القائمة الرئيسية

فخ إنتاجية الذكاء الاصطناعي: لماذا لا تعني الكفاءة دائمًا قيمة قابلة للقياس؟

فخ إنتاجية الذكاء الاصطناعي: لماذا لا تعني الكفاءة دائمًا قيمة قابلة للقياس؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة مفارقة لافتة في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تنجح المؤسسات في تسريع إنجاز المهام ورفع الإنتاجية، لكنها تواجه صعوبة في تحويل هذه المكاسب إلى عوائد مالية ملموسة. وتسلط الضوء على «فخ إنتاجية الذكاء الاصطناعي» وما يرافقه من فائض في قدرات القوى العاملة ونقص مستمر في المهارات، مؤكدة أن القيمة الحقيقية لهذه التكنولوجيا لا تكمن في توفير الوقت فحسب، بل في إعادة تصميم الوظائف وتطوير مهارات الموظفين وتوجيه قدراتهم نحو أنشطة استراتيجية تدعم النمو. فكيف يمكن للمؤسسات تجاوز هذا الفخ وتحويل الكفاءة إلى قيمة اقتصادية قابلة للقياس؟

  • تسهم أدوات الذكاء الاصطناعي المرنة في تسريع إنجاز المهام، لكنها لا تحقق عوائد مالية ملموسة ما لم تُعَدْ هيكلة الوظائف.
  • تؤدي مكاسب الإنتاجية غير المُدارة إلى فائض في قدرات القوى العاملة، بالتزامن مع استمرار النقص في المهارات.
  • يتعين على القادة إعطاء الأولوية لإعادة توجيه القدرات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي لدى الموظفين نحو مجالات استراتيجية عالية القيمة تدعم النمو.

في عام 2026، يساعد الذكاء الاصطناعي الموظفين على إنجاز المهام بسرعة غير مسبوقة، ومع ذلك تواجه العديد من المؤسسات صعوبة في تحويل هذا الوقت الموفر إلى عوائد مالية فعلية. ويُظهر استطلاع أجرته شركة BearingPoint وشمل 1,050 من كبار التنفيذيين والقادة في 13 دولة أن 27% من المؤسسات التي طبقت الذكاء الاصطناعي سجلت مكاسب في الإنتاجية من دون أي أثر قابل للقياس على نتائجها المالية. علاوة على ذلك، لم تتمكن سوى 13% من المؤسسات من توسيع نطاق مبادراتها في مجال الذكاء الاصطناعي بالكامل وفقًا لخطة العمل الأصلية.

وتكتسب الفجوة بين مكاسب الإنتاجية والعوائد المالية الفعلية أهمية خاصة لأن الذكاء الاصطناعي انتقل من مرحلة التجارب إلى العمليات اليومية. كما تتزايد أهمية هذه المسألة مع التحول نحو الأنظمة الوكيلة القادرة على تنسيق المهام وتنفيذ أجزاء من سير العمل. فإذا سارعت المؤسسات إلى الأتمتة من دون إعادة تصميم العمل أو إعادة تنظيم المسؤوليات والموارد، فقد ترتفع الإنتاجية التقنية في الوقت الذي تظل فيه قيمة المؤسسة راكدة.

والنتيجة هي ظهور ما يمكن تسميته بـ«فخ إنتاجية الذكاء الاصطناعي»: إذ تخلق التكنولوجيا قدرات إضافية، لكن القرارات الإدارية هي التي تحدد ما إذا كانت هذه القدرات ستتحول إلى نمو أو وفورات في التكاليف أو مجرد إمكانات غير مستغلة.

لماذا لا يعني توفير الوقت تلقائيًا توفير المال؟

تبدأ العديد من دراسات الجدوى الخاصة بالذكاء الاصطناعي بمقاييس تشغيلية، مثل الدقائق التي تم توفيرها، والمهام التي جرى تشغيلها آليًا، وتقليص أوقات الاستجابة. وهذه المقاييس مفيدة، لكنها لا تمثل في حد ذاتها قيمة للمؤسسة. فقد تصبح إحدى العمليات أكثر كفاءة، بينما تظل قاعدة التكاليف وهيكل التوظيف ومستوى التعقيد في المؤسسة من دون تغيير.

لنفترض أن فريقًا لخدمة العملاء يستخدم الذكاء الاصطناعي لحل استفسارات العملاء بسرعة أكبر. فإذا لم يسمح هذا التحسن للمؤسسة بخدمة عدد أكبر من العملاء، أو تحسين معدلات الاحتفاظ بهم، أو إعادة توزيع الموظفين، أو خفض تكاليف الموردين، أو تقليل الحاجة إلى التوظيف، فقد لا يتحول الوقت الذي تم توفيره إلى وفورات مالية فعلية. وينطبق الأمر نفسه على مجالات التمويل والمشتريات وتطوير البرمجيات وغيرها من الوظائف التي تهيمن عليها أعمال معالجة المعلومات المتكررة.

ولهذا السبب، يحتاج القادة إلى وضع سلسلة واضحة لتوليد القيمة لكل استثمار رئيسي في الذكاء الاصطناعي: ما التحسن الذي سيحدث على مستوى المهمة؟ وكيف سيؤثر هذا التحسن في نتائج العملاء أو القوى العاملة أو العمليات؟ وكيف ستنعكس تلك النتائج بدورها على الإيرادات أو التكاليف أو هوامش الربح أو أي هدف استراتيجي آخر؟

ومن دون هذا الترابط، تخاطر المؤسسات بالاحتفاء بحجم النشاط بدلًا من الأثر الفعلي.

فائض القدرات الناجم عن الذكاء الاصطناعي يخلق تحديًا جديدًا للقوى العاملة

يظهر فخ الإنتاجية بأوضح صوره في القوى العاملة. ففي الاستطلاع نفسه، أفادت 62% من المؤسسات بأن الذكاء الاصطناعي أوجد بالفعل فائضًا في قدرات القوى العاملة لا يقل عن 10%، بينما تتوقع 94% من المؤسسات بلوغ هذا المستوى من الفائض بحلول عام 2030. وفي الوقت نفسه، تواجه المؤسسات نقصًا حادًا في المهارات المتعلقة بحوكمة الذكاء الاصطناعي، وتنسيق عمل الوكلاء الذكيين، وعلوم البيانات، وإدارة المخاطر، وتصميم سير العمل الذي يجمع بين الإنسان والآلة. ومن المرجح أن يستمر هذا العجز؛ إذ تقول 97% من المؤسسات إن ما لا يقل عن 10% من موظفيها غير مؤهلين بما يكفي للعمل إلى جانب الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن، فيما تتوقع 87% منها استمرار هذا النقص في المهارات حتى عام 2030.

كما يتعين أن يبدأ تخطيط القوى العاملة في مرحلة أبكر. فعلى الرغم من أن 69% من المؤسسات تقيّم فجوات المهارات بصورة منتظمة، فإن 48% فقط تدمج التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة ضمن خرائط طريق التحول بالذكاء الاصطناعي. ولا يمكن لفرق التكنولوجيا والأعمال والموارد البشرية إعداد خطط منفصلة ثم توقع أن تتوافق الجوانب الاقتصادية بعد بدء التنفيذ.

إعادة توزيع الموظفين هي أسرع وسيلة لاستخلاص القيمة من الذكاء الاصطناعي

لدى المؤسسات خيارات تتجاوز مجرد استيعاب القدرات غير المستغلة أو إطلاق برامج واسعة لإعادة الهيكلة. ووفقًا للاستطلاع، تستخدم 66% من المؤسسات برامج تطوير المهارات وإعادة التأهيل، فيما تعتمد 44% على التنقل الوظيفي الداخلي، وتلجأ 38% إلى تجميد التوظيف بشكل استراتيجي أو التحكم فيه.

ويمكن لهذه الأدوات أن تعمل معًا. إذ يمكن إعادة توزيع الموظفين لتحسين التفاعل مع العملاء، وتعزيز المبيعات، ودعم الابتكار، والإشراف على العمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، أو شغل الأدوار الجديدة في مجالي الحوكمة والمخاطر. كما يمكن أن يساعد التناقص الطبيعي في أعداد الموظفين وضبط عمليات التوظيف على مواءمة القدرات تدريجيًا مع حجم الطلب، مع إمكانية تعديل الاعتماد على المتعاقدين عند الاقتضاء. وفي الحالات التي تكون فيها التغييرات في القوى العاملة مقيدة بالتشريعات أو بعلاقات العمل أو بالاعتبارات الاجتماعية، يمكن للمؤسسات إعطاء الأولوية لمبادرات الذكاء الاصطناعي التي تدعم النمو وتحسن الخدمات، بما يتيح استيعاب ارتفاع الطلب من دون زيادة عدد الموظفين بالنسبة نفسها.

ويُعد هذا النهج أكثر مسؤولية وأكثر جدوى من الناحية الاقتصادية مقارنة بالتعامل مع الإنتاجية باعتبارها مرادفًا لتقليص أعداد الموظفين. فالهدف هو توجيه القدرات نحو أعمال ذات قيمة أعلى ونتائج قابلة للقياس.

ويقدم بنك Commerzbank مثالًا عمليًا على كيفية تطبيق هذا النهج. فابتداءً من عام 2030، يتوقع البنك أن تحقق مبادراته في مجال الذكاء الاصطناعي قيمة إضافية تُقدّر بنحو 500 مليون يورو سنويًا، وأن تحرر نحو 10% من قدراته، مع إعادة توجيه جزء منها لمنح الموظفين العاملين في المبيعات مزيدًا من الوقت لتقديم خدمات استشارية عالية الجودة للعملاء. وتشمل عملية التحول الأوسع في البنك خفضًا إجماليًا بنحو 3,000 وظيفة على مستوى المجموعة، على أن يُعوَّض ذلك جزئيًا من خلال التوظيف المستهدف في مجالات مختارة للنمو والمستقبل، إلى جانب الاستفادة من برامج التقاعد القائمة، والتناقص الطبيعي في أعداد الموظفين، والعوامل الديموغرافية.

اختبر قابلية التوسع وجاهزية القوى العاملة معًا

حتى أفضل حالات الاستخدام المحلية لا تحقق سوى قيمة محدودة على مستوى المؤسسة إذا تعذر توسيع نطاقها. فكثيرًا ما تظهر التعقيدات التنظيمية، وصعوبات التكامل مع الأنظمة القديمة، وتجزؤ البيانات، بعد نجاح المشروع التجريبي. وأقل من ثلث المؤسسات فقط تجري تقييمًا رسميًا لقابلية التوسع قبل إطلاق مبادرة في مجال الذكاء الاصطناعي، رغم أن 54% منها ترى أن توافر بيانات موثوقة وعالية الجودة يمثل عاملًا حاسمًا في توسيع نطاق استخدام هذه التقنيات.

وقبل الموافقة على استثمار كبير في الذكاء الاصطناعي، ينبغي للقادة طرح ثلاثة أسئلة. هل يمكن توسيع نطاق الحل ليشمل العمليات ووحدات الأعمال والأسواق ذات الصلة؟ وهل يمكن ربط فوائده التشغيلية بنتائج قابلة للقياس على مستوى العملاء والأداء المالي؟ وهل تستطيع المؤسسة تكييف الأدوار والمهارات وتوزيع الموارد من أجل الاستفادة من القدرات التي يخلقها الذكاء الاصطناعي؟

وفي نهاية المطاف، يتطلب الخروج من فخ إنتاجية الذكاء الاصطناعي من القادة اتخاذ قرارات مدروسة بشأن الوجهة التي ينبغي توجيه هذه القدرات إليها، وكيف يمكن تحويلها إلى قيمة قابلة للقياس.

المصدر

مقالات ذات صلة