القائمة الرئيسية

كيف نُنمّي الكفاءات البشرية التي ستقود صناعات المستقبل؟

كيف نُنمّي الكفاءات البشرية التي ستقود صناعات المستقبل؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة أهمية تنمية الكفاءات البشرية لمواكبة التحولات التكنولوجية والاستعداد لوظائف المستقبل، في ظل التوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة ونمو الصناعات المتقدمة. وتسلط الضوء على ضرورة ربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل الفعلية، وتعزيز التعاون بين الشركات والمؤسسات التعليمية لإعداد المواهب الشابة وتطوير مهارات العاملين، مستعرضةً مبادرات عالمية مبتكرة تفتح آفاقاً مهنية جديدة. كما تطرح تساؤلاً محورياً: كيف يمكن تحويل تحديات نقص المهارات إلى فرص تضمن مشاركة الإنسان في تشكيل صناعات المستقبل؟

  • مع تطور التكنولوجيا المستخدمة في أماكن العمل وتغيّر المهارات المطلوبة، تزداد أهمية تنمية المواهب لإعداد الأفراد لوظائف المستقبل. وللشركات دور مهم في مساعدة الناس ليس فقط على التكيف مع التغيير، بل أيضاً على الاستفادة من الفرص الجديدة التي يتيحها.
  • تحقق تنمية المهارات أكبر قيمة لها عندما يكون المسار من التعلم إلى التوظيف محدداً بوضوح ومرتبطاً بالعمل الفعلي.
  • يحتاج الشباب إلى صورة أوضح عن المهن التي ستشهد نمواً في المستقبل، والمهارات التي تتطلبها تلك الوظائف، والمسارات التي يمكن أن تقودهم إليها.

يمثل مساعدة الناس على العثور على عمل مُرضٍ استثماراً مهماً في المستقبل.

فالعمل يعزز الثقة بالنفس، ويوفر الفرص، ويسهم في تقوية المجتمعات. ومع تطور الصناعات وقيام التقنيات الجديدة بإعادة تشكيل العالم، يساعد العمل أيضاً الأفراد على تنمية قدرتهم على التكيف مع البيئات الجديدة.

وأصبحت القدرة على التكيف أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالذكاء الاصطناعي يغيّر طريقة عملنا ويفتح آفاقاً جديدة لزيادة الإنتاجية وتحقيق النمو. وفي الوقت نفسه، يتزايد الطلب على الكفاءات التي تمتلك مهارات وقدرات جديدة في قطاعات سريعة النمو مثل التصنيع المتقدم، وأشباه الموصلات، والبنية التحتية للطاقة.

ولا يكمن التحدي في مجرد مساعدة الناس على مواكبة التغيير، بل في تمكينهم من اكتساب الثقة والخبرة والمهارات التي يحتاجون إليها للاستفادة من الفرص التي يخلقها هذا التغيير.

ومع تزايد عدد العاملين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي يومياً، لا يزال كثير من الناس يفتقرون إلى الثقة في قدرتهم على استخدامه بفعالية. ويمكن للشركات أن تؤدي دوراً كبيراً في سد هذه الفجوة، من خلال مساعدة الأفراد على استخدام التقنيات الجديدة بثقة، وفي الوقت نفسه الإسهام في تطوير المهارات المتخصصة التي تحتاج إليها الصناعات المختلفة.

تحويل تزايد احتياجات التوظيف إلى فرص لتنمية المواهب

وفقاً لأحدث استطلاع لتوقعات التوظيف الصادر عن مانباور جروب، تواصل الشركات إعطاء الأولوية للنمو. ويعتزم 43% من الشركات زيادة أعداد موظفيها خلال الربع الرابع من عام 2026، كما تحسنت نوايا التوظيف مقارنة بالربع السابق وبالفترة نفسها من العام الماضي. كذلك أفادت مجموعة واسعة من القطاعات بزيادة توظيف المواهب في بداية مسيرتها المهنية مقارنة بعام 2025.

وفي المقابل، لا تزال الشركات تشير إلى نقص الكفاءات التي تمتلك المهارات المناسبة، وإلى عدم التوافق بين خبرات المرشحين ومتطلبات الوظائف، باعتبارهما من أبرز التحديات التي تواجهها. أما الشركات التي تقلص توظيف أصحاب الخبرة المحدودة، فتشير إلى أن أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو حاجتها إلى موظفين ذوي خبرة قادرين على مباشرة العمل وتحقيق النتائج سريعاً، وليس الاعتماد على الأتمتة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي.

وتكشف هذه النتائج أيضاً عن وجود فرص جديدة. فالشركات تحتاج إلى كفاءات ماهرة، بينما يسعى العاملون إلى مسارات مهنية تتيح لهم مواصلة التعلم والتطور. ومن خلال ربط التعلم بالتوظيف بصورة أكثر مباشرة، يمكن للأفراد اكتساب خبرة مرتبطة بالعمل، كما يمكن للقطاعات تطوير المهارات التي تحتاج إليها.

من الضروري أن يمتلك العاملون فهماً واضحاً لكيفية تغير وظائفهم، وكيف ستسهم المهارات الجديدة في تعزيز فرصهم في سوق العمل.

لا تكتسب تنمية المهارات قيمتها الحقيقية إلا عندما تؤدي إلى فرص عمل مستقبلية

تبدأ تنمية المهارات الفعالة من فهم الاحتياجات الفعلية لسوق العمل. ففي مجال التصنيع المتقدم، يعني ذلك إعداد كوادر قادرة على التعامل مع تقنيات الروبوتات والأتمتة بما يواكب التغيرات التي تشهدها بيئات الإنتاج.

ومن الأمثلة على ذلك حاجة صناعة أشباه الموصلات إلى كفاءات تقنية في مجموعة واسعة من المجالات، بما في ذلك التصنيع والهندسة والخدمات الميدانية والبرمجيات والعمليات. كما يؤدي التوسع في البنية التحتية للطاقة ومراكز البيانات إلى زيادة الطلب على العاملين ذوي المهارات المتخصصة.

ووفقاً لتقرير مانباور جروب حول آفاق التصنيع العالمية، تواجه 72% من شركات التصنيع صعوبة في العثور على عمالة ماهرة في ظل التحولات التي تحدثها الروبوتات والتصنيع الذكي في المهارات المطلوبة من القوى العاملة. وفي الوقت نفسه، يشعر 45% من العاملين في قطاع التصنيع بالقلق من احتمال استبدال وظائفهم بالذكاء الاصطناعي والأتمتة خلال العامين المقبلين.

تنمية المهارات والثقة داخل الشركات

يحتاج العاملون إلى فهم واضح لكيفية تغير وظائفهم، وكيف يمكن للمهارات الجديدة أن تعزز قدرتهم على الحصول على فرص عمل والحفاظ عليها. ويمكن للشركات أن تشرح التحولات الجارية في سوق العمل، وأن تدعم التعلم العملي، وأن توفر مساراً واضحاً من التدريب إلى التوظيف.

ويُعد برنامج "MyPath" التابع لمانباور مثالاً على كيفية تطبيق هذه الروابط عملياً. إذ يستخدم البرنامج البيانات والرؤى المتعلقة بسوق العمل لفهم التغيرات التي تشهدها أماكن العمل، ثم يترجم احتياجات المواهب الجديدة إلى برامج تدريب محددة، ويساعد العاملين على فهم كيفية تغير فرص التوظيف.

وحتى الآن، شارك أكثر من 332 ألف شخص حول العالم في برامج "MyPath" وأكملوها. وحتى الربع الثاني من عام 2026، بلغت نسبة إكمال التدريب بين المشاركين 40.4%، بينما ركز 67% من برامج التدريب على المهارات المهنية على قطاعات صناعية محددة.

وخلف هذه الأرقام أشخاص اتخذوا خطوات فعلية في مساراتهم المهنية. فعلى سبيل المثال، استعان أحد خريجي الهندسة الكهربائية بهذا التدريب لتعزيز المهارات اللازمة للعمل مهندساً للاختبار والتحقق في شركة ستيلانتيس. ويوضح هذا المثال أن ربط التعلم بالعمل الفعلي واحتياجات الشركات والمسارات المهنية المستقبلية يسهم في تطوير كفاءات قادرة على الاستعداد للمستقبل.

يجب أن يبدأ الاستعداد للمسار المهني في وقت مبكر

يحتاج الشباب إلى فرص للتعرف على الإمكانات الجديدة التي تظهر في مختلف المجالات، وعلى أنواع الوظائف المتاحة فيها. كما يحتاجون إلى فهم المسارات التي يمكنهم اتباعها للوصول إلى تلك الوظائف.

وتهدف مبادرة "SmartStart" التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى إعداد مليون شاب للوظائف الموجهة نحو المستقبل في مجالي التصنيع وسلاسل الإمداد بحلول عام 2035. وتربط المبادرة بين القطاعات الصناعية والمؤسسات التعليمية والجهات المتخصصة في تنمية المواهب، بهدف تطوير المهارات العملية المطلوبة للوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا والتحول الرقمي والاستدامة.

ومن خلال "SmartStart"، يتم ربط التعلم داخل الفصول الدراسية بالخبرات العملية، والشهادات المعترف بها في القطاعات الصناعية، والإرشاد المهني، مع العمل في الوقت نفسه على جعل المسارات المهنية التقنية أكثر وضوحاً وسهولة في الوصول إليها بالنسبة للطلاب وأسرهم.

وفي قطاع التصنيع، يتزايد انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة وتحليل البيانات.

ومن شأن فهم كيفية استخدام هذه التقنيات في الوظائف الفعلية، ومعرفة المهارات التي تبحث عنها الشركات، أن يمكّن الطلاب من اتخاذ قرارات أكثر وعياً بشأن التعليم والمؤهلات التي يحتاجون إليها. كما يساعدهم ذلك على تصور العلاقة بصورة أوضح بين تلك القرارات وبين مساراتهم المهنية المستقبلية.

نمو صناعة أشباه الموصلات يتطلب تطوير كفاءات بشرية تلبي احتياجاتها

نظراً لاختلاف المهارات المطلوبة من قطاع إلى آخر، يجب أن ترتبط تنمية المهارات بالوظائف الفعلية والقدرات المطلوبة في سوق العمل. وتمثل صناعة أشباه الموصلات مثالاً واضحاً على كيفية نجاح هذا النهج.

فأشباه الموصلات لا تدعم الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للحوسبة السحابية فحسب، بل تعد أيضاً عنصراً أساسياً في المركبات الكهربائية، ومراكز البيانات، والمستشفيات، والتصنيع المتقدم. ولكي تستمر هذه الصناعة في النمو، فإنها تحتاج إلى كفاءات ماهرة في مختلف مراحل سلسلة القيمة.

وتقدم منظمة "SEMI" مبادرتي "K-12" و"Junior Achievement" للطلاب من مرحلة رياض الأطفال وحتى المرحلة الثانوية. وتتيح هذه المبادرات للطلاب التعرف منذ سن مبكرة على الوظائف المرتبطة بصناعة أشباه الموصلات واكتساب المهارات التقنية اللازمة لها. كما يمكنهم التعرف على مسارات متعددة للعمل في هذا القطاع، بما في ذلك مسارات لا تتطلب الحصول على شهادة جامعية مدتها أربع سنوات.

كما يحتاج الأشخاص العاملون بالفعل إلى فرص تساعدهم على الانتقال إلى القطاعات التي تشهد نمواً. وقد ساعدت مبادرة "Quick Start" التابعة لإنتل لتنمية المواهب في مجال أشباه الموصلات مئات الأشخاص من خلال التدريب، والانتقال المهني، وتطوير المهارات.

وتتطلب هذه المبادرات تعاون مجموعة متنوعة من الأطراف المعنية. فالشركات توفر معلومات حول المهارات المطلوبة، وتقوم المؤسسات التعليمية بترجمة تلك الاحتياجات إلى تجارب تعليمية عملية. كما تعمل الجهات الصناعية والشركاء في المجتمعات المحلية على توسيع الوعي بالمسارات المهنية والفرص المتاحة، في حين تؤدي مؤسسات دعم المواهب دوراً في ربط التدريب بالتوظيف.

من خلال دفع الابتكار بطريقة مسؤولة ووضع الإنسان في صميمه، يمكن تمكين عدد أكبر من الناس من المشاركة في الصناعات التي ستسهم في تشكيل المستقبل.

الاستعداد للمستقبل يوسع نطاق الفرص

في الصناعات التي لم تعد فيها أنظمة توفير العمالة التقليدية قادرة على مواكبة الطلب المتزايد على المواهب، يصبح من المهم بصورة متزايدة العمل على "تطوير" الكفاءات المطلوبة، إلى جانب البحث عنها واستقطابها.

ويختلف النهج المحدد من دولة إلى أخرى ومن قطاع إلى آخر. لذلك، من الضروري أن يكون الأفراد قادرين على فهم كيفية ارتباط المهارات التي يكتسبونها بمسار مهني مُرضٍ. ويمكن للشركات والمؤسسات التعليمية، بالتعاون مع الجهات المتخصصة في دعم المواهب، أن تؤدي دوراً رئيسياً في توضيح هذه الروابط.

ويوضح برنامج "MyPath" معنى "الاستعداد للمستقبل" بالنسبة إلى الأشخاص الذين سبق لهم بناء مسار مهني. أما "SmartStart" فيبدأ هذه العملية في مرحلة أبكر، قبل أن يضطر الشباب إلى اتخاذ قرارات مهمة تتعلق بالتعليم والعمل. وتوضح مبادرات قطاع أشباه الموصلات كيف يمكن تصميم التعلم بما يتناسب مع احتياجات قطاع صناعي محدد من المواهب.

ومن خلال دفع الابتكار بمسؤولية ووضع الإنسان في صميمه، سيتمكن عدد أكبر من الأشخاص من المشاركة في الصناعات التي ستشكل المستقبل. وفي الوقت نفسه، سيساعد ذلك على توفير الكفاءات التي تحتاج إليها تلك الصناعات لمواصلة النمو.

المصدر

مقالات ذات صلة