القائمة الرئيسية

قيمة التقدم التكنولوجي

قيمة التقدم التكنولوجي
ملخص المقال

يتناول هذا المقال جدلًا حول ما إذا كان التقدم التكنولوجي يحسّن حياتنا حقًا ليس فقط ماديًا وصحيًا، بل أيضًا من حيث السعادة والقدرة على عيش الحياة المرغوبة. وبدلًا من الاعتماد على البيانات المجمعة، يستعرض الكاتب تجربته الشخصية على مدى أربعين عامًا في الولايات المتحدة كدراسة حالة لتقييم هذا التقدم وفقًا لتصوراته عن "الحياة الجيدة". يخلص الكاتب إلى أن التكنولوجيا قد حسّنت حياته بشكل كبير في عدة جوانب، فقد زادت من متع الحياة (مثل العمل في المقاهي والتصوير الرقمي والاستمتاع بالفن)، ووسعت قدرته على التعلم عن العالم (بسبب وفرة المعرفة وتنوع الوسائط وأدوات البحث)، ومكنته من ممارسة عمل ذي معنى، وعززت علاقاته بالآخرين (من خلال التواصل الرقمي والسفر والقدرة على العيش قرب العائلة). كما وفّرت له التكنولوجيا وقتًا إضافيًا كبيرًا من خلال تبسيط المهام اليومية، وتقليل التنقل والتسوق، واستغلال أوقات الانتظار، وإتاحة تعدد المهام (مثل الكتب الصوتية)، إضافة إلى زيادة إنتاجية العمل التي أدت لارتفاع الدخل، والأهم من ذلك التطورات الطبية التي أطالت العمر وحسّنت جودة الحياة. وعلى الرغم من إقراره بوجود سلبيات محتملة للتقدم التكنولوجي (كالوحدة أو تحديات سوق العمل المستقبلية)، إلا أنه يرى أن فوائده الشخصية تفوق التكاليف بكثير. ويعزو عدم إدراك البعض لهذه التحسينات إلى صعوبة استيعاب التأثير التراكمي لآلاف التغييرات الصغيرة التي أحدثتها التكنولوجيا في حياتنا اليومية.

هل يجعلنا التقدم التكنولوجي أفضل حالًا حقًا؟ ليس فقط من حيث الثراء أو الصحة، بل أيضًا من حيث السعادة والقدرة على عيش الحياة التي نريدها؟

يمكنك محاولة حسم هذا الجدل بالاستناد إلى البيانات النفسية والاجتماعية المتعلقة بالرفاه الذاتي. ويمكنك النظر في البيانات المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي والاكتئاب، أو الشعور بالوحدة، أو تغير المناخ. وستكون كل هذه المساعي جديرة بالاهتمام. لكنني سأفعل شيئًا مختلفًا هنا. فبدلًا من إجراء دراسة غير شخصية تعتمد على البيانات المجمعة، سأفحص عن كثب التجربة المعيشة للتقدم التكنولوجي في الولايات المتحدة خلال السنوات الأربعين الماضية، مستعينًا بدراسة حالة واحدة أعرفها جيدًا، وهي حياتي أنا.

إن النظر إلى الأدلة المستمدة من حياتي الشخصية له سلبياته. وأبرزها أنه يصعب استخلاص أي استنتاجات من عينة لا تتجاوز شخصًا واحدًا. لكن هذا النهج يتمتع بميزة كبيرة تعوض هذا القصور، وهي أن لدي تصورات واضحة عن شكل الحياة الجيدة، ويمكنني تقييم التقدم التكنولوجي مباشرة وفقًا لهذه التصورات، بدلًا من الاعتماد على مؤشرات بديلة مثل الصحة أو الدخل أو إجابات الاستبيانات.

خيارات أفضل

أعتقد أن الحياة الجيدة تتكون من عناصر عديدة. دعونا نستعرضها واحدًا تلو الآخر.

أحد هذه العناصر هو الاستمتاع بمتع الحياة. فعلى سبيل المثال، أحب الأجواء التي يوفرها العمل في المقاهي. وبفضل التطورات في الحوسبة وشبكات الواي فاي والإنترنت، أصبح بإمكاني قضاء بضع ساعات يوميًا في العمل داخلها. لم يكن هذا الخيار متاحًا لي عندما كنت أكبر.

وهناك شيء آخر أستمتع به، وهو التصوير الفوتوغرافي. فقد أسهم التصوير الرقمي في تحسين مهاراتي في التقاط الصور، وأصبح بإمكاني الاحتفاظ بكاميرا جيدة في متناول يدي دائمًا. كما سهّل عليّ الاطلاع على الصور التي التقطتها. إذ يتيح هاتفي الوصول إلى كل صورة التقطتها تقريبًا، ويعرض لي، باستخدام الخوارزميات، صورًا مختلفة من حياتي عدة مرات يوميًا. ومعظمها صور لأطفالي. إنها متع صغيرة أتاحتها التكنولوجيا الجديدة.

كما حسّن التقدم التكنولوجي تجربتي مع بعض أشكال الفن تحسينًا جذريًا. فقد شاهدت عبر خدمات البث أكثر من فيلم واحد أسبوعيًا خلال العام الماضي، وكان معظمها جيدًا جدًا. وأنا أعمل حاليًا على مشاهدة الأفلام الواردة في استطلاع معهد الفيلم البريطاني لعام 2022 لمجلة «سايت آند ساوند» حول أعظم الأفلام على مر العصور.

ووفقًا لبيانات سبوتيفاي، استمعت إلى نحو 55 ألف دقيقة من الموسيقى لأكثر من ألف فنان بين يناير ومنتصف نوفمبر 2024، أي ما يعادل نحو 16 في المئة من وقت يقظتي خلال تلك الفترة! إن تنوع الخيارات، وجودة العرض، وإمكانية الاستمتاع بالفن في مختلف الأوقات، حتى في الساعات غير المعتادة، كلها ثمار لعدد هائل من التطورات التكنولوجية التي شهدتها حياتي.

الاستمتاع بمتع الحياة أمر جميل، لكن الحياة الجيدة تتضمن أكثر من ذلك بكثير. ومن جوانب الحياة الجيدة بالنسبة إليّ أن أتعلم عن العالم من حولي. وخلال حياتي، شهدت الخيارات المتاحة لنا للتعلم ثورة حقيقية.

لنبدأ بالمستوى الأكثر وضوحًا: هناك ببساطة معلومات ومعارف أكثر مما كان متاحًا في أي وقت مضى في التاريخ. فلدينا اليوم مزيد من العلوم والتاريخ والقصص والأفكار، وهي متاحة بلغات أكثر ومن وجهات نظر متنوعة. لقد تجاوز حجم المعرفة المتاحة بكثير ما يستطيع أي إنسان تعلمه خلال حياته. ويرجع جانب كبير من هذه المعرفة الجديدة إلى التطورات التكنولوجية بمختلف أنواعها، مثل التلسكوبات، ومصادمات الهادرونات الكبيرة، وتقنيات تسلسل الجينات، ورقمنة الوثائق التاريخية، والبرمجيات الإحصائية، وغيرها.

لكن التكنولوجيا لم تساعدنا على اكتشاف المزيد فحسب، بل حسّنت أيضًا بدرجة كبيرة الوسائط التي أستخدمها للاطلاع على الأفكار والتحليلات. فقد أتاح الإنترنت ازدهار منظومة واسعة من الشروحات المكتوبة التي تسعى إلى تبسيط المواد المعقدة وجعلها مفهومة، مثل المدونات ومنصة «سبستاك» وموسوعة ويكيبيديا وغيرها. كما وسّعت النماذج اللغوية الكبيرة نطاق الخيارات المتاحة للتفسير القائم على النصوص إلى مستوى أعلى بكثير. وإلى جانب النصوص، شهدنا ثورة في محتوى الفيديو، الذي يناسب تعلم بعض الأمور أكثر من غيره، مثل النقد السينمائي وإصلاح الأعطال المنزلية بالنسبة إليّ. وأصبح تنزيل أنواع البيانات المختلفة وفرزها وتمثيلها بيانيًا أسهل من أي وقت مضى.

وإضافة إلى ذلك، تحسنت كثيرًا قدرتنا على البحث في هذا الكم الهائل من الأفكار وفرزها. فإذا كنت أعرف تحديدًا ما أبحث عنه، مثل عنوان أو اسم مؤلف أو اقتباس معين، فإن محرك بحث غوغل يستطيع العثور على الإبرة في كومة قش هائلة. أما إذا كانت ذاكرتي غير واضحة، فإن النماذج اللغوية الكبيرة توفر وسيلة مفيدة للعثور على ما أريده. وبالنسبة إلى الأمور التي لم أكن أعرف أصلًا أنني أريد معرفتها، فقد أتاح لي الإنترنت، أو بصورة أدق النشرات البريدية والمدونات ومنصة تويتر، المعروفة حاليًا باسم إكس، رغم أنني لا أعرف إلى متى ستظل متاحة بهذا الشكل، وغير ذلك من الجهات التي تنتقي المحتوى وتقدمه، الاطلاع على أفكار أكثر بكثير مما كان متاحًا لي قبل ظهور الإنترنت. لقد عزز التقدم التكنولوجي خلال العقود القليلة الماضية قدرتي على التعلم بدرجة كبيرة.

ومن جوانب الحياة الجيدة الأخرى، في رأيي، القدرة على توظيف إمكاناتنا على نحو جيد، والمشاركة في أعمال نجد فيها معنى وقيمة. وإذا نظرت إلى نفسي، فستجد أن بعض المهام التي أؤديها في عملي كان من الممكن إنجازها باستخدام التكنولوجيا المتاحة عند ولادتي، وإن كنت أعتقد أن ذلك كان سيتطلب جهدًا ومشقة أكبر بكثير. لكن جزءًا كبيرًا من عملي خلال السنوات القليلة الماضية تمثل في كتابة مراجعة أدبية متجددة باستمرار، وهو نوع من العمل لم يصبح ممكنًا من الناحية التكنولوجية إلا خلال حياتي. وأنا محظوظ لأنني اكتشفت أنني أجيده وأستمتع به، وأعتقد أنه عمل مهم وله قيمة.

ننتقل الآن إلى جانب آخر، وهو العلاقات مع الآخرين، التي تمثل بدورها جزءًا من الحياة الجيدة. وهنا أيضًا أسهمت التكنولوجيا في تحسين الأمور. فقد أصبحت بعض علاقاتي بالآخرين تتم عبر الوسائط الرقمية، سواء من خلال الرسائل النصية أو التغريدات أو المحادثات عبر زووم. ولا شك أن اللقاء وجهًا لوجه أفضل، لكن ذلك ليس ممكنًا دائمًا، وهذه الوسائل تظل أفضل من تبادل الرسائل الورقية.

وفي أحيان أخرى، تتيح لي التكنولوجيا عقد لقاءات مباشرة ربما لم تكن لتحدث لولاها، ولا سيما مع الأشخاص الذين يعيشون بعيدًا. فعلى سبيل المثال، أسافر بالطائرة لأغراض العمل أكثر مما كان والدي يفعل في المرحلة المقابلة من مسيرته المهنية. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن التقدم التكنولوجي جعل تكلفة الرحلة أقل من حيث عدد ساعات العمل اللازمة لتغطيتها.

ومن ناحية أخرى، تمنحني التكنولوجيا قدرة أكبر بكثير على التحكم في الأشخاص الذين ألتقي بهم وجهًا لوجه. فقد نشأت في ولاية آيوا، وأعيش فيها الآن بعد أن انتقلت منها في مراحل مختلفة من حياتي من أجل العمل والدراسة. كما تعيش عائلتي الممتدة هنا. وبفضل التكنولوجيا التي تتيح لي العمل عن بُعد، أستطيع العيش بالقرب من أفراد عائلتي الممتدة، ورؤيتهم شخصيًا، بينما أتواصل مع زملائي في العمل عبر الوسائل الرقمية، بدلًا من أن يكون الوضع معكوسًا.

لقد أوضحت حتى الآن أن التقدم التكنولوجي خلال حياتي أتاح لي عيش حياة أفضل بطرق تتجاوز المظاهر السطحية، وذلك في جوانب متعددة، تشمل الاستمتاع بمتع الحياة، والتعلم عن العالم، وتوظيف قدراتي، وأداء عمل ذي معنى، والتواصل مع الآخرين.

أما العنصر الأخير من عناصر الحياة الجيدة، في رأيي، فهو التصرف الأخلاقي. ولست متأكدًا بالقدر نفسه من أن التكنولوجيا أتاحت لي خيارات أفضل للعيش بطريقة أخلاقية، بل إنني لست واثقًا حتى من أن هذه الفكرة متماسكة من الأساس. لكنني أرى أن جانبًا من الأخلاق ينبع من الفضول تجاه الآخرين، الذي يتحول إلى تعاطف وتفهم لمشاعرهم، فنرغب عندئذ في أن تتحسن حياتهم. وإذا صح ذلك، فإن قدرتنا على التعرف على حياة الآخرين وفهمها قد تعني أن قدرتنا على التصرف الأخلاقي تحسنت بالفعل بفضل التكنولوجيا.

وقت أطول

هناك طريقة رئيسية أخرى أسهم بها التقدم التكنولوجي خلال حياتي في تحسين مستوى معيشتي، وهي أنه منحني مزيدًا من الوقت لأستثمره في الجوانب الأفضل من الحياة.

كثير من هذه التطورات عبارة عن تحسينات تدريجية يصعب الشعور بالحماس تجاهها. فأنا الآن أُعد الخضراوات المجمدة لأطفالي في كيس داخل الميكروويف، بدلًا من طهيها في قدر على الموقد. وهذا يوفر بضع دقائق كنت سأقضيها في مراقبة القدر وتنظيف أدوات الطهي بعد ذلك.

وأصبحت معظم معاملاتي المالية تتم دون تلامس، وهي طريقة أسرع قليلًا من استخدام بطاقة الخصم أو النقود، كما أنها تعفيني من الذهاب إلى أجهزة الصراف الآلي. وأصبحت السيارات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود بنسبة تتراوح بين 15 و30 في المئة مقارنة بما كانت عليه عندما تعلمت القيادة للمرة الأولى، مما يقلل قليلًا من الوقت الذي أقضيه في محطات الوقود. كما أنها تحتاج إلى تغيير الزيت كل خمسة آلاف ميل بدلًا من كل ثلاثة آلاف ميل.

وبعض الأجهزة الكهربائية المنزلية التي أستخدمها، مثل نافخة الثلج الكهربائية ونافخة أوراق الأشجار، لا تحتاج إلى صيانة على الإطلاق. وأنا متأكد من وجود وسائل راحة أخرى كثيرة، قد تكون كل واحدة منها صغيرة إلى حد أنني لا ألاحظها أصلًا. لكنها تتراكم معًا. وعند جمعها، يسهل عليّ تصديق أن هذه التسهيلات الصغيرة توفر لي أربع دقائق على الأقل يوميًا، وهو ما يعادل يومًا إضافيًا كل عام.

وهناك تطورات أخرى أكثر وضوحًا. فبما أنني أعمل عن بُعد، لم أعد أضطر إلى القيادة يوميًا للوصول إلى العمل. وبفضل التسوق عبر الإنترنت وخدمات التوصيل، أصبحت أقضي وقتًا أقل بكثير في القيادة إلى المتاجر وشراء الأغراض منها، إلا إذا كنت أرغب فعلًا في الذهاب بنفسي. كما أصبحت سلع كثيرة، مثل الأفلام والموسيقى والكتب الصوتية، متاحة فورًا عبر الإنترنت. وأصبحت تصلني أيضًا، من خلال الاشتراكات، كثير من الأشياء الروتينية الأقل متعة.

وإذا جمعت هذه التغييرات، وافترضت أنها توفر لي ساعة يوميًا من وقت التنقل والتسوق والتجول داخل المتاجر، فهذا يعادل خمسة عشر يومًا على مدار العام، أي مدة أطول من الإجازات السنوية التي توفرها سياسات كثير من الشركات الأمريكية، وكل ذلك من وقت الاستيقاظ، لا من ساعات النوم.

وتكتسب هذه التطورات قيمة خاصة لأن الوقت الذي توفره يمكن استخدامه بالطريقة التي نختارها. لكن إذا كانت تقنيات الراحة قد وفرت لي خمسة عشر يومًا سنويًا لأفعل فيها ما أشاء، فمن المرجح أن تقنيات أخرى أتاحت لي مقدارًا مماثلًا من الوقت، وربما أكثر، وإن كانت تفتح المجال أمام مجموعة أضيق من الخيارات.

تمتلئ الحياة بلحظات قصيرة وغريبة لم يكن ممكنًا في السابق استغلالها في شيء يتجاوز التفكير، مثل انتظار الحافلة، أو غليان الماء في الغلاية، أو وصول الطبيب لرؤيتك، أو تحرك طابور الدفع، أو انتهاء طفلك من درس البيانو، وغير ذلك. التفكير أمر رائع، لكن الهواتف المحمولة، إلى جانب الإنترنت، تمنحني خيارات أكثر الآن. ويعتمد مدى نجاحي أو إخفاقي في استغلال هذا الوقت إلى حد ما عليّ شخصيًا، لكنني أعتقد أنني أستفيد منه جيدًا في التعرف على العالم بصورة أوسع، من خلال جرعات معرفية قصيرة. وتتراكم هذه اللحظات مع مرور الوقت، كما يستطيع أن يشهد كل من يشعر بالقلق عند الاطلاع على التقرير الأسبوعي الذي يعرض عدد الساعات التي قضاها على هاتفه.

تساعدني التكنولوجيا على استعادة هذه اللحظات المتفرقة واستغلالها على نحو أفضل، لكنها تمنحني وقتًا إضافيًا أيضًا من خلال إتاحة استخدام الوقت نفسه لغرضين مختلفين. فمنذ سنوات طويلة، أصبح نحو نصف الكتب التي أقول إنني «قرأتُها» كتبًا صوتية استمعت إليها أثناء القيام بأنشطة كان من المستحيل معها القراءة بالطريقة التقليدية، مثل المشي أو غسل الأطباق أو القيادة. والكتب الصوتية موجودة منذ زمن طويل، لكن تقنيات مختلفة ظهرت خلال حياتي جعلت استخدامها أكثر سهولة وراحة بكثير.

وتأتي البودكاست في مرتبة أقل أهمية بالنسبة إليّ، لكنها تظل تحسنًا كبيرًا مقارنة بالخيارات التي كانت متاحة لي قبل عقدين من الزمن. وغالبًا ما تتضمن البرامج التي أستمع إليها مقابلات معمقة. كما أستخدم برامج تحويل النص إلى كلام لقراءة المقالات وصفحات المواقع بصوت مسموع عندما لا يتوفر لها تسجيل صوتي.

ومع ذلك، فإن الحديث عن فوائد الوقت الإضافي لا يزال أقل من حجمها الحقيقي. فكثير من التقنيات توفر الوقت اللازم لإنجاز مهام العمل. وبعبارة أخرى، تزيد التكنولوجيا أيضًا إنتاجية العمل. ولا يستعيد العاملون هذا الوقت عادة لاستخدامه في حياتهم الشخصية، لكنهم يستطيعون بيع عملهم مقابل أجر أعلى.

لقد ارتفع متوسط دخل الأسرة الأمريكية بنحو 35 في المئة خلال حياتي، بينما اقترب نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من الضعف. وقد ارتفع دخل أسرتي خلال السنوات الأخيرة بمقدار مشابه تقريبًا، ولذلك لدي تصور واضح نسبيًا عما يعنيه هذا المستوى من الزيادة في الدخل. وفي الغالب، أعتقد أن الأمور أصبحت أفضل قليلًا من مختلف النواحي، رغم أننا ننفق أيضًا على مزيد من وسائل الراحة، مثل الاستعانة أحيانًا بمن يرعى الأطفال وتناول الطعام خارج المنزل، وعلى تعزيز الأمان المالي من خلال زيادة المدخرات.

ومن اللافت أن معظم ما ننفق عليه الأموال الإضافية من تقنيات وخدمات قد اختُرع قبل ولادتي. لكن التقدم التكنولوجي الذي تحقق خلال حياتي جعلنا قادرين على تحمل تكاليف الحصول على المزيد منها.

ومع ذلك، هناك طريقة أخيرة تمنحنا بها التكنولوجيا وقتًا إضافيًا، وهي الأهم والأكثر تأثيرًا على الإطلاق: التطورات الطبية التي تنقذ الأرواح.

لقد كنت محظوظًا بما يكفي لتجنب المشكلات الطبية الخطيرة طوال حياتي. وبالنسبة إليّ، ربما كان التطور الطبي الذي حسّن حياتي الشخصية أكثر من غيره هو لقاحات كوفيد 19 القائمة على الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA). لكن لدي أصدقاء وأفرادًا من العائلة خاضوا معارك مع السرطان، وواجهوا ولادات متعسرة، ونوبات قلبية، وإصابات ناجمة عن صدمات جسدية قوية، وأمراضًا نادرة. ومن المرجح أن كثيرين منهم كانوا سيموتون لو توقف التقدم الطبي عند المستوى الذي بلغه وقت ولادتي.

وخلال حياتي، ارتفع متوسط العمر المتوقع في الولايات المتحدة بنسبة لا تقل عن 3 في المئة. وعندما أفكر في أصدقائي وأفراد عائلتي الذين نجوا من مشكلات طبية كانت ستؤدي إلى وفاتهم قبل أربعين عامًا، أجد أن هذه الزيادة تتفق مع ما شهدته بنفسي.

حياة أفضل

تتكامل زيادة الخيارات، ووفرة وقت الفراغ، وارتفاع الدخل، ويعزز كل منها الآخر. فأصبح لدينا وقت أكبر لننفقه بالطريقة التي نريدها، وأشياء أفضل ننفق هذا الوقت عليها. ولا تقتصر المكاسب على وسائل الترفيه البسيطة أو المشتتات العابرة، بل تشمل جوانب مهمة يمكن أن تمنح الحياة معنى وقيمة.

لكن ربما أكون قد انتقيت الأمثلة التي تدعم وجهة نظري. فالتقدم له سلبياته أيضًا. وأعتقد أنه من الممكن أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي قد جعلت الناس أقل سعادة في المجمل. كما أن القدرة على التسوق والعمل والترفيه دون مغادرة المنزل قد تسهم في تزايد الشعور بالوحدة. وربما تؤدي تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات في المستقبل إلى الاستغناء عن أعداد كبيرة من العاملين، مما يجعل العثور على عمل ذي معنى أكثر صعوبة.

لكن هذا المقال ليس المكان المناسب لمحاولة حسم هذه المخاوف. فهذه مهمة الإحصاءات الشاملة والدراسات الأكاديمية، وهي أمور أتجنبها عمدًا في هذا المقال. وإذا اقتصرت على الأدلة التي أتناولها هنا، أي تجربتي الشخصية، فأعتقد أن فوائد هذه التقنيات قد فاقت تكاليفها بفارق كبير حتى الآن.

أخرج من هذه التجربة بشعور مطمئن إلى حد بعيد بأن التقدم التكنولوجي جعل حياتي أفضل بالفعل، وبطرق ذات معنى، رغم أن مستوى التكنولوجيا عند ولادتي كان جيدًا أصلًا. وأظن أن الفائدة ستكون أكبر بالنسبة إلى الأشخاص الذين يبدأون حياتهم من ظروف أسوأ. لكن هذا يثير سؤالًا آخر: إذا كانت التكنولوجيا تجعل حياتنا أفضل فعلًا، فلماذا نشعر في كثير من الأحيان بأنها لا تفعل ذلك؟ ولماذا يستحق هذا السؤال أن نفكر فيه أصلًا؟

بناءً على هذه التجربة، سأطرح احتمالًا مفاده أن جزءًا من الإجابة يكمن في أن السؤال أكبر من أن نستوعبه بسهولة. فإذا سألتني سؤالًا أصغر عن تقنية محددة، فلن أجد صعوبة في الإجابة. هل جعلني التحديث الأخير لهاتف آيفون أعيش حياة أفضل؟ بالتأكيد، ولكن بدرجة بسيطة. وماذا عن لقاح الحمض النووي الريبي المرسال؟ لقد فعل ذلك بدرجة كبيرة جدًا، إذا نظرنا إلى المحصلة النهائية.

لكن هذا المقال أوضح أن التقدم التكنولوجي في حياتنا هو حصيلة آلاف التغييرات الصغيرة في معظمها. وهذا الكم الهائل أكبر من أن نحيط به ذهنيًا أو نصدر بشأنه حكمًا شاملًا. فعندما يُطلب منا تقييم التقدم التكنولوجي كله، فإننا إما أن نفكر في الخطوط المرسومة على الرسوم البيانية، وهي تمثل بيانات حقيقية، لكنها مجردة أكثر من أن نشعر بأثرها بصورة مباشرة، أو نفكر في عدد قليل من التحسينات التكنولوجية الملموسة.

لكن إذا اخترنا بضع تقنيات عشوائيًا، مثل السيارات الموفرة للوقود، وبث الموسيقى عبر الإنترنت، وتطبيق زووم، فسنجد أنها تبدو مفيدة، لكنها لا تبدو ذات أثر كبير عند مقارنتها بالأمور الأساسية التي نقدرها في حياتنا. ولا نبدأ في إدراك الحجم الهائل لما يقدمه التقدم التكنولوجي إلا عندما نبذل جهدًا لحصر جميع التقنيات المختلفة التي تخطر ببالنا وتدوينها. عندئذ فقط يمكننا أن نبدأ في استيعاب مدى اتساع ما أتاحه لنا التقدم التكنولوجي.

المصدر

مقالات ذات صلة