج صحي غير معتاد للسجناء، يجمع بين الرعاية الطبية لهم والأبحاث الطبية الحيوية. وانتهز غولد الفرصة للعودة إلى المختبر، بل عمل في نوبات داخل جناح المرضى القريب لمساعدة السجناء الآخرين على استعادة صحتهم. وقد أسهم ذلك كثيرًا في تحسين صورتهم عنه.

كما قاد أبحاثًا جديدة. فدرس مرض السكري واضطرابات الغدة الدرقية في لويسبرغ، بل تطوع لحقنه بدم ملوث بفيروس التهاب الكبد، للمساعدة في أبحاث تطوير لقاح. وفي أبرز إنجازاته، حصل عام 1960، وهو في السجن، على براءة اختراع أمريكية لاختبار سريع لسكر الدم باستخدام مركب إنديغو ثنائي السلفونات.

جعل هذا العمل المختبري من غولد سجينًا نموذجيًا، وفي أبريل 1966، وبعد أن أمضى ستة عشر عامًا في السجن، حصل على الإفراج المشروط. وفي يوم إطلاق سراحه، جاء محاميه لاصطحابه، لكنه شعر بالرعب عندما سمع ضجة هائلة داخل السجن. ظن أن أعمال شغب قد اندلعت، لكن ما سمعه لم يكن سوى هتافات زملاء غولد من السجناء، الذين كانوا يودعونه بحفاوة بالغة تقديرًا لسنوات تفانيه وإخلاصه في خدمة الآخرين.

بعد الإفراج عنه، استقر غولد في حياة هادئة، وعمل في مجالَي أمراض الدم والأحياء الدقيقة في مستشفى آخر بفيلادلفيا. وكان قد أمضى الأشهر الأخيرة من عقوبته يدرس الكتب المختبرية في زنزانته ليلًا، حتى يواكب التقنيات الجديدة التي ظهرت منذ اعتقاله. كما بدأ بتوجيه العلماء الشباب في المستشفى، وأصبح بالنسبة إليهم أشبه بعم لطيف وحنون.

ولم يكن القناع الذي ارتداه طوال تلك الفترة يتصدع إلا عندما يذكر أحدهم قضية روزنبرغ. ففي إحدى المرات، ظهرت صورة ديفيد غرينغلاس على شاشة التلفزيون خلال نشرة إخبارية. وما إن رآها غولد حتى انفجر غضبًا، وصرخ في زملائه مطالبًا إياهم بإيقاف التلفزيون، مما أثار دهشتهم.

وفي نهاية المطاف، ضعف قلب غولد. وربما كان عيب خلقي في القلب قد تفاقم بسبب إصابته بالتهاب الكبد نتيجة الدم الملوث الذي حُقن به في السجن. وفي أغسطس 1972، خضع لعملية خطرة لاستبدال أحد صمامات القلب، لكنه توفي على طاولة العمليات عن عمر يناهز 61 عامًا. وبكى العاملون في مختبره عندما وصلهم الخبر.

كان غولد يأمل في أن يصنع لنفسه اسمًا بعد خروجه من السجن بوصفه عالمًا. وقال ذات مرة: «في وقت ما من المستقبل، سأتمكن من تقديم تعويض أكبر بكثير مما قدمته حتى الآن. ولن يكون هذا التعويض من خلال إبلاغ مكتب التحقيقات الفيدرالي وتقديم الأدلة إليه... بل من خلال العمل في مجال الأبحاث الطبية».

لكن ذلك كان مجرد أمنية أخرى لم تتحقق. فلا يزال غولد معروفًا بالتجسس أكثر بكثير من شهرته بالكيمياء، إذ خان أسرارًا وأشخاصًا أكثر مما يمكن تجاهله.

ومع ذلك، فعلى خلاف معظم الجواسيس الشيوعيين، كانت لدى غولد مُثل عليا تتجاوز السياسة. ففي أعماقه، كان كيميائيًا قبل أي شيء، وظل كذلك حتى النهاية. كان رجلًا يفضّل إكمال تجاربه على إنقاذ نفسه، حتى عندما كان مكتب التحقيقات الفيدرالي يضيّق الخناق عليه.

ربما لن يعيد التاريخ الاعتبار إلى سمعته أبدًا، لكن العلماء الآخرين يستطيعون على الأقل أن يتأملوا قصته ويجدوا فيها ما يشبههم: شغفه بالعمل المختبري، ودقته المتناهية، والبهجة الخالصة التي كان يجدها في الكيمياء. وعندها يمكنهم القول بصدق إنه كان واحدًا منهم.

فذلك، في نهاية المطاف، كان كل ما أراده هاري غولد.

المصدر

مقالات ذات صلة