القائمة الرئيسية

التكافؤ بين الجنسين في قطاع التصنيع ممكن: دروس عملية من تجمع صناعي في الهند

التكافؤ بين الجنسين في قطاع التصنيع ممكن: دروس عملية من تجمع صناعي في الهند
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن تحقيق التكافؤ بين الجنسين في قطاع التصنيع وتحويله إلى فرصة لتعزيز الكفاءة والابتكار، مستعرضةً تجربة ناجحة في أحد التجمعات الصناعية بالهند، حيث أسهم توظيف النساء وتطوير مهاراتهن وإزالة العوائق أمام مشاركتهن في تحقيق توازن شبه كامل بين الجنسين، مع تولي النساء أكثر من 60% من المناصب الإدارية. كما تكشف عن ثلاث استراتيجيات رئيسية لتمكين المرأة صناعياً، وتسلط الضوء على الدور الذي يمكن أن يؤديه التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في بناء مصانع مستقبلية أكثر شمولاً وتنافسية.

  • تشكل النساء ما يزيد قليلاً على ثلث القوى العاملة في قطاعي التصنيع وسلاسل التوريد، لكنهن يشغلن أقل من ربع المناصب التنفيذية.
  • أظهرت مشروعات تجريبية موجهة داخل أحد التجمعات الصناعية في الهند أن هذه الفجوة يمكن تقليصها بسرعة، بالتوازي مع تحسين الكفاءة التشغيلية.
  • يمثل الانتقال من العمل اليدوي إلى الأنظمة الرقمية فرصة كبيرة لتسريع مشاركة النساء في مصانع المستقبل.

لا يزال قطاعا التصنيع وسلاسل التوريد يواجهان نقصاً حاداً في العمالة، إذ تكافح الشركات والدول من أجل استقطاب الكفاءات اللازمة لشغل الوظائف الحيوية. وعلى الرغم من أن النساء يشكلن ما يزيد قليلاً على ثلث القوى العاملة، فإن أقل من ربع المناصب التنفيذية تشغلها نساء. وتظهر هذه الفجوات في المشاركة والقيادة على مختلف المستويات. ويُعد إغلاقها أمراً أساسياً لضمان القدرة التنافسية والنمو المستدام للصناعة على المدى الطويل.

وعلى الرغم من التقديرات التي تشير إلى أن تحقيق التكافؤ الكامل بين الجنسين على مستوى العالم قد يستغرق 120 عاماً أخرى، فإن سد الفجوة في عمليات المصانع والمناصب القيادية يمكن تحقيقه بوتيرة أسرع بكثير على مستوى المنشآت الصناعية نفسها. ويكمن المفتاح في الجمع بين تنمية المواهب المحلية، وتوفير بنية تحتية أكثر أماناً، وإنشاء مسارات مهنية تقنية واضحة ومنهجية. وهذا هو النموذج الذي طبّقته شركة هندوستان يونيليفر في كامل تجمعها الصناعي بمدينة هاريدوار، بالتزامن مع تحقيق تحسينات في الكفاءة التشغيلية.

يتألف هذا التجمع الصناعي من سبعة مصانع لمنتجات التجميل والعناية الشخصية. وما بدأ عام 2015 كمشروع تجريبي واحد، تمثل في وحدة لتصنيع طلاء الأظافر تديرها 30 موظفة، أدى لاحقاً إلى تحول شمل الموقع بأكمله. واليوم، يعمل التجمع بنسبة تكاد تكون متساوية بين النساء والرجال، فيما تشغل النساء أكثر من 60% من المناصب الإدارية.

ثلاثة مفاتيح لتحقيق التكافؤ بين الجنسين في قطاع التصنيع

كيف تمكنت الشركة من تحقيق التكافؤ بين الجنسين بالتوازي مع توسيع الكفاءة التشغيلية والأتمتة؟ وعلى الرغم من أن لكل منشأة وقطاع تحدياته الخاصة، فإن تجربة تجمع هاريدوار الصناعي تسلط الضوء على مجموعة من الاستراتيجيات التي يمكن للشركات الأخرى تبنيها لبناء قوة عاملة شاملة وقادرة على مواكبة المستقبل. وتتمثل هذه الاستراتيجيات في ثلاثة محاور رئيسية:

1. ابدأ بمشروع تجريبي على مستوى موقع العمل

في عام 2008، بدأ مصنع لإنتاج طلاء الأظافر عملياته ضمن قسم منتجات التجميل. وفي ذلك الوقت، كانت العمليات في التجمع الصناعي بأكمله يهيمن عليها الرجال بشكل شبه كامل.

وفي عام 2015، أطلقت الإدارة مشروعاً تجريبياً محدداً يقوم على توظيف 30 امرأة من المجتمع المحلي وتدريبهن لتشغيل مصنع طلاء الأظافر. وقد استند المشروع إلى حاجة تشغيلية واضحة، إذ يتطلب إنتاج طلاء الأظافر مستويات عالية من الدقة والمهارة اليدوية والرقابة على الجودة، ما جعل الكفاءات النسائية المحلية غير المستغلة مناسبة بصورة كبيرة لهذه المهام.

تم توظيف النساء من خلال تقييمات تعتمد على الكفاءة، ثم تلقين تدريباً داخل موقع العمل. وتمكن الفريق من تحقيق معدل خالٍ من عيوب الجودة، إلى جانب تسجيل فعالية إجمالية للمعدات بلغت 90%. وقد أثبت هذا النجاح الأولي الجدوى التجارية للمشروع، ومنح الإدارة الثقة والمبررات اللازمة لتوسيع نطاق توظيف النساء ليشمل مختلف أجزاء الموقع.

والدرس المستفاد هو أن الشركات لا تحتاج إلى انتظار إصلاحات جذرية تشمل المنشأة أو المؤسسة بأكملها. بل يمكنها البدء بوضع مؤشرات أداء واضحة، وإثبات الجدوى التجارية من خلال مشروعات تجريبية محددة ودقيقة، ثم بناء الثقة داخل المؤسسة استناداً إلى النتائج.

2. معالجة العوائق الهيكلية التي تحد من مشاركة النساء

تُعد السلامة أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في توظيف النساء في القطاعات الصناعية. ولمواجهة هذا التحدي، تعاون الموقع مع مسؤولي الحكومة المحلية لتحسين البنية التحتية العامة وتعزيز السلامة المرورية في المنطقة. كما تعاون مع الشرطة والمستشفيات والمراكز الطبية المحلية لتنظيم جلسات توعية وتعزيز شبكات الأمان والدعم المجتمعي للموظفات.

وتطور دعم وسائل النقل من خدمات أساسية مزودة بأنظمة تحديد المواقع إلى نظام متكامل لنقل الموظفات من الباب إلى الباب، يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي ورموز الاستجابة السريعة.

أما داخل المنشأة، فقد تم الاستثمار في الإضاءة عالية الكفاءة، ومرافق رعاية الأطفال في الموقع، ومعدات الوقاية الشخصية المناسبة، وبيئات عمل مصممة وفق مبادئ الهندسة البشرية بما يلائم قوة عاملة متنوعة.

والدرس الأساسي الذي يمكن لقادة الأعمال في مختلف القطاعات استخلاصه واضح: تحقيق التوازن بين الجنسين في القوى العاملة لا يعتمد فقط على سياسات الموارد البشرية الداخلية، بل يتطلب أيضاً تحديد العوائق الهيكلية الفعلية وإزالتها، سواء كانت مادية أو ثقافية أو لوجستية، عندما تؤدي هذه العوائق إلى الحد بشكل غير مبرر من دخول النساء إلى سوق العمل أو استمرارهن فيه.

3. إنشاء مسار مهني منظم ينتقل بالنساء من العمل الميداني إلى المناصب القيادية

تشغل النساء في هذا الموقع حالياً مجموعة واسعة من الوظائف، تشمل مهندسات المصانع، وقائدات التحول الرقمي، ومديرات المصانع، كما يتمتعن بحضور قوي في مجالات الصيانة ومراقبة الجودة وتخطيط سلاسل التوريد والسلامة والهندسة.

وقد جاء هذا التطور المهني نتيجة نموذج متكامل لتنمية المهارات داخل المنشأة. وهو نظام متعدد المستويات لا يهدف فقط إلى إدخال النساء إلى أرضية المصنع، بل أيضاً إلى دعم تطورهن بمرور الوقت نحو الأدوار التقنية والمناصب القيادية.

  • تطوير المهارات التقنية والرقمية داخل الموقع: تحصل العاملات في التشغيل على تدريب يمتد عبر مصانع متعددة بالتعاون مع مصنعي المعدات، بهدف تطوير قدرتهن على تشغيل أنواع مختلفة من الآلات. وإلى جانب مسؤولياتهن الأساسية، يعملن على تعزيز مهاراتهن في أنظمة تشغيل المصانع الرقمية، والمراقبة الإحصائية للعمليات، والروبوتات والآلات المؤتمتة، وأجهزة القياس والتحكم، والتطبيقات الرقمية المخصصة للمصانع، من خلال برامج رقمية منظمة.
  • التطور المهني نحو أدوار قيادة الفرق: مع تقدم العاملات في مساراتهن المهنية، ينتقلن إلى أدوار إشرافية من خلال تكليفات ميدانية داخل المصنع، وبرامج للتدريب على التواصل، وقيادة المشروعات المشتركة بين الإدارات. كما تتوافر مبادرات أوسع لتطوير القدرات، تركز على دمج المهارات الأساسية في إدارة سلاسل التوريد، والسلوكيات القيادية، والمهارات المرتبطة بالهندسة الرقمية.
  • بناء شبكات استراتيجية مع القيادات التنفيذية: على المستوى الإداري، تتواصل القيادات النسائية من خلال منتديات تضم مشاركات من عدة مصانع، وتتعاون في مجالات التطوير المهني والإرشاد بين الزميلات. كما يتم ربط المرشحات للجيل القادم من القيادات بشكل مباشر مع مسؤولين تنفيذيين ومدربين خارجيين، وإتاحة الفرصة لهن لقيادة مشروعات استراتيجية بارزة.

والدرس الذي يمكن لمؤسسات سلاسل التوريد الأخرى استخلاصه هو أن وجود النساء في خطوط الإنتاج لا يمثل سوى نقطة البداية. فالحفاظ على التكافؤ بين الجنسين على المدى الطويل يتطلب بنية تعليمية وتطويرية مقصودة ومنظمة، تحول خبرة العمل في الوظائف المبتدئة بصورة منهجية إلى خبرة تقنية وقدرات قيادية وإدارية.

الآفاق المستقبلية

خلال العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة، تخطط الشركة لتعزيز قنوات التوظيف في مختلف أجزاء الموقع من خلال توسيع الشراكات مع الجامعات، والتعاون مع المؤسسات التعليمية المحلية، وتعزيز التواصل مع المجتمع المحلي.

كما تركز الشركة على الاحتفاظ بالموظفات على المدى الطويل من خلال تحسين بيئات التنقل الآمن، وتطوير بيئات العمل القائمة على مبادئ الهندسة البشرية، وتوفير الدعم الملائم للمراحل المختلفة من حياة الموظفات، وتعزيز سهولة الوصول في أماكن العمل، إضافة إلى توسيع نطاق الدعم الذي يساعد النساء على الانتقال إلى وظائف تقنية متخصصة ومناصب إدارية عليا.

ويتمثل الهدف الأوسع في جعل التوازن بين الجنسين معياراً تشغيلياً في قطاع السلع الاستهلاكية في الهند، وتحويل المنشأة إلى نموذج للتصنيع الذي يتمحور حول الإنسان ويتطلع إلى المستقبل.

فرصة حاسمة لمصنع المستقبل

تسلط تجربة الشركة الضوء على التحول واسع النطاق الجاري حالياً في سلاسل التوريد العالمية. فمع ازدياد الاعتماد على الأتمتة والبيانات في قطاع التصنيع، تشهد طبيعة العمل الصناعي تغيراً جوهرياً.

ووفقاً لإطار التعاون بين الإنسان والآلة، فإن 41% من المهارات المطلوبة في مصنع المستقبل ستكون مرتبطة بتقنيات جديدة أو ناشئة. وهذا يعني الانتقال من الاعتماد على العمل اليدوي وحده إلى إتقان التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وإدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل، واتخاذ القرارات المتقدمة، وتحليل البيانات في الوقت الفعلي، وتوجيه الفرق بمرونة وقدرة على التكيف.

ويخلق هذا التقدم التكنولوجي فرصاً غير مسبوقة أمام قادة الصناعة. فمع انخفاض الأعباء الجسدية وتزايد الدور المحوري للأنظمة المؤتمتة، ستتراجع العديد من الحواجز التقليدية التي كانت تحد من التطور المهني في قطاع التصنيع.

وللتغلب على التحيزات الراسخة منذ زمن طويل في هذا القطاع، يجب أن يسير التحول الرقمي جنباً إلى جنب مع تعزيز المشاركة الفاعلة للنساء في وظائف المصانع والأدوار التقنية والمناصب القيادية. ومن شأن ذلك أن يتيح ظهور جيل جديد من القيادات الصناعية يجمع بين التقدم التكنولوجي والتوازن بين الجنسين.

المصدر

مقالات ذات صلة