- تساعد الألياف على تنظيم وظائف الجسم ودعم عملية الهضم. وهي تتكوّن من جزيئات معقدة ومتنوعة، وقد يؤثر فقدان هذا التنوع في عدة أجهزة في أنحاء الجسم.
- قد يرتبط الانخفاض الذي شهدناه على مر السنين في كمية الألياف المتناولة وتنوعها باضطراب عملية الأيض، والالتهاب المزمن، والتغيرات التي تطرأ على ميكروبيوم الأمعاء، وهي عوامل مرتبطة بالعديد من الأمراض المزمنة.
- وبدلاً من التعامل مع كل حالة مرضية باعتبارها مشكلة منفصلة، قد يساعد استعادة جزيئات معينة من الألياف المفقودة على معالجة آليات مشتركة تقف وراء عدد من هذه الحالات.
تحكي أسماء الأمراض المزمنة قصصاً مختلفة.
فاسم السكري مشتق من كلمة يونانية قديمة تعني «المرور عبر». أما السرطان، فتعني تسميته «السرطان البحري»، في إشارة إلى الشبه الذي لاحظه أبقراط بين الورم وذلك الحيوان. وتحمل أمراض القلب والكلى والاكتئاب أسماء الأعضاء أو الأعراض المرتبطة بها، بينما يصف التهاب المفاصل حالة الالتهاب التي تصيب المفاصل. أما مرض كرون وألزهايمر، فيحملان اسمي الطبيبين اللذين وثّقاهما للمرة الأولى.
لكن لا يوجد سبب واحد للمرض مذكور في أي من هذه التسميات. فقد نظّمنا الطب بحسب الأعضاء، فأصبح لكل عضو مرض خاص به.
وربما يكون العامل المفقود مختبئاً أمام أعيننا. فقد أصبح الغذاء الحديث بارعاً إلى حد استثنائي في توفير السعرات الحرارية، بينما يتخلص في الوقت نفسه من قدر كبير من الألياف المعقدة التي كانت تغذي الميكروبات الموجودة في أمعائنا. وتحول هذه الميكروبات تلك المواد إلى جزيئات ترسل إشارات إلى الجسم تخبره بموعد إطلاق الغلوكوز، ومتى ينبغي التوقف عن تناول الطعام، ومدى النشاط الذي يجب أن يعمل به الجهاز المناعي.
لكننا في الواقع أزلنا جزءاً كبيراً من هذا العامل دون أن ندرك أنه كان يحمل معلومات.
وعلى مدى قرن من الزمن، تعامل علم التغذية مع الألياف إلى حد كبير باعتبارها ما يتبقى في الغذاء بعد احتساب المكونات المفيدة. لكننا نعلم اليوم أن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك. فالألياف ليست مادة واحدة، بل آلاف الجزيئات المختلفة، لكل منها بنية خاصة وتأثيرات بيولوجية مختلفة.
ولم يعد السؤال ببساطة هو مقدار الألياف التي نتناولها. بل أصبح: ما الجزيئات المفقودة؟ وما الذي كانت تخبر الجسم بفعله في الظروف الطبيعية؟ وهل يمكن أن يؤدي إعادتها إلى تغيير مسار الأمراض التي ظهرت عندما اختفت؟
هل يمكن أن يسهم نقص الألياف الغذائية في الإصابة بعدة أمراض مزمنة؟
لا يستوفي اليوم سوى نحو شخص بالغ واحد من كل 14 بالغاً في الولايات المتحدة المعايير الأساسية للصحة الأيضية. وفي القلب، يظهر ذلك في صورة أمراض القلب والأوعية الدموية، التي تتسبب في أكثر من 19 مليون وفاة سنوياً.
وفي الأمعاء، يظهر على هيئة سرطان القولون والمستقيم، الذي أصبح السبب الرئيسي للوفاة بالسرطان بين الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً، ويشكل جزءاً من زيادة أوسع نطاقاً في حالات السرطان المبكر التي تشمل 14 نوعاً مختلفاً.
وفي الدماغ، يظهر الأثر في الحالة المزاجية، إذ يعيش أكثر من مليار شخص اليوم مع أحد اضطرابات الصحة النفسية، فيما ارتفع انتشار الصداع النصفي بنسبة 58% منذ عام 1990 ليصل إلى نحو 1.16 مليار شخص.
وفي المفاصل، تضاعف انتشار الفصال العظمي أكثر من مرة. أما في الجهاز المناعي، فتظهر المشكلة في أمراض المناعة الذاتية، التي ارتفع مؤشرها الأكثر شيوعاً، وهو انتشار الأجسام المضادة للنواة، بنحو 50% خلال جيل واحد، وكانت الزيادة الأسرع بين المراهقين، وذلك خلال فترة لم تتغير فيها جينات السكان بصورة ملحوظة.
هي أعضاء مختلفة، واختصاصيون مختلفون، وأسماء مختلفة، لكن خيطاً فسيولوجياً مشتركاً يمر عبر كثير من هذه الحالات. فالوفيات والتشخيصات تُسجّل، لكن معظم التكلفة الفعلية تُدفع في صورة فقدان للطاقة، واضطراب للمزاج، وآلام في المفاصل، واعتماد على الأدوية، وتشوش في الانتباه، وتأثير في سنوات الطفولة والخيارات المتاحة في الحياة.
لم يكن أحد مخطئاً. فالتكنولوجيا اللازمة لرؤية هذه الصورة لم تكن موجودة، ولذلك فسّر الناس العملية الكامنة من خلال العضو أو العرض الذي تأثر بها. وبدا الأمر وكأنه ناتج عن التقدم في العمر، أو الوراثة، أو نمط الحياة. وعلى مدى عقود، كانت الرواية ذات طابع فردي: كل أقل، تحرك أكثر، وابذل جهداً أكبر.
لكن قوة الإرادة لم تفشل في كل دولة صناعية خلال الأعوام الخمسين نفسها. الذي تغير هو البيئة، وتغير الغذاء معها.
لماذا تهم الألياف في تنظيم سكر الدم والالتهاب والصحة الأيضية؟
نستخدم كلمة واحدة لوصف آلاف الجزيئات المختلفة. وحتى وقت قريب جداً، كانت بنية معظم هذه الجزيئات غير معروفة، وكذلك وظيفة كل منها داخل جسم الإنسان. وقد وضع علم التغذية الجزء الذي لم يتمكن من تفسيره من الغذاء تحت تسمية واحدة هي «غير متاح».
وربما كان غير متاح لنا بالفعل، لكنه كان أيضاً غير مقروء.
فهذه الجزيئات تغذي طبقة بيولوجية كاملة من الإشارات. وعندما تصل إلى الأمعاء الغليظة، تخمّرها البكتيريا الموجودة هناك وتحولها إلى أحماض دهنية قصيرة السلسلة وجزيئات صغيرة أخرى، ثم يستخدم الجسم هذه المواد بوصفها تعليمات: مدى سرعة إطلاق الغلوكوز، ومتى يشعر الإنسان بالشبع، ومدى النشاط الذي ينبغي أن يعمل به الجهاز المناعي في ذلك اليوم.
ومن بين المحفزات الطبيعية لهرمون GLP-1 المعوي، الذي تحاكيه الأدوية واسعة الانتشار في هذا العقد، نواتج عملية التخمير هذه.
وقد بلغت قيمة سوق تلك الأدوية نحو 66 مليار دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى 185 مليار دولار بحلول عام 2033. وهي تعمل دوائياً على تنشيط مسار للإشارات يستطيع الغذاء أيضاً تنشيطه. وما اعتبرناه في السابق مجرد عامل يساعد على انتظام الهضم هو في الواقع نظام إشارات يربط الغذاء بالجسم.
وخلال القرن الماضي، تعلم التصنيع الغذائي كيفية الاحتفاظ بالسعرات الحرارية والتخلص من بقية المكونات. وهكذا تراجعت كمية هذه الجزيئات وتنوعها وبنيتها التي تصل إلى القولون، وخرج جزء كبير منها من السلسلة الغذائية، كما تقلصت سلالات الميكروبات التي كانت تعتمد عليها، وهو تأثير قد يتراكم عبر الأجيال.
أما الأشخاص الذين لا يزالون يتناولون طعاماً يشبه إلى حد كبير ما كان البشر يأكلونه خلال معظم تاريخهم، فيستهلكون ما بين 100 و150 غراماً من الألياف يومياً ويتمتعون بصحة أيضية ممتازة.
في المقابل، يستهلك الأمريكي في المتوسط نحو 17 غراماً فقط يومياً، ولا يصل سوى نحو 5% من البالغين حتى إلى الحد الأدنى الموصى به.
هل يمكن أن تساعد استعادة الألياف المفقودة على الوقاية من الأمراض المزمنة؟
إذا أزلنا طبقة الإشارات هذه، فإن الجسم يبدأ بالعمل من دون التعليمات التي أمضى بضعة ملايين من السنين في التكيف معها. فتبدأ آليات التعامل مع الغلوكوز في الاختلال.
ويصعب الإفراط في تناول الطعام عندما يحتوي النظام الغذائي على كمية كافية من الألياف، لأن الألياف تولّد الشعور والإشارة التي تخبر الجسم بأنه حصل على ما يكفي. أما عندما تزال، فيستمر الناس في الأكل بعد بلوغ مرحلة الشبع، لأن شيئاً لم يرسل إليهم إشارة بالتوقف.
كما أن الجهاز المناعي، الذي يقرأ الإشارات الأيضية نفسها، لا يتلقى أبداً الإشارة التي تخبره بخفض مستوى نشاطه.
ويستخدم علماء المناعة مصطلح «الالتهاب الأيضي» لوصف هذه الحالة: التهاب منخفض الدرجة، عام ومزمن، ينشأ بسبب الحالة الأيضية وليس نتيجة عدوى.
وفي مراجعة علمية نُشرت عام 2019، وُضعت الأمراض الالتهابية المزمنة على رأس قائمة الحالات المسؤولة عن الوفيات في أنحاء العالم. وترتبط هذه العمليات بمجموعة واسعة من الأمراض، من بينها السكري، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وسرطان القولون والمستقيم، والاكتئاب، وأمراض المناعة الذاتية.
العلاقة بين نقص الألياف وبكتيريا الأمعاء والالتهاب المزمن
كان داء الإسقربوط شائعاً على متن السفن على مدى 300 عام. وعندما فهم الأطباء أن سببه نقص عنصر معين، لم ينشئ أحد صناعة كاملة لإدارة الإسقربوط. فقد وضعت البحرية الليمون على متن السفن، واختفى المرض. وما هو شائع ليس بالضرورة أمراً لا يمكن تجنبه.
ولم يكن الإسقربوط وحده. فقد كانت أمراض البري بري والبلاجرا والكساح وتضخم الغدة الدرقية جميعها تحمل أسماء مرتبطة بأعراضها، إلى أن تمكّن العلماء من التمييز بين الفيتامينات المختلفة، وأصبح كل مرض مرتبطاً بما ينقص الجسم فعلياً، ثم تغير الدقيق والملح والحليب بدلاً من مطالبة الناس بتغيير طريقة حياتهم.
لكننا لم نفعل الشيء نفسه مع الألياف حتى الآن.
فإذا أضيفت كمية كافية منها إلى الطعام، قد لا يرغب الناس في تناوله. ولذلك، عندما تضاف الألياف، تكون عادة بكميات صغيرة، ومعظمها من الإينولين أو من أنواع مصنّعة مشتقة من القمح أو الذرة أو الكسافا، وهي ليست الجزيئات نفسها التي اختفت من غذائنا.
وخلال السنوات القليلة الماضية، عملت شركة One Bio على دراسة الآلاف من هذه الجزيئات المفقودة: أي البنى تؤدي أي وظائف داخل الجسم، وكيف يمكن إعادتها إلى الأغذية العادية من دون تغيير مذاقها.
وفي تجربة استمرت أسبوعين، أدى تناول 20 غراماً يومياً من ألياف الشوفان قصيرة السلسلة إلى تقليل الوقت الذي قضاه المشاركون ضمن نطاقات غير صحية لسكر الدم بنسبة 67%، كما خفّف حالات الانخفاض الحاد في الطاقة خلال اليوم، مع ظهور إشارة استكشافية إلى تحسن المزاج والتركيز لدى الأشخاص الذين بدأوا الدراسة وهم يواجهون صعوبات في هذين الجانبين.
والدلالة هنا لافتة: ربما لا نحتاج إلى اختراع بعض ما فُقد، بل إلى استعادته.
الجسم ليس معطلاً. لقد أمضينا قرناً نسمّي فيه المكان الذي ظهر فيه النقص، ونطوّر أدوية واسعة الانتشار لإدارة كل حالة على حدة.
وفي المرة الأخيرة التي تعلّم فيها الطب تسمية الأمراض وفقاً لما كان ينقص الجسم، تغيّر الغذاء، واختفت بعض تلك الأمراض.
